نسرين مغربي: أستفز عدواتهم لكي أستفز محبتهم

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بحوث ومقالات
“عودة ديك الجن الى الارض” هو عنوان قصيدة للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين (من ديوان “الشوكة البنفسجية”), اختار منها بداية هذا المقطع:

  • من هناك؟
    صاحب هذا البكاء المبكر؟
  • هذا أنا…
    لا احد
    لا أحد
    أتعرف قبر سيدتي
    قبر “نسرين” في طرف التل؟

طبعا وقع اختياري على هذا المقطع لاسباب نرجسية (بالاحرى يجب ان اقول “لاسباب نسرينية”) فقد أثار لدي اسم نسرين مشاعر مختلطة بسبب الموت والقبر. لكن ما لفت انتباهي من هذه القصيدة, للمقالة الحالية على الاقل, اول مقطعين منها:
حين أحثو من التراب والحلم
شيئا على صورتي
واتركها فوق تل من الريح تبكي
وتندب احوالها
سأرفع من بنفسجة الدم
شاهدة فوق قبري
وأجعلها سببا لاقتراب الحنين.
أقول لكم:
أيها الواقفون على حفرة للوداع.
أقول لكم: يا صدى وحشتي
انظروا
ان روحي مشردة
ودمي لا يضيء الفراغ


ضائعا حيثما ضيعتموني
جائعا حيث تعرى الفصول
أقول لهذا القميص الشتائي:
كن رايتي في فراغ الحقول
فالسواقي معبأة
ودمي فائر
كالنواعير عند اشتداد السيول
كتبوا فوق جبانة العاشقين
“انتهى”
لكي يمنعوني
فاقبلت – بي لوعة الشهداء-
وشيء هو الصمت
يقرع هذا الخواء
وها انني استفز عداوتهم
لكي استفز محبتهم
انا قاسم الرعد بين الدماء
سأكسر في الارض ميزانها
واطلق في السهل وعل البكاء
وكي استرد من الشمس عداد قلبي
سيلزم ان استرد الفضاء
وان اضبط الدمع
في بقعة الازل الذي لا يزول
فالسواقي معبأة
ودمي فائر
كالنواعير عند اشتداد السيول
وقد وجدت نفسي احفظ غيبا واردد مع الشاعر “ضائعا حيثما ضيعتموني/ جائعا حيث تعرى الفصول”, فهذه العبارات وجو القصيدة العام الذي ينوح على فاجعة أخلت الموازين واخرجت الصوت من نقطة اتزانه وجدت لها صدى في قلبي. وعندما قرأتها كنت افكر حصرا بالصعاليك, خاصة بشخصية الشنفرى, وشعرت ان جوها الموحش و”لوعة الشهداء” فيها, والعداوة الظاهرة والتي تبطن في داخلها محبة ما بعدها محبها, احالني مباشرة الى الوحشة التي نستشفها من عيشة الصعاليك, اولئك الذين آثروا الوحدة والخروج على المجتمع الجاهلي, بل ومرافقة الوحوش وتفضيلهم على البشر, كما يصرح الشنفرى في قصيدته. وكي لا اطيل الكلام اقول ان قراءتي للقصيدة ولحياة الصعاليك متأثرة بقدر كبير من مقالة لفرويد بعنوان Das Unheimliche (والتي تعني اللابيتية, او الايحاش), حيث يناقش فرويد فيها ظاهرة الشيء “المريب”.
في بداية المقالة يسعى فرويد الى فهم دلالة اللابيتية(unheimliche) في اللغة الالمانية ولغات الاخرى (منها العربية) ويخلص الى ان هناك تفردا في معنى هذه المفردة في اللغة الالمانية, لانها غالبا ما تكون مقرونة بنقيضها الـ Heimlich والتي يدورحقلها الدلالي في محيط البيت, الاليف والسري (المحفوظ داخل الجدران , كما يقول المثل : البيوت اسرار), اما الـ unheimlich فانها تعني المرعب, الغريب وغير المألوف. ويبيّن فرويد التطابق في المعنيين, من حيث ان الغريب والمخيف غالبا ما يعود الى امر ما كان مألوفا لنا في السابق, ثم تعرض للكبت, وعندما عاد وظهر في الوعي مرة اخرى, اصبح يثير الرعب والرهبة. ومن بين الامثلة التي يقدمها فرويد اختار حديثه عن فكرة القرين, حيث يرى ان القرين في بداية تطور وعي الانسان كان كفيلا لعدم فناء النفس, بمعنى وجود نسخة مطابقة في حال تلف النسخة الاولى, وفي هذا انكار لقوة الموت وتحايل عليه, فالروح هي قرين الجسد, لكن تحول القرين فيما بعد الى شيء مرعب بعد ان تم كبت فكرة وجوده بسبب تحكم الوعي في سلوكنا, وهكذا تحوّل القرين الى الموحش وبات نذير شؤم, يعلن قدوم الموت.
ويروي فرويد بهذا الصدد حادثة شخصية وقعت له, حيث فوجئ ذات مرة بينما كان جالسا في مقصورة في احد القطارات برجل مسن يدخل الى مقصورته, ولاحظ ان هذا الرجل كان يلبس منامة ويعتمر قبعة. فاعتقد فرويد ان هذا المسن قد دخل بالخطأ الى المقصورة فتوجه اليه ليوقفه على الامر, واذا به يكتشف – لدهشته الكبيرة – ان هذا الضيف المفاجئ ليس الا هو بشحمه ولحمه, فقد ظهر بفعل انعكاس صورته في مرآة موجودة على باب المقصورة. وهكذا انتبه الى انه لم “يتعرف” على نفسه. وعلق فرويد على هذه الحادثة بقوله: أليس هذا الاستياء هو رد الفعل البدئي ذاته الذي نشعره تجاه القرين كظاهرة مرعبة؟ وهذا تقريبا يلخص ما يراه فرويد من ان الـ unheimliche كان في البدء heimlich لكنه تعرض للكبت (بفعل البادئة un), وفي اللحظة التي عاد (او يعود) فيها الى الوعي من مجاهل اللاوعي – أي في اللحظة التي يتم التعرف عليه فيها مرة اخرى (re-cognize) – فاننا نشعر بالرهبة. من هنا تأتي الدائرية والجمع بين الضدين.
من الصعب ترجمة مفردة الـ unheimlishe كما يعبر عنها فرويد الى اللغة العربية, واقتبس هنا فكرة قرأت عنها بترجمتها حرفيا “اللا بيتية”, للحفاظ على مفهوم النفي. كما يمكن اختيار كلمة الموحش وعكسها المؤنس لترجمة الـ unheimliche والـ heimlich على التوالي, لكن هذا سيفقدنا مفهوم الكبت من خلال النفي كما أشرت آنفا.
في الحقيقة عندما قرأت المقالة اول مرة فكرت بعدة امور لكن بقي اسم واحد يلح علي طوال الوقت: “الشنفرى”. ربما جاء هذا الالحاح بسبب مفهوم الموحش والذي جعلني اردد عبارتين لم اذكر غيرهما من لاميته “وفي الارض منأى للكريم عن الاذى” و “سيد عملس”. وقررت ان ابحث موضوع الشنفرى بتعمق اكبر لمعرفة سبب اقترانه في حدسي باللابيتي الفرويدي. وفعلا راجعت نبذة عن حياته في كتاب الاغاني (مصدري الاوحد!) وحاولت رغم محدودية المعلومات وعدم توفر مصادر اخرى بين يدي, ان أكوّن صورة عن حياته, والتي وجدتها مدهشة خاصة وانها اثارت لدي تساؤلات عن حياة الصعاليك, حيث رأيت فيهم فعلا الجانب “اللابيتي” بمعنى الغريب والخطر والمرعب الذي هدد “البيتية” الناشئة عن استتباب وضع اجتماعي محدد بين القبائل العربية, أبرزها البيت الشعري الذي يعلموننا اياه في المدرسة:
وما انا الا من غزية ان غوت- غويت وان ترشد غزية أرشد
فهناك قاعدة قلة من حاولوا الخروج عنها, بان العربي في الصحراء عبارة عن جماعة, ولا مكان فيها لفرد “مفرد”. والمعروف ان هذه القلة هم بغالبيتهم الصعاليك. في الحقيقة احاول في هذه المقالة الدفاع عنهم على نحو ما. فقد قرأت عبارة اعجبتني كثيرا من حوار أجرى مع المفكر السوري جورج طرابيشي يقول فيها: “الجماعة لا تفكر, الهراطقة يفكرون لانهم افراد”. ويمكن تطبيقها على صراع الصعاليك مع المجتمع القبلي, فالجماعة تمثل نفسية القطيع, على حد تعبير نيتشة, والتي لا تستطيع الا ان تتبع ما هو سائد ورائج في المجتمع وتحافظ على الاستمرارية. اما الهرطقة على حد تعبير طرابيشي فانها تمثل لحظة اعادة التفكير بامور بديهية وكشف نقاط الضعف والخلل فيها, الامر الذي يعني الخروج عما هو سائد, كما يعني دفع ثمن هذا الخروج. وبرأيي فقد دفع الصعاليك ثمن هذا الخروج بدمائهم وبعيشهم طرداء ومطلوبين للعدالة وهدر دمهم طبعا. لكني في الوقت نفسه وجدت في هذا الخروج رغبة مستميتة في البقاء في حضن الجماعة والسعي الى الالفة, لكنهم لا يعرفون كيفية تحقيق هذا الامر الا بطريقة عدوانية تجر عليهم الوبال في النهاية. فهم بوصفهم “هراطقة” بالمفهوم الحرفي (بمعنى الخارجين عن الصراط المستقيم – السائد) لديهم نقد تجاه هذا السائد, وهو نقد بمعنى النقض والتناقض المستحيل.
فالشنفرى تحديدا عاش حياة درامية وكأنه احدى الشخصيات التراجيدية في المسرحيات اليونانية القديمة, حيث يروي الاصفهاني انه نشأ في غير قومه, بعد ان اسرته احدى القبائل في صغره ثم باعته كفدية الى قبيلة بني سلامان ويقول:
” فكان الشنفرى في بني سلامان بن مفرج لا تحسبه الا احدهم حتى نازعته بنت الرجل الذي كان في حجره, وكان السلامي قد اتخذه ولدا واحسن اليه واعطاه, فقال لها الشنفرى: اغسلي رأسي يا اخية, وهو لا يشك في انها اخته, فانكرت ان يكون اخاها ولطمته, فذهب مغاضبا حتى اتى الذي اشتراه من فهم فقال له الشنفرى: اصدقني ممن انا؟ قال : انت من الاوس بن الحجر, فقال: اما اني لا ادعكم حتى اقتل منكم مائة بما استعبدتموني.”
الشنفرى من خلال هذه الرواية فقد أبا “احسن اليه واعطاه”, وفقد حضن العائلة الاليف (غسل الرأس يعتبر عملا اموميا من حيث العناية بالجسد اولا والشعور بالامان فعندما يطأطئ الانسان رأسه عند الغسل يكون في اقصى حالات التسليم الآمن). وهذه كانت صدمة عاطفية بقيت جرحا مفتوحا في نفس الشنفرى, وكأنها لحظة كشف مروعة قلبت حياته رأسا على عقب, ففجأة لفظه الرحم الحميمي الذي لا وجود لاي عربي في الصحراء خارجه (“وما انا الا من غزية”) واصبح بلمح البصر بلا بيت, بمعنى انه انتقل دون أي تمهيد من فضاء الـ heimlich الى فضاء الـ unheimliche على حد تعبير فرويد, مما اخل بتوازنه النفسي (فقد “عدّاد قلبه” كما يقول شمس الدين). هذا الانتقال جعله ينقلب على نفسه وعلى من كان السبب في “لطمه” كانسان محمي, له بيت وقبيلة ورحم. وفعلا بدأ الشنفرى هجومه وانتقامه المبالغ الذي فاق الاعراف العربية المتبعة, حتى يروى انه قتل تسعة وتسعين رجلا من بني سلامان حتى تمكنوا من اسره واسروه. ويصف الاصفهاني اسره على النحو التالي:
فاسروا الشنفرى, وأدوه الى أهله, وقالوا له انشدنا. فقال: انما النشيد على المسرة. فذهبت مثلا. ثم ضربوا يده فتعرضت, أي اضطربت. فقال الشنفرى في ذلك:
لا تبعدي اما ذهبت شامة- فرب واد نفرت حمامه
ورب قرين فصلت عظامه
ثم قال له السلامي: أأطرفك؟ ثم رماه في عينه. فقال الشنفري له: كأن كنا نفعل ذلك, أي كذلك كنا نفعل, وكان الشنفرى اذا رمى رجلا منهم قال له :أأطرفك؟ ثم يرمي عينه. ثم قالوا له حين أرادوا قتله: أين نقبرك؟ فقال:
لا تقبروني ان قبري محرم – عليكم ولكن ابشري ام عامر
اذا احتملتْ رأسي وفي الرأس أكثري- غودر عند الملتقى ثم سائري
هناك لا ارجو حياة تسرني – سمير الليالي مبسلا بالجرائر
واخلص من هذه الرواية الى امرين: (1) وعي الشنفرى التام الى ان ما كان يقوم به يعتبر جريرة (جريمة) تجر العقوبة, وبهذا فانه يعترف بانه خرق الاعراف وانه يستحق هذه العقوبة. و(2) مفهوم “العين بالعين” حقيقة ومجازا, بمعنى وعيه الى انه سينال عقابه ان عاجلا ام آجلا, بل وكأنه كان يستفز هذا العقاب لعدم قدرته على البقاء خارج الرحم الاول الذي تفتح وعيه عليه (قبيلته المتبنية) وفي الوقت نفسه عدم قدرته على البقاء فيها, ففعلا لا مكان له الا القفار الموحشة.
الشنفرى, بروحه الناقمة, لم يعاد احدا من العرب غير القبيلة التي صدم بها عاطفيا, وعداؤه لم يكن عاديا, انما بلغ حدا شنيعا من التطرف ذكرني بعبارة للامبراطور هدريان (في رواية “مذكرات هدريان” لمارغريت يورسنار): “يتميز العظماء بتطرف مواقفهم, ويكمن سر بطولتهم في قدرتهم على التشبث بهذه المواقف طوال حياتهم, وبهذا فانهم نقيضنا, نقيضنا التام!”. هذا التطرف أسطر الشنفرى وأسطر قسمه بقتل مئة رجل من قبيلة بني سلامان, حتى يقال انه قتل منهم تسعة وتسعين رجلا الى ان اسروه وقتلوه, وانه تمكن حتى وهو ميت من اكمال النصاب الذي حدده والبر بقسمه, حيث يقال ان احد بني سلامان اصطدم بعظمة رأسه اصابت رجله ومات.
هناك رواية اخرى تفيد ان سبب حقد الشنفرى على بني سلامان هو كونه ببساطة عاشق خائب, فالى جانب الرواية الاولى بشأن الاخت التي لطمته يورد الاصفهاني رواية اخرى مفادها انه كان يرعى الغنم مع ابنة الرجل الذي تبناه, ولما خلا بها اراد ان يقبلها فلطمته واخبرت اباها. وللشنفرى ابيات رقيقة جدا يتغزل بها بهذه الفتاة:
فواندما على اميمة بعدما – طمعتُ فهبها نعمة العيش ولت
أميمة لا يخزي نثاها حليلها – اذا ذكر النسوان عفت وجلت
يحل بمنحاة من اللوم بيتها – اذا ما بيوت بالملامة حلت
فقد اعجبتني لا سقوط قناعها – اذا ما مشت ولا بذات تلفت
كأن لها في الارض نسيا تقصه – اذا ما مشت وان تحدثك تبلت
فدقت وجلت واسكرت واكملت – فلو جن انسان من الحسن جنت
(يبدو ان الذي جن من حسنها هو الشنفرى نفسه!)
هذه الرواية مشوقة لانها تحمل عدة اشارات فرويدية, فهو يخاطبها “اميمة” بمعنى انها الام الصغيرة التي يتمناها, وبالتالي فان تعلقه بها ليس كمجرد امرأة انما تحمل شحنة امومية تجعل ابتعاده عنها نهاية لحياته (“فواندما على اميمة بعدما – طمعت فهبها نعمة العيش ولت”), تماما كالطفل الصغير والذي يكون مجرد وجوده الجسدي, ناهيكم عن العاطفي, منوط بوجود ام او شخصية امومية ترعاه. وهذا يفسر أمثلتها فهي البيت المثالي (“يحل بمنحاة من اللوم بيتها”), صفاتها حميدة ولفرط جمالها النفسي كما يظهر من الابيات, فنحن لا نعرف أي شيء عن شكلها الخارجي, يشير الشنفري الى قضية الجنون, والذي ينبه الى هذا التعلق غير العادي.
من الطريف ان اعود هنا الى عبارة “أأطرفك” التي كان يرددها الشنفرى على ضحاياه من بني سلامان, ففرويد يرى في اقتلاع العينين, كما حدث لاوديب, نوعا من الخصاء الرمزي, وفقدان الرجولة, وهذا يعزز على نحو ما الرواية بان جرح الشنفرى انما كان في رجولته. فانتماؤه الناقص الى القبيلة صغر قيمته في عين الحبيبة المثالية, الام الصغيرة, وقلل من جاذبيته كرجل بالنسبة لها, الامر الذي رد عليه الشنفرى بـ “طرف” أعين رجال القبيلة, ربما كي لا يراها احد ويستمتع بجمالها, او كرمز لاخصائهم انتقاما لخصائه الشخصي النفسي طبعا.
سأحاول فيما يلي اعادة بناء قصة الشنفرى:
تربى في غير قومه, لكنه لم يعرف انه دخيل, وهكذا فقد ذاق طعم الـ heimlich الفرويدي بالمعنيين: الالفة البيتية والسر الدفين. وعاش كواحد من الجماعة, وعشق فتاة الحي – بالاحرى جن بها – لكن فجأة تحول طعم الـ heimlich في فمه واصبح شديد المرارة. اصبح موحشا ورافضا (“لاطما”) ولافظا, فاكتشف انه غريب وفي وحشة من اهل الديار, فتقمص روحا عدائية جعلته يقتنصهم واحدا واحدا, لكن كأنه بهذه العدواة وطريقة انتقامه المحددة بطرف اعينهم كان يستفزهم للانتقام منهم -“هيا انتقموا مني فالعين بالعين اليس كذلك!”. اضافة الى ذلك فان هذه العداوة للشيء الذي كان مصدر أمان سابقا تحمل في طياتها نقدا اجتماعيا لمفهوم البيتي واللا بيتي في الثقافة العربية الجاهلية:
ولي دونكم اهلون سيد عملس – وارقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الرهط لا مستودع السر ذائع – لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
ربما هنا تكمن نقمة الشنفرى على اشدها, حيث يرتد عن المجتمع البشري, ويقرر ان يسمي الاشياء باسمائها الحقيقية فاهله الحقيقيون هم الوحوش, وهو واحد منهم. كما يشير الى قضية “شيوع السر” فالبيوت الحقيقية “اسرار” لا تفشى ولا تفتضح ابدا, وكأن في هذا اقرار بانه كان في دخيلته يعرف انه دخيل على القبيلة وان اباه الحالي ليس اباه البيولوجي, لكنه كان مستريحا لهذا الوضع, كان يشعر بالالفة في هذه القبيلة, بحبه لابنة الرجل. فلو كان فعلا اخاها الحقيقي ربما لم يحاول تقبيلها, ولم يضطرها الى لطمه وردعه وافشاء سره علنا. هذه القبيلة الاولية اصبحت بعد افشاء السر فرودسا مفقودا بالنسبة له. في الحقيقة يقال ان الشنفرى بالغ في الانتقام من قبيلة “الفردوس المفقود” هذه لدرجة ان قبيلته الاصلية تخلت عنه واهدرت دمه, لان تصرفاته اصبحت في عداد الجرائر (اصبح “رجلا مشؤوما” كامرئ القيس!), واقول بمصطلحاتهم ان جهله اصبح فوق جهل الجاهلينا, مما جعله ينأى عنهم وينتقدهم على خذلهم اياه (“ولا الجاني بما جر يخذل”), فقد اراد منهم تبني وجهة نظره ووضع أنفسهم في مكانه, عاش قريبا/غريبا, لكنهم كما يبدو لاحظوا ان ما يطلبه منهم مبالغ لذلك اداروا له ظهورهم, وهكذا فقد ذاق النفي مرتين ولفظته القبيلتان. رغم اني اعتقد انه سعى بقدميه الى هذا الرفض الثاني, ذلك ان حسه التدميري لم يكن ليسمح له بالبقاء على قيد الحياة بعدما جرى له, لكنه اراد ان يجر معه الى الموت اكبر عدد ممن كانوا السبب. وما خوفهم منه واحجامهم عن نصرته الا لتيقنهم بانه تجاوز في حسه الموحش نقطة التوازن المتوقعة.
الشنفرى كان مرآة اظهرت القبائل العربية (البشر بمفهوم اعم واشمل) على حقيقتها, بانها وحوش بنظمها الاجتماعية التي تذل وتدفع الانسان الى اقصى حالات التطرف عندما تستعبده (بالمفهومين الجسدي والنفسي ) وتجعله ناقصا في انسانيته وتحول بينه وبين تحقيق ذاته بكرامة, وهذا ما حدث له, فهو بسبب استعباده عاش دخيلا, ومات غريبا.
في الختام اقول اني شعرت وانا اقرأ “ديك الجن” (مجنون آخر!) للشاعر محمد علي شمس الدين وكأنه يحمل وحشة الشنفرى:
ضائعا
حيثما ضيعتموني
جائعا
حيث تعرى الفصول

فاقبلت – بي لوعة الشهداء –
وشيء هو الصمت
يقرع هذا الخواء
وها انني استفز عداوتهم
لكي استفز محبتهم.
يقال ان الرسول (ص) اوصى بتعليم لامية الشنفرى للناشئة لانها تحمل قيما روحية عظيمة, وهذه مفارقة جميلة بحيث اصبح الشنفرى الموحش (اللابيتي) بعد موته وانتشار اسطورته بيتيا صميميا, تم تبنيه في الثقافة العربية كرمز من رموزها وكحامل لهم انساني بعد ان حشر في زاوية ايأسته من الرحم الاجتماعي البيتي ولم تترك له غير:
ثلاثة اصحاب فؤاد مشيع – وابيض اسليط وصفراء عيطل


تعقيب
وضع عالم الاحياء البريطاني ريتشارد داوكينز مصطلح “الميمات” (memes) الموازي لمصطلح “الجينات” (genes). فالميمات – حسب رأيه- هي الوحدات الثقافية التي يتوارثها البشر ويتناقلونها تماما كالجينات, فالدين ميمة ثقافية كهذه, كذلك المضامين والافكار والنظريات العلمية, الادبية, الاجتماعية ..الخ, أي كل ما يسمى البنية الفوقية.
قصة الشنفرى التي تعتبر من ركائز الثقافة العربية هي ميمة متوارثة, والمشكلة التي أرقتني في هذه القصة هو اعتباري اياها قصة مريضة نفسيا, الامر الذي يضطرني الى الوقوف منها موقف نقديا, ومحاولة التنبيه الى طبيعة هذه الميمة السلبية وعدم تناقلها على عواهنها بدون أي تعقيب. فرد فعل الشنفرى الظاهري على حادثة استعباده, والذي يخفي وراءه جرحه بسبب رفضه كرجل من قبل موضوع رغبته, هو رد فعل مريض, والعنوان الذي اخترته (“استفز عداوتهم لكي استفز محبتهم”) مريض بدوره. في الحقيقة كنت كتبت هذه المقالة قبل عدة سنوات ونشرت على نطاق محلي ضيق, ثم رأيت ان اراجعها وانقح بعض الامور فيها لتكون تكملة لسلسلة مقالاتي عن الشخصيات الادبية القديمة (فانا افكر حاليا في كتابة مقالة عن الخنساء). فالشنفرى, بعكس عنترة الذي اجده سليم العقل والنفس, امتص حادثة الرفض بداخله وتبنى استراتيجية كراهية النفس, وشعر ان الافق مسدود امامه ولم يعد لديه ما يعيش من اجله. طاقته السلبية, المتغذية من هذه الكراهية لنفسه فهو في نظر نفسه اساسا رجل فاشل لا قيمة له, وجهها الى القبيلة التي تواجد فيها الرجل الذي رباه واحسن اليه في محاولة لاستفزاز ردود فعل افرادها السلبية, وهو بهذا يريد ان ينتحر بايدي الاخرين, او كما نقول بالعامية “يبلي العالم بدمه”. عنترة استُعبد حقيقة ورفضته عبلة حقيقة (فهو لم يتزوجها رغم ما تحب السير الشعبية روايته من باب النهاية السعيدة المعهودة) لكنه لم يتحول الى وحش كاسر, واراه بهذا المفهوم رجلا بكل معنى الكلمة, لا يفرض نفسه ويحترم حدوده وحدود المرأة امامه. اما الشنفرى فانه يؤذي المرأة ويؤذي قبيلتها, فنحن لا نعرف كيف تقبلت “اميمة” نفسيا جنون الشنفرى المطبق, والذي بدأ يقتنص اهلها وقبيلتها الواحد تلو الاخر (ربما كان احدهم هو الرجل الذي تحبه فنحن لا نعرف هويتهم). فان يأتي رجل فاشل وكاره لنفسه ويحاول لفت انتباه المرأة التي يحبها بانانيته السلبية, وكأن لا حق لها برفضه, ليس من الرجولة في شيء.

تحظير للطباعة أرسل هذه المقالة الى صديق
الرئيسية الأخبار المنتديات مكتبة البرامج إتصل بنا
تصميم الثيم: cean-net – تعريب: البراق.نت

نشر في 10/07/2005 8:50:00

‫0 تعليق