الحبيب الدائم ربي: الرجل التي…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

جورج بيرد عالم أضاع عمره في ما لايفيد. تسقّط أواخر القرن التاسع عشر أخبار المشاهير والعلماء دون أن يحوز شهرتهم . حاول، عبثا، في بحوثه أن يربط بين الإنجازات التاريخية الكبرى وأعمار أصحابها. ولأنه كان عديم المزايا فقد استثنى نفسه من دائرة البحث. والطريف أنه اصطلح في دراساته الجادة على تسميات غير جادة، أطلقها على العمر من العشرين إلى السبعين.

بدأ بالبرونز لينتهي بالخشب مارّاً بالذهب والفضة والحديد. واضح أن الرجل كان يخبط كما ناقة الموت في معلقة طرفة، ويفني عمره القصير في ما ينقص الأعمار.أمَا كان عليه، هو الغائص في صدفة الكتب،أن يستوقف أي عابر سبيل ويسأله كي يدله على تسميات أجدى. لا مجازا مرسلا فيها ولا استعارة؟ ! نرجح أن المسكين- كأغلب الباحثين- ما كانت له خارج المكتبات والخزائن أي خبرة واقعية بالحياة ، وبالأحرى بالمراحل التي يقطعها الإنسان من الماء إلى التراب.. وإلا لكان انتبه إلى الحقب النباتية والكلبية والقردية والثعلبية والحمارية..من عمر الإنسان. والمؤسف حقا أنه نزع صفة العبقرية عن حقبتين خطيرتين هما ما قبل العشرين وما بعد السبعين. وكأن العبقرية مجرد قيادة أو رسم أو كتابة فقط، ناسيا أن الحياة أصلا عبقرية. ناهيك عن كونه ربط- في حساسية مقيتة- بين الإبداع والشهرة للأسف !


نكاية في العلم والعلماء، لننس حكاية العظماء من أصلها، ولنجلس أرضا مع شخص بسيط عمره غير محدد بالدقة المطلوبة كإطار سيارة محطمة، ولا يملك جسده الهزيل شحما لتدوير ناعورة الجسد فبالأحرى عجلة التاريخ. شخص يعيش كما لايعيش ، ولن يتوقف الناس دقيقة صمت يوم يموت. إنه واقع، قسرا، تحت سطوة الخشب بغض النظر من كونه- نظريا- قد يُصنف في المرحلة الذهبية، وعضاية تزحف منبطحة في زمن الحمير. سنأخذه، عنوة، لتنقية أسناننا مادام لا ينضوي تحت حزب أو نقابة قد يستعدياننا من أجله. رجل بئيس ما في ذلك شك . المؤهلون للشهرة والعظمة- في مثل سنه- خاضوا الانتخابات وقادوا المظاهرات وخططوا للانقلابات، وأبدعوا قصائد قلبت قارة الشعر فوق رؤوس الشعراء !

ياللمسكين . إنه، هو الشاب، لشيخوخة قاسية يستكين. شبابه الذهبي يتأكسد بشراسة الوقت..إنه لا يبالي بالعشاق المتخاصرين حوله – درجة الاستفزاز- ولا بالخمارة خلفة تنهب أرزاق الكادحين، ولا بالشرطي الذي يتابع بنهم أردافا منفلتة من سراويل لاصقة (بعض الثقلاء أطلق على هذه السراويل: التصريح بالممتلكات. أكيد أن الشرطي يعرف ذلك).الرجل، الذي أذلته الحياة، لا يهمه الصهد، ولا العجاج ولا المطر، ولا خروج المسافرين من المحطة ولا الدخول ولا..الحرب في بر مصر ! ولكونه لا يهتم بشيء على الإطلاق اخترناه لاختبار علاقة العمر(الذي يمضي بسرعة) بالعبقرية والعظمة. (ياعظمة !). لنضع الآن تحت إبطه عودا مكسورا بثلاثة أوتار لا غير(العود أو الخشب مرحلة كما تعلمون). والعودة أداة توازن لرجل مختل التوازن، رفيق درب في رحلة غير مأمونة. لنفترض أيضا وجود حافلة – بعد قليل ستقلع- كضرورة تبرر وقفة الرجل الذي يمسك توازنه الداخلي بعود مكسور. وقفة رتيبة بيد أنه ما من بديل.

لا داعي إلى التفكير في أن شارب “العواد”الفوضوي يحمل شارة نذر أو علامة ذات دلالة ما . شنب كباقي الشنبات. فقط تنقصه العناية كما تنقص صاحبه أشياء كثيرة . من فرط قلة النوم عينا الرجل محمرتان، وأسنانه سوداء منخورة لأسباب معلومة . صبر الرجل بدأ ينفد. وقف طويلا في طابور. وراء آخرين نكرات . ذوي عاهات حقيقية ومزيفة. بدورهم كانوا يؤملون أرزاقا في الحافلة التي صارت الآن تهدر تأهبا للسفر.

أخيرا يصعد الرجل الحافلة متبرما. لا تطمعوا في أغنية تحكي عن شباب يمضي بلا معنى. العود، كما قلنا، مجرد ذريعة قد تعطي صاحبها صفة ما. المسافرون في الحافلة عابسون، وهو ، عبثا، يحاول أن يستل منهم ضحكة أو ضحكتين عسى أن يجود عليه أحدهم بدرهم أو درهمين. بخبرة الشحاذ يدرك أن الضاحك منهم “زبون” مفترض، ما لم نقل ضحية. وهو لا يبيع غير كلمات فقدت بفعل التداول البريق . لم يضحك أحد. فزاد تجهم المهرج. أسنانه المبعثرة ما حفزت أحدا على الابتسام. وزاد المقرئ الأعمى ، الذي لا يحترم الطابور، في تبديد أي أمل في الانشراح، بترتيل آيات تفتت الأكباد و تتوعد الجاحدين – عظماء وسوقة من دون استثناء- بعذاب شنيع. خلفهما كانت سيدة عجوز تخرج في عناء حشرجات متقطعة، متعبة، لتعلن، هي المريضة بالقلب والرئة والكبد والأمعاء والمفاصل والرأس و..،أن لها أمّاً تجاوزت المائة، عمياء، صماء، بكماء، مقعدة… تنتظر رأفة المحسنين. وتتوج المتسولة ضراعتها- في مفارقة صارخة- بالتحرش بصاحب العود المكسور”الذي يجمع الفلوس للحرام” و” الصدقة فيه لا تجوز”. فيما هو يكتفي بنظرات فزعة، يحاول تغطيها بشبه ابتسامة، وكأنه خلافا للحقيقة يريد أن يقول للناس بأن كلام المرأة لا يعنيه.

العمر يمضي والرجل من حافلة إلى أخرى تحاصره المرأة العجوز بنزق لا يليق بها وحقارة. لكأنما كان يخشى أي رد قد ينقلب وبالاً عليه. من يضمن له، وهو الذي أضاع عددا لا بأس به من الأسنان،أنه إن تكلم في حالة غضب قد لا تتداعى عظام الفكين. تمنعه إذن من الرد أسباب وجيهة. مع الأيام صارت دوزنته لأوتار العود مقبولة توحي بأنه سيغني أغنية- قد تثير الشجن لن يغنيها. لأنه ،ببساطة، لايعرف كيف يغنيها.

يراوغ ركاب الحافلة بنكتة كثيرا ما لاتراعي المقام:( امرأة أطعمت زوجها لسان جحش فأصبح ينهق كلما رأى… البحر! معلم يقتصد استعمال الطباشير عبر الكتابة بالـ… الهواء ! ممرض ظل يقدد خروف العيد قطعة قطعة لمدة سنة دون أن يموت الخروف. فكلما نزع عنه “هبيرة” عالجه بمحلول “البيطادين” لذا عيّد بخروف واحد عامين ! إلخ …)الرجل ليس لطيفا كما يبدو. يحول دونه والشر حائل رفيع غير مفهوم. العجوز تشحذ لسانها فيه، دون كلل، وهو مستسلم. كأنها تهاجم سواه. لربما تذكّره، في ذبولها، بشخص مبهم هو نفسه لا يعيه. هذا محتمل. ونحن نفترض.

فجأة غاب الرجل كما تغيب نجمة مهملة في السماء. وحدها المرأة راعها، درجة الصدمة، شغور الأمكنة منه. الكلام على لسانها صار من دون معنى. ثغرة هائلة انحفرت بغيابه في دواخلها. حينها أدركت، في ذهول، أنها فقدت فيه خصما كبيرا؛هي التي ظلت تبرر عوزها للناس به، كما ظل هو يبرر انتظاره في الطابور بعود مكسور . كل الذين جربتْ مناوشتهم بعده كانوا دونه، في كل شيء:”الشباب والوداعة و…”. هي لم تقل ذلك. أخاديد وجهها كانت تنطق. آلمها فقده فغابت بدورها أياما ذرفت فيها، على فقده،دمعا سخيا. لتعود منهكة. عيناها صارتا تفضحانها أمام الركاب، فتجهش ناشجة، وترق القلوب. غير أن الرجل كان عندها لا يقاس بمال !

علينا أن نشتط في الخيال، ونخمن ما قد يحصل للرجل. لن نظن به سوءا. مجرد متسول خائب غادر الميدان دونما ندم. متسول ظلت امرأة عجوز تحصّل قوتها باعتراض قوته. فشوهت صورته وصورتها في آن. ربما راح إلى مكان آخر ليروي حكايته الحزينة مع الدنيا الغدارة أو مع… السيدة.

علينا أن نعيد الرجل إلى الحكاية رفقا بالسيدة. عنوة إن لزم الأمر. يصعب إقحامه في المشهد بعنف وبلا مقدمات تصون الكبرياء .: كبرياء الرجل وكبرياء المرأة. في ليونة نقول: أرجعه الحنين ليتفقد المحطة(أههاه !). لا داعي إلى ذكر صلة المرأة بالموضوع.. لاضير في التسامح معه في احتساء بيرة “ﮔـلاسي” في كونتوار البار. تشفع له أسنانه التي أزالها بالكامل إيذانا- من يدري- بتركيب طقم اصطناعي. عودة معقولة. وإن كانت مثيرة للارتياب. الشرطي قد يظن في المسألة تصميما ما يستدعي كتابة تقرير. يعود بلا عود؟ شي حاجة هذي.ألا يبيت لشيء؟ ضد العجوز مثلا؟ احتمال ولكنه، كاحتمالات جورج بيرد، بعيد .مالذي جاء به إذن؟ لنخمن.

لكنه، مرة أخرى اختفى.
من غيرما تمهيد ظهر ثانية في حضور كاسح. صار غير ملزم باحترام دوره في الصف.كأسنان المشط، بيضاء، كانت أسنانه تلمع. مهندَماً كرجل تفتحت له، أخيرا، فسحة الأمل. ممسكا بحقيبة سامسونيت نصف فاخرة. مرجّلا شعره – بعناية- إلى ناحية جديدة !

بقدرة قادر غدا “مندوبا” لشركة كبيرة للأدوية. .يقترح على المسافرين العبوة بنصف ثمنها(لزوم الإشهار). وتدور على لسانه أسطوانة ناعمة من كلمات تدهش المستمعين لا تضاهيها في التأثير إلا كلمات أولئك الذين يعرضون تركيبات خيميائية ، يحضّرها روحانيون غامضون، لا يأكلون الملح . يصومون الدهر ويحكمون الجن ! كان يمتاز عنهم بخطابه العصري النافذ إلى العقل:” هذا دواء هيأه كافر لا يؤمن بالله ولا بالرسول. لكنه عالم….” وإمعانا في إضفاء مصداقية على بضاعته يضيف:”أسيادي بصراحة هذا المستحضر لا يعالج مسألتين: الشيب والبرص. نجن رجالة والكذاب- شرّف الله قدر أسيادي- ملعون”.

المرأة العجوز بدت منشرحة. نظراتها كانت منبهرة. هاهو أخيرا يعضد رحلتها بعدما ظنت أنه خذلها. من جهته راح يوسّع لها الطريق” تفضلي آ الوالدة”. بأدب جم ينحني . من الممكن الصعود بالحكاية إلى الذروة، ونصالح بين رجل كادح وامرأة- في سن جدته – ونوقّع على العود القديم(المستبدل به حقيبة). أغنية تذهب الغم وترقّص العجوز”حربابوش”. لولا أن هناك عيبا في الحكاية. فالمسافرون لا يثقون عادة في البضاعات المعروضة في الحافلات. ولا يمكن لنصّاب ، في محطة صغيرة، أن يخدع ببضاعته المسافرين أنفسهم على الدوام… دعوا التفكير في الشرطي جانبا. المسألة لا تستدعي ذلك. فبعد أن يجف ريق الرجل، صاحب الفم الجديد والتسريحة الجديدة والسامسونيت الجديدة، وتتشرخ أسطوانة الكلام . تتخذ سحنته مظهرها القديم. يقفز منه سؤال استنكاري مفاجئ: “هل يعرف أحدكم الطائر الحر؟ باين لي اليوم أنكم هنا غير الأساتذة والمُعَلّمين”… وبما أن أحدا لا يبالي ، يرد بانكسار:” من لم يعرف الطاير الحر خير له أن يطبخه مع اللفت المحفور…آش يعرف الحمار لسكين جبير”. يهم بالنزول من الحافلة مستثارا ، ينخس، بلا قصد، المرأة العجوز بمنكبيه. ينهرها كي تفسح له الطريق”عجوز النّمي”. فترد عليه وقد انبسطت أساريرها:”السكايري بوقرعة… الصدقة فيه حرام”.

نشر في 4/06/2005 5:50:00

‫0 تعليق