خوان مانويل روكا: الرومان يا كاساندرا كانوا ملاعين / ترجمة وتقديم: جمانة حداد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

خوان مانويل روكا، بحسب خوان مانويل روكا، لم يختر أن يولد في ميديين، ولا هو اختار خصوصا أن يفعل ذلك عام 1946، أي العام نفسه الذي أصدر فيه الشاعر الفرنسي رينيه شار تحفته “أوراق هيبنوس”، مما عتّم الى حد كبير على حدث ولادة الطفل الكولومبي وطبعه مدى الحياة.

وخوان مانويل روكا، بحسب خوان مانويل روكا، لم يطق المدرسة، ولم يستطع ان يداوم اكثر من فصل واحد في الجامعة، اذ فضّل ان يتعلم على مقاعد العالم، وقرر منذ نعومة أظافره انه يستطيع حتما العيش من دون مادتي علم الجبر والجغرافيا. عام 1997 منحته جامعة “فاللي” دكتوراه فخرية في الآداب، انتقم بها من كل مجتهدي العالم ودكاترته ومتخصصيه.
لم يمارس خوان مانويل روكا قط حقّه في الانتخاب، ولم يشتغل في الحقل الديبلوماسي. لم يتعلم العزف على الغيتار، ولا ينوي أن يتعلم. يؤكد أن غياب انسان وغياب شجرة مصنوعان من المادة نفسها، وأنه لا يخترع شيئا بل يكتب على لحم كلمات أخرى ماضية. من دواوينه “ذاكرة المياه” و”صيدلية الملاك” و”فرضيات لا أحد” و”بلوز الغيّاب”.
خوان مانويل روكا، بحسب خوان مانويل روكا، لم يكتب الشعر يوما.
هو الشعر كتب خوان مانويل روكا. (جمانة حداد)


مشهد فيه أطلال وكباريه
1
داخل هذه القصيدة
هناك مدينة.
داخل المدينة هاويةٌ،
داخل الهاوية أطلال،
داخل الأطلال جريح،
داخل الجريح
أنا.

2
داخل هذه القصيدة
هناك ليل.
داخل الليل شارعٌ،
داخل الشارع كباريه،
داخل الكاباريه مغنيّة،
داخل المغنيّة قلب،
داخل القلب
ميت.


فرضيات “لا أحد”
قد يكون الريح.
الورقة البيضاء. قد يكون.
قد يكون ذاك الذي
يمحوه المطر.
أذكر الآن رجلا أعمى
في ظهيرة حلوة في فريبورغ:
كان يمشي وحيدا تحت الثلج
مبتسما بغبطة
وفي يده عصا أشد بياضا من النديفات.
تجاوزني من دون أن يراني:
كنت أنا “لا احدَه”،
وهْـمَه في تلك المملكة المضيئة.
ربما نحن إذا
عميان “لا أحد”.
“لا أحد” قد يكون الريح
التي تشرّع النوافذ بضربات غير متناغمة
لكي تجعلنا نتكلم بلغة الحلم.
قد يكون ذاك الذي ترك وراءه
معطفا مهجورا
على مشجب المقهى،
معطف كأنه راية فراغ
ستختفي في أحد الأيام كصاحبها.
قد يكون ذاك الذي لم يكن يوما،
الذي لن يكون،
الذي تعب من أنه كان.
قد يكون، في بلاد المفقودين،
الموجود الوحيد الذي نسميه وهما،
ذاك الذي يجعل السلالم
تهتزّ ليلا
أو يوقع المقلاة في المطبخ،
ذاك الذي يغيّر أماكن الملاعق والشوك والسكاكين
التي نعجز عن إيجادها،
سارق المسافات.
قد يكون مسافر نفسه
بدويّ نفسه.
قد يكون يمارس مهنا في غير محلّها:
يجرجر أوراقا في الشارع النائي،
ينقل جرائد قديمة من جانب الى آخر في المدينة،
يحمل رائحة الخارج الى الوسط،
يمزّق بطاقات سينما الأمس،
يجعل القطارات ترحل
بمجرد أن يدق الجرس.
قد يكون الريح.
الورقة البيضاء. قد يكون.


قصيدة باطلة للرومان
كانوا ماكرين، هؤلاء الرومان.
ملأوا اوروبا بالأطلال
وتآمروا مع الزمن.
كان يهمّهم المستقبل،
وآثار الخطى
أكثر من الخطى.
الرومان، يا كاساندرا، كانوا ملاعين.
لم يبنوا قناطر سيغوفيا
لكي تكون ممرّات مياه وضوء
بل تصوّروها سلفا آثارا مقبلة
تشهد على ماض مندهش.
نثروا النصب المهلهلة في اوروبا،
والتماثيل البلا رؤوس
لأن أمجاد روما ابتلعت رؤوسها.
لم يصنعوا المدارج العظيمة
بغية ان تأكل النمور براحتها
المسيحيين الذين –
لنعترف –
يقطعون الشهية،
ولا لكي يروا جيوش سبارتاكوس
مشكوكة بالسيوف
مثل مقبّلات على موائد الجحيم.
هم خطّطوا لركامهم، ركام يتناسب
مع حجم ظلال الشمس المحتضرة.
صديقي دينو كامبانا
قفز ربما من حلق
احد آلهة الرخام اولئك.
الرومان
أعطونا مادة هائلة للتأمل.
مثلا،
عندما ألقى المرمّمون نظرة
داخل الشدق المفتوح
لحصان برونزي
في “بياتزا بيانكا”،
وجدوا في بطنه
هياكل يمامات.
هكذا حبّكِ
كلما امعنتُ في بنائه
تحوّل اطلالا.
حبّكِ
يا كاساندرا
روماني.


أغنية وداع على ايقاع “روك”
كل هؤلاء الرجال الذي يرقصون
سوف يموتون؟

  • نعم!
    والبرابرة الذين لا يصلون
    الى قصيدة اليوناني
    هل سيموتون أيضا؟
  • آه، نعم!
    والعصفور الأزرق الذي يوقظني
    من الكابوس المرعب
    الذي أتبختر فيه مكسوا بالوحول؟
  • نعم، نعم!
    والأطفال، بالله عليك،
    الأطفال الذين يوقعون سلّة أصواتهم
    وسط قصصنا السخيفة؟
  • أجل يا صغيرتي!
    والقمرالحليق الذقن والمعطّر بالخزامى
    والفتاة الأكثر جنونا من الطيور
    والأنهار التي يغتسل فيها الموت مرارا
    وأناشيد الله الغبية
    وكل الشعراء: المدّعون والطاهرون
    العاشقون والجدّيون والمقمّلون
    الشعراء المتعجرفون والمتعالون
    كلّهم سوف يموتون؟
  • نعم!
    نعم نعم نعم!

صلاة الى ربّ الشكوك
لا تعطني الإيمان، بل متاعا من شكوك
فهي جسري، نهري وأمواجي.
ليأتِ ملكوتك الغامض
ولتحفظْ في القلق حقائقي
المولودة والميتة والمدفونة
في نول النسيان.
ارمني في الرمال المتحركة
اعطني خبز الحيرة كفاف يومي
واسقني مياه الصمت.
لستُ بخادعك ولا أتلاعب عليك:
أنا الجريح وأنا حمّال نفسي.
فليكن كل يقين قصرا من ثلج
يحاصره أحدهم بالنار.
يا ربّ الشكوك
إذا كنت موجودا
استجب صلاة كافركَ.

(عن ملحق النهار الأدبي)
www.joumanahaddad.com
[email protected]

نشر في 1/08/2005 9:40:00

‫0 تعليق