ميشايل اوغستين: القصائد لا تُكتب القصائد تحدث / ترجمة: جُمانة حدَّاد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ألماني المسقط ناريّ الانتماء والهوى. ولد عام 1953 في مدينة لوبيك الشمالية، لكنه يعيش حاليا في بريمين مع زوجته الشاعرة الهندية سوجاتا بهات، وابنتهما جيني. شاعر ومترجم وصحافي ومقدّم برامج ثقافية على المحطات الاذاعية. درس الأدب الايرلندي في دبلن، اصدر عشرات الدواوين ونال جوائز أدبية عديدة. طافح بالكلمات، يؤكد أنه يخاف من ممحاة النسيان التي يراها تقترب كلما نظر وراءه، وأنْ تؤلمه كل تلك الأشياء الرهيبة التي ستظل غير مكتوبة. مشرّع القلب سريع الدمع. ما أكثر ما يبكيك؟ يسأله سائل. رائحة البصل!

يجيب، فتلمع عيناه الماكرتان كطفل أرعن. كذلك يحلو له ان يهزأ بالنقاد احيانا: “إذا كان حقا مركز قوة ذلك الشاعر المسكين يكمن بين السطور، كما ينصّ المقال، أليس أجدى به إذن أن يغفل كتابة القصائد وأن يقدّم للقراء صفحات بيضاء كاملة؟”.
ومن مثالك الأعلى؟ – لا أحد. معظم الشخصيات التاريخية لا تبدو لنا شاهقة الا لأنها تقف على كومة من الجثث. وماذا عن الطفولة، ميشايل؟ – آه، الطفولة… هي ليست سوى تلك الاوقات البائسة التي نصرّ لاحقا على تقديسها وتمجيدها والادعاء بأنها كانت نعمة من السماء.
وما مشاريعك؟ – يا لحسن حظي! لم يزل العالم مترعا بالأخطاء التي تنتظرني لكي ارتكبها اخيرا.
هكذا بعض الشعر والشعراء: قدرهم – وقدرنا – أن يفتحوا شهيتنا على ارتكاب الاخطاء.
ج.ح.


مختارات من قصائده (ترجمة جمانة حداد)

الى ما لا نهاية
وماذا تكتب الآن؟
يسأل أحدهم.

أكتبُ
ما دأبتُ على كتابته
مذ شرعتُ في الكتابة،
يقول الشاعر.

أكتب كلماتي الأخيرة.


آه، القرّاء
نظرياً،
يقول الشاعر،
يمكن تقسيم قرّائي فئتين رئيسيتين:
من جهة، اولئك الذي يقرأون كتبي
لأنهم محبطون،
ومن ثانية، اولئك الذين يحبطون
لأنهم يقرأون كتبي.

أما عمليا، فالأمور مختلفة:
اذ لا أحد جدير بالذكر يقرأ كتبي،
ما يحبطني أنا الى أقصى الحدود.


تشريحٌ شِعري
في بعض الأيام،
يقول الشاعر،
أكون،
من قمة رأسي حتى أخمص قدميّ،
مكوّناً
من كاحل آخيل.


في المحبرة
أحياناً،
يقول الشاعر،
أكاد أسمعها –
القصائد –
تصرخ من أعماق المحبرة:

أخرِجني من هنا!
أخرِجني من هنا!


عن القصائد
القصائد
لا تُكتب،
القصائد
تحدث.

القصائد
كانت هنا
قبل ان يولد الشعراء.

القصائد
الواح زجاج
مخدوشة.

القصائد
قابلة للتحلّل
وتاليا
يجب عدم تعريضها للحرارة
مهما كانت الظروف.

القصائد
مفتوحة على مدار الساعة
(حتى الهرمسية منها).

القصائد
الآتية من بلاد اجنبية
لا تحتاج
الى ﭭيزا:
مترجم جيد يكفي.

لا أحد
يجب ان يُجبر
على قراءة قصيدة
ولا خصوصاً على كتابة واحدة.

القصائد
ليست مسؤولة
عن كاتبها.

القصائد
لا تقرأ القصائد.

القصائد
قابلة للإستبدال
بقصائد أخرى
في أي وقت.


عن القرّاء
يحتاج القرّاء الى ان يكون كل شيء مكتوبا أمامهم.

في رفوف مكتبات القرّاء
ثمة برغيّ رخو.

القرّاء يقرأون فقط
ما كُتب سلفاً لهم.

القرّاء يرون العالم
بالاسود والأبيض.

القرّاء يغضون النظر
تحديدا عما يجب ان ينعموا النظر فيه
أثناء القراءة.

القرّاء يسعون دائما الى غاية واحدة.

القرّاء يتركون لأنفسهم
أن يُخدَعوا
من جانب كتّابٍ غرباء.

القرّاء يوافقون بسرور
على أن يتم تكبيلهم.
هم يتبعون تسلسل الكلمات
ويتلصصون.

القرّاء يدفعون المال
لكي يهينهم الكتّاب.

القرّاء يودّون،
يودّون،
لكنهم لا يستطيعون.

عندما يثمل القرّاء
يقرأون كل شيء مضاعفا.
وعندما يصحون من سكرتهم
يقرأون النصف فحسب.

كل ما يقرأه القرّاء
سيّان عندهم:
قصيدة لغوتـفريد بنّ،
او تلك الأحرف الصغيرة
على انبوب معجون الاسنان.

ينبغي للقرّاء أن يقرأوا
حبّات البازيللا،
أو عناقيد العنب،
أو فناجين القهوة،
ولكن يجب ألا يقرأوا الكتب!

القرّاء يتوهّمون فعلا
أن كل كلمة
كُتبت خصوصا من أجلهم.

القرّاء لا يدركون
أن ثمة فرقاً
بين كلمتَيْ
سلاح
وصلاح.

لو كان في مقدور القرّاء أن يقرأوا فعلا
لكانوا قرأوا
أشياء اخرى غير هذه.


يحزنني (مقتطفات)
يحزنني
الرجل في السترة الحمراء
الذي ما انفك يتوق الى سترة زرقاء
طوال الأعوام العشرين الأخيرة
لكنه كان كل مرة يشتري سترة حمراء بدلا منها.

يحزنني
الشتاء
الذي لن يعيش يوما ليرى الصيف.

يحزنني
الأطفال
الذين بدأت تلوح فيهم
بوادر سن الرشد.

تحزنني
عبارة “بلا جدوى”
لأنها سوف تظل بلا جدوى.

يحزنني
السؤال
الذي يدّعي الجميع – وأعني الجميع –
معرفة جوابه.

يحزنني
ذاك الباحث عن السعادة
الذي وجدها على غفلة منه
منذ وقت طويل،
ولم يكتشف بعد أنها شرعت في النفاد.

يحزنني
الصدى
الذي يحلم ولو لمرّة
أن تكون له الكلمة الأولى.

يحزنني
المستقبل
الذي مع كل لحظة تمرّ
ينكمش،
فيكبر الماضي.

تحزنني
برلين.

تحزنني
مرآة المغسلة
التي يفضحها رعبها
عندما أنظر اليها صباحا.

تحزنني
حبة البازيللا
التي تتقلب الأميرة عليها وتتململ.

يحزنني
الكتّاب الأموات
لأنهم مضطرون دائما
الى الحلول مكان الأحياء.

تحزنني
الخطوط المتوازية
التي لا مفرّ من أن تصطدم
في اللانهاية.

تحزنني
هذه القصيدة.


وازن
عددٌ أقل بازدياد
من المواطنين
يؤمنون بالله.

وحسبي أن الشعور
متبادل.

(عن ملحق النهار الثقافي)
[email protected]
www.joumanahaddad.com

نشر في 17/07/2005 9:40:00

‫0 تعليق