ربيعة ريحـان: وكذلك كـان…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يخطيء من يظن، أن هؤلاء الوافدين إلينا، من وعورة الحجر، ومراتع الرتم والكبار والحلزون، غادروا قراهم عن خصاص، أو كانوا جبناء، مترددين عن اللعب هناك، مع صغار السلطات، لعبا ماكرا، يجنبهم حماقات الزج بهم، في الحجوزات المرتجلة، بسبب من قضايا تافهة، من قبيل دجاجة فلان أكلت من بيدر الجوار، أو جحش علان شق بحافره أرض الغير، وترك على أديمها أثلاما، ينظر الشاكي إليها شزرا، كجراح، في مواضع، لا تقبل الكي !!..

الذين جاؤوا إلينا لم يجر عليهم وقت، ولا حرمتهم السماء لعقود، لشحها، من نشاط لا يزاوله الرجال فقط، بل تحمل تبعاته الحقيقية، نساء ضامرات، وصبية يغوصون بفرح، في زبل حيواناتهم الهائمة الجرباء، وسخافات أمراضهم البدائية، وعفن ثيابهم وأوانيهم، حيث لا تسمح الندرة الفاحشة للماء، بصب حفنة منه، على وجوههم، التي يغطيها، براز الذباب !!..
كل الجائحات، وكل الأشغال المقرفة، ما كانت لتدفع بهم نحونا، كي يعيشوا شعورا مرا بالتداعيات، حين كنا لا نخجل من أنفسنا، ونحن نتحين الفرص، لتوريطهم بهدوء غريب، في العبث الفاجع، الذي لا يخطر أبدا، ولو، على بال معتوه !!..
الذي دفع بهم إلينا شيء آخر .. لا علماء الاجتماع، ولا الدارسون المتخصصون لهذه الحالات، جديرون بأن يقولوا فيه قولا مختلفا، يغني عن شرف ما عشناه، وماعاشته جوارحنا، وهي تمضي أوقاتا سعيدة، في الرمي بهم، في الورطات.. حين كان يحلو لنا فعل ذلك، نحن الأشقياء، الذي سبقناهم بزمن، إلى السكن والاستقرار، في رحابة حينا الهامشي، بعد المجيء من الساحل، أو الأطراف الوعرة الأخرى، على التخوم اللامريحة !!
نحن، من يدري، متى يبدأ العصيان، و متى تضطر هذه العائلات، إلى حزم متاعها القليل، ووضعه على ظهر أي شيء، يسير باتجاه عالمنا المغري، بضجيجه وعشوائيته، وأدخنة السردين، المرصوف في الشوايات، على مجامر الفحم، أمام الأبواب الواطئة المشرعة..
نحن فعلا، من أغواهم، أو على الأقل، كنا تلك الريح التي جرفتهم إلى البعيد، فلم يعودوا يحركون ساكنا لحكايا الأمهات الغاضبات، عن مشاعر السخط، التي تملأ الآباء تجاههم، والوعيد، إذا هم لم يتوبوا، أو يرعووا !!.. كانت قد ركبهتم عفاريت التمرد، وصاروا يقسمون، أمام الأولياء، بسحناتهم الغليظة، وحركاتهم الطائشة، على عدم العودة، إلى قراهم القاحلة الجذباء !!..

  • اذهبوا أنتم .. نحن لن نعود معكم إلى تلك القيهرا الكحلة ..
    تفجروا بإحساسهم الغامر، باللعب الجديد، والتسليات المختلفة، والفوضى .. والأهم من هذا وذاك، تلك السيركات الشعبية، وصالات السينما العفنة، والسيقان المستباحة، للنساء في شارع الرباط، وهم يتعقبونها من بعيد، في كتل تتداخل وتشتبك، ولاتكف عن التنكيت والبحلقة !!..
    الكوشي والبشير والفاطمي وعلال، أعرفهم. كلهم كانوا عصاة حقيقيين. استامتوا في الدفع بعائلاتهم، إلى الرضوخ لهم كارهين.. حتى إخوتهم الصغار، ما كانوا حزانى حائرين، بعد أن أن كلموهم بسخاء، مجبرين إياهم، على قتل الحنين داخلهم، إلى فخاخهم في البرية، وإلى فرو جراء الكلبات، الناحلة المغبرة، التي كانوا يفركونها بلذة، ويضعون نعومتها بحنان، على بشراتهم المشققة، فصاروا جديرين بالفرح الموعود !!..
    بين أن يحصل ذلك المجيء، الذي اعتادوه في الصيف، بعد جمع الغلات والمحاصيل المجذبة، والسكن في الحي، للبحث عن موارد للخريف، وكراء الغرف، في البيوت المشتركة .. كانت تحدث الانزلاقات !!..
    بيتيرا كان عاشقا للموج. نزل معنا البحر، من الانحدار الحاد لمقبرة بياضة، باتجاه الشط الصغير. جن للوهلة الأولى، و لم يستطع أن يقاوم ذلك السحر المترامي أمامه. صار يركض، في الحد ما بين الصخر والرمل، بقدميه المفلطحتين، وتبانه الواسع، ناجحا في صنع تلك الصورة البلهاء، التي كنا نأمل أن تكون له، كي نقيم على شرفه، لحظات معربدة، من التسلية الماجنة المرة !!..
    نرميه بقوة في الماء، فيعيده الموج إلينا، ويلقيه عند أقدامنا، عاريا تماما، معفرا بالرمل، بعد أن يكون التيار الجارف، قد سحب تبانه إلى البعيد، فيقوم ضاجا ليخبطنا في أي مكان، ساهيا عن نفسه، وعن عضوه، الذي لا يدرك عريه، إلا بعد حين !!..
    كان بارعا في ردود الأفعال الصاعقة، يخبط ويعض، ثم مستدركا، يلقي بسبابه، في الجهات الخاطئة:
  • جد بوك .. جد الحمار بوك .. ولد الكلبة !!..
    كنا نفعل ذلك هناك، بعيدا عن الكلوب، وعن الأنيقين، ويهوديات المدينة، والفرنسيات العظميات، اللواتي كنا ننظر إليهن بعناية، وهن يسوين أوضاع مايوهاتهن من القطعتين، على أجسادهن المحمرة، التي يدهنها بالزيوت الصيفية، و بالكريمات !!..
    من المساحات المخصصة لنا افتراضا، في بلاج تافتاست، نحن والأطفال الشعث، من الأحياء المتجاورة، سيدي عبد الكريم، وسيدي بوزيد، وجنان كولون، وأشبار. كنا نقول كلاما جنسيا فاحشا بيننا، ونتنهد، و كأننا نرقد سعداء، و نحن نحضن تلك القامات !!..
    نتفنن في ذلك، وندفع بعضنا بعضا، في اتجاه شمسياتهن، محترقين باللذة المكبوتة، والجوع الشهوي، لنساء لا نعرف لهن مثيلا، في أحيائنا المتوارية، خلف الهضاب الصلصالية البيضاء .
    كنا بارعين في ذلك، وزادت جرأتنا مع فويلة. كان وقحا، يقف أسفل منصة السيرك، وهو يلاعب عضوه، ويتلوى بميوعة، ناظرا إلى الراقص الأمرد، في ثوب النساء، مانحا إياه، ما يكفي من التحرشات، والغزل الفج، متذرعا بلا مبالاته، ومتسلطنا أكثر، حين يقوم ذلك التعيس، ويذرع الأرضية، ببطنه الملساء، وشفتيه المصبوغتين، من أمام صف الصحون .
    كنا رغم سخافاتنا، لا نملك مثل فويلة، عقلا طائشا، وانفلاتات قصوى .. كان لدينا رغم كل شيء، بعض من شهامة.. و اكثرات !!..
    وحين نتعب ونجوع، وتنشوي جلودنا، من الشمس الحارقة، نضع تباناتنا المبللة على رؤوسنا، و نعبر المون باتجاه المرسى، بحثا عن شيء نأكله. ولايهم ساعتها، أن يكون ذلك الشيء تحديدا خبزا، ولا ماتعودنا، على وضعه عليه !!..
    كلهم أخذوا على أيدينا، دروسا في السباحة والصعلكة والحشيش، هؤلاء الوافدين إلينا،
    وكل، صارت له كنيته .. بيتيرا، قيمش، فويلة وجويكا .. كيف صغنا تلك الأسماء، وألصقناها بهم، فصارت أجزاء من هوياتهم، وتقبلوها بعد أن كانوا في البدء، حريصين، على إثارة الزوابع، وقلب الدنيا، بالركل الأهوج، والجري المسعور، بحثا عن الحجر المسنن، لتصويبه نحونا، نحن المتفكهين، المنفطرين من الحماسة والعويل؟؟!..
    للأمر علاقة ما، بذعر أو بحيرة أو جنون !!.. وبكيفيات دخولهم، في العلاقات معنا، ومع محيطنا الأرعن ..
    جويكا مثلا، حين جاء، مع إخوته العشرة، كان مليئا بالشغب. لا يتحرج من الاقتراب منا، وإلقاء ظله الثقيل، على جلساتنا. نصده، لكنه يظل عنيدا راسيا، غير آبه بنا، منجذبا إلى إغواء أحاديثنا، في المساءات، حين يخيم على قعداتنا، ذلك المفعول الساري للكيف ..
    كان يشيح بوجهه عنا، وعن أوصافنا الجارحة الملعونة، ويظل مقرفصا، مشدودا بألفة غريبة إلى وقتنا، ونحن نمضيه، في الفكاهة و العبث .
    أذقناه المعجون. عطفنا عليه، في لحظة شرود إنساني، فلم نمنحه غريبةّّ* كاملة !!.. وإلا لتفرجنا عليه، وهو يهلوس، أو يقوم بتلك الأفعال الرخوة الغريبة، التي لا تصدر إلا عن مسطول !!..
    لكننا لم نرحمه، ونحن نأخذه معنا، للمرة الأولى إلى السينما، بخدوشه العتيقة، على وجهه و كفيه.
    كان ذلك، في صباح أحد، ممطر وبارد. بدا بجبته الصوفية القصيرة، وساقيه الجافتين، و كأنه يمشي خلف محراث !!..
    كنا ننزعج من إهمال بعضنا، في التهندم أحيانا، لكن مع جويكا كان الأمر مختلفا . صرنا نمسرح احتفاءنا لحضوره بتلك الصورة، ونحن نهييء الجو.. لمقلب قريب!!..
    ذهبنا تحديدا إلى سينما أطلس. كانت تعرض فيلما بوليسيا رهيبا، عند صاحبها حميد البدين، العابس دوما، والذي كنا غالبا، ما نجده مسمرا بالباب .
    اشترينا التذاكر.. أخذها أحدنا، وأومأنا إلى جويكا بالدخول.. ولأنه صلب وسعيد، طأطأ رأسه، وسار عاقدا العزم، مجتازا صاحب السينما، والمصباح، في يد اليهودية راشيل !!.. لكن العجوز حميد، لم يمهله .
    جره إليه، بيد عكازه المعقوفة، وصرخ بحماقة فيه:
    ياابن الجيفة، إلى أين أنت ذاهب؟؟.. عندي الفندق هنا !!.. أين التذكرة ؟؟ !!..
    صعق جويكا ولم يفهم شيئا مما يجري؟؟.. وحين بدأت تنهال عليه الضربات، كان وجهه المصدوم بالفجيعة و الألم، يثير ضحكنا العالي .
    صار ينادي علينا جميعا، مستغيثا بالأسماء :
  • وا عبد القادر وا عبد الهادي واحماااااااااااااااد …وا براهييييييم …..
    عز علينا، فتدخلنا سريعا لنجدته. لكنه بالصالة، جعلنا ندفع غاليا ثمن تهورنا، وولدنتنا !!..
    من بدء الفيلم إلى نهايته، عجزنا تماما، عن تجنيبه، ذلك التعليق الأهوج المفتون، وحركات العراك .
    صار ضاجا مرتعبا، يصرخ في الاتجاهات كلها :
  • أعنداك ..أناري . أويلي ..أواك واك .. أميمتي !!..
    كان يصارع، ثم يتجنب اللكمات و يدمدم ويهدر ويزعق ويتوارى خلف مرفقيه. أحرجنا أمام الحضور .
    لم يكن ليسمعنا، أو ينصت لتطميناتنا، أو قرفنا منه. كادت روحه أن تزهق، من الاندماج الكلي والولولة.
    من يومها اكتشفنا، أنه يصلح، أن يكون .. رائدا تعيسا، للسينما !!..
    اكتشفنا أيضا أنه لم يكن يهمه أن يفقد في السكن المكتظ الجديد، كل الطراوات، التي كانت له، في خلاء القرية، وأن يعيش، هو وغيره، مكدسين، مع الأسر الذاعنة، في دوخة الروائح الثابتة، للحجرات المعتمة .
    كانوا جميعا، من أجل البحر، والعفرتة، وريالات الشغل كمياومين، في تصبير السردين، وحلاوة التمتع بالقبل والمداعبات، في الأفلام الرومانسية، التي تنسي الوجود.. والشغب الدائب، ومداخيل الأخوات الخادمات، وأحذية ميكا، والإسفلت الأغبر، والماء القريب، وألبسة البال، وبنات الحي، غير العذراوات، وجوقة المداهمات للأوكار المشبوهة، والناس الكثيرين، و الكيف والتدخين، واللواط أحيانا، وأشياء أخرى .. لايدعون للأمل، منفذا ينسل منه، إلى نفوس الآباء الحزينة، التي تدري أن قراراتها، ما عادت ملكا لها، و إنما هو انبثاق أخرق، من أولاد عصاة، يسحبونهم معهم، ليغرقوا جميعا، في سخاء الربكة، وجولات التيه ..
    وكذلك كان ..

نشر في 20/06/2005 5:50:00

‫0 تعليق