جاكليـن سـلام: المحبرة أنثى والكلام ناقـص

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

من أيقظني هذا الصباح؟
حمامة رمادية جدا، وباكرا جدا
أيقظني اصطفاق جناحيها على حافة نافذة غرفة نومي
تسربت رطوبة الهواء في الخارج إلى حافات سريري
حتى الإسفلت خارجا يشي بأنها أوشكت أن تمطر
الرطوبة عالية وثمة حبر يحترق!
هل هي الحمامة ذاتها التي تشاكس على نافذتي باكرا كل صباح وعندما توقظني، تغيب بلا أثر؟
الشرفة الآن ملعب لهواجس العالم.

ربما ليس لكل هذا قيمة، لانني هي /أنا، ذاتها. فقط التقويم السنوي ماتت بين أوراقه صفحة البارحة، البارحة شمعة حزينة مطفأة، هكذا قال ” كافافي ” وانطفأ لا أدري متى.
لا، اليوم أنا لست ُ أنا البارحة، ولست ُ أنا غدا ولستُ أنا ذاتها آخر النهار. ويصدف أن أستيقظ وفي يديّ النهار، تفاحة.
يَحدثُ أن أكتسي لهفة طازجة ويصدف أنني على حافة الليل، جدة ذابلة . وقد يصدق العكس.
لستُ أنا من أوجِّه أشرعة هذه الصدف أو التحولات. ثمة كامن يفعل فعله غيبا.
يأتي الصباح، يذهب الصباح …. الى أين…
ماباله القطار لا يكف منذ سنوات عن الصفير في أذنيّ ؟!
الى أين يريدني أن أذهب؟ ما شكل مسافرينه؟ أين تهاجر بهم الطرقات … ؟
أُرجِح ان غالبية ركاب القطار العابر قريبا من كتف البيت، بعد قليل سيجلسون قبالة الكمبيوترات في ابنية عالية، مكيفة وتشبه القبور في الفضاء … وسيشتمون في سرهم رب العمل، رب البيت، رب العالم …
ما الذي يجري الآن بين أصابعي؟ كنت مع الحمامة التي أيقظتني … وعنوة عبر القطار هل يتحسس القطار الرطوبة العالية على وجه الشجر والسكة الحديدية
الرطوبة خانقة، وأصابعي تحترق على رصيف من حبر.
الطفل يزعق ثانية؟!
جاري، الطفل الصغير، يزعق الآن أيضا، ربما لا يريد ان يذهب الى المدرسة، أتراه يخاف افتقاد الأمّ، أمْ يكره الذهاب الى العالم؟
أقصد الصبي الاسمر الصومالي الذي يسكن الردهة المجاورة، حصل وخرجتُ ذات صباح وباكرا جدا، صرخت في وجهه وأمه: أرجوكم، لا أستطيع الأستيقاظ كل يوم على بكاء طفل حاد…
لا أعرف هل أصبحت الطفولة حادة، أم البكاء حادا، أم العالم؟
الأم أعتذرت، الطفل بحلق فيّ وسكت، نبهتني نظرته الى أنني على الباب ، والثوب يشفُّ يشفّ … توقف َ بعيدا عن أمه وصمت . غاب الطفل من وجهه، هو يبحلق والأم تعتذر ، النعاس يقطر من شعري ومن غفلتي .أنتبهت ُ…الطفل فقيهٌ أيضا وبلغتي الأم شتمته” يلعن أبوك ع الصبح شو عم تتطلع ؟”
الذي أريد أن أقوله، أنني لا أحبذ الإستيقاظ على طفل يبكي بحدة.
يا لدمي! لم يعجبني اصطفاق أجنحة الحمامة باكرا أمام نافذة الصباح وأمقت صفير القطار، أخاله يزجرني لأرتكاب معصية النوم! ماذا دهاه، هذا الطفل الاسمر كالقهوة
وماذا أيضا؟ سأصمت الآن، سأعيد الكلمات الصارخة، الى أدراج معتمة وأقفل مسالك الضوء اليها وأسترق السماع اليها بعيدا عنكم. الكلمات تنجب في العتمة أيضا
” دور يا كلام على كيفك دور / خلي بلدنا تعوم في النور / ارمي الكلمة في بطن الظلمة / تحبل سلمى / وتولد نور …”
هل حقا ستولد نور ؟
من أيقظني هذا الصباح؟!

قد يكون ذاك الذي يحمل الجرائد الصباحية الى بابي، باكرا جدا
لا أعرف أهو رجل أم امرأة. الشخص الذي يضع الجريدة أمام أقدام الباب،لا يحني ظهره،. الكلام الكبير في الجريدة يوقظ الباب بصخب يوقظني ويترك العالم في صفحات على بابي.
أتحاشى أن أقرأ الجريدة صباحا. لا شيء إلا ، صور عالم يتهدم … هنا حادثة اغتصاب، هناك حادث قطار أو سيارة أو رصاصة طائشة أو صاروخ موجه بتخطيط حاذق. يا إلهي ماذا هنا؟ ماذا هناك؟
ما لون العالم يا هذا الصباح؟
أنصرفُ الى الشرفة. يالرائحة القهوة وأنا نصف مستيقظة … وحدها اليقظة على القهوة رحيمة. القهوة قبل أن يتسخ الصمت …
في حضرة القهوة الأولى، أعود إلي، أتحاشى نوافذ العالم
في حضرة القهوة الاولى تنبثق فيروز- صوت الشعب من دمشق! – من الذاكرة والكرمة والغاردينيا التي ترعاها أنامل أمي…
أمي، أيتها الأجمل من الغاردينيا، أجمل من إلهة منسية، أجمل من قلب الصباحات الطازجة
أمي، هل استيقظتِ باكرا جدا.. صباحك ياسمين وفيروز وخير
صباحكِ قمح وماء وبسملة وركعتين في محراب الحياة
أمي، هل رششت ِ أزهارك الكثيرة بالماء؟
هل قطفت ِ بعضا من الجوري…مي أمي أمي، أما زالت تلك الجورية البرتقالية في كتف باب الدار تستقبل ضيوفك وتودعهم؟! من يزوركم هذه الايام؟
هل عاد أبي من مشواره الباكر صوب أمه الأرض!
يتيم أنتَ يا أبي، ولم تدرك أن العالم يتيم أيضا، ولا أم ترعاه.
هل عاد أبي بأرغفة الخبز الطازج، ترافقه بدوية سمراء، أيقظتها الخليقة باكرا لتقدم للعالم الحليب واللبن …… العالم جائع منذ الازل وصغيرة هي، تتعثر بفستانها الطويل جدا. تحمل لنا الحليب الى البيت وكفها مازالت حليبا.
آه، ربما كانت تشتمنا وربما تبكي في داخلها، اذ ترانا نياما في فسحة الدار
هي التي استيقظت منذ قحف الصباح لتعبر المدينة الجائعة بجرار الحليب وباقات النرجس البري.
يا لقلب هذا الصباح الآخر. يا للقلوب التي يندلق صمتها كل صباح على كف العالم.
أتراهم زوجوها لابن عمها كي تنجب له اطفالا رعاة يحملون عنها العبء، أو يكثرون عليها الأعباء، يبيعون حليبها وينامون جياعا؟!
الحليب ضروري جدا- يقول الأطباء-
اسكبوا الحليب على وجه العالم، على قامته، علّه يقف مرة واحدة أخيرة.
عظامنا مترهلة، أنقاضنا غائرة فينا، ليس لنقص الكلس، بل لإن الصباح لم يعد ابن الشمس.
أمي، أذكركِ الآن وأنت ِ تُعدين مائدة الصباح. أذكر أنني كنت أخلط الشاي بالحليب وأُكثر من السكّر جدا … ملعقة واحدة، اثنتان، ثلاثة …
كنت ِ تنهرينني: السكر سم ابيض، يكفي …

  • كلمة قديمة : النفط ذهب أسود ، والقمح ذهب أصفر-
    مالون الحقيقة اذن؟
    أمي قهوتي مُرّة الآن .. مُرة مرة والحليب مسحوب منه الدسم
    الطفلة، كانت تضع فائضا من السكر، فقط كي تبرد كأس الشاي
    كبُرت، وتشرب الحزن بلا سكر- وأحيانا البحر –
    قدحها سميك كما وجه هذا العالم
    لا ينقل الحرارة ولا الحب ولا اللوعة بأمانٍ.
    العالم مصاب بنقص في كل شيء؟ اللهم الا تطور الاسلحة النووية ومشاريع باذخة لحروب صغيرة كبيرة أخرى
    لا تبتئسي أمي ولن ينتهي العالم! فقط بعض الصواريخ ستزوركم…وأطنان القذائف ستسقط بالقرب منكم هناك … وسيصفق العالم البليد هنا وفي أمكنة أخرى، معتقدا أنها حرب ضد الشيطان الآخر، وسيقضي والدي الوقت كله يتنقل من إذاعة إلى إذاعة إلى قناة فضائية وأخرى … أبي يلاحق الأخبار والمستجدات
    أذكر، نهرني مرات كثيرة وأنا صغيرة اذ تأففتُ في وجهه: ما هذا يا بابا، نريد فيروز صباحا، الى متى أخبار أخبار أخبار … وصفقتُ الباب على نفسي.
    شتمني ” يلعن أبوكم ” العالم يشتعل وأنت تريدين فيروز!
    سامحني يا أبي، العالم يواظب اشتعاله اليوم، يكمل دورة خرائبه وأريد فيروز، رحمة بي.
    لاتقلق يا أبي، سيقضون على “الشيطان” قريبا
    أضحكُ من كلمة الشيطان، أخاله أحيانا بين أصابعي
    الشيطان! أليس كما أرداو له. الشيطان وسّوس للافعى …الافعى وسّوست لحواء، حواء وسوست لآدم.. وسقط الانسان
    وهل كان آدم دمية؟ واستجاب للمعصية، آدم أقصد …لا أعرف ماذا أقصد ..بل أقصد تماما: لا دمية الا عقولنا الصغيرة ومن الصعب علي تحديد الافعى والساقط ومن أين وكيف بدأت الحكاية؟
    أمي، تسألين عن صحتي؟
    سأكذب عليكِ وأقول كل شيء على مايرام. أمي تعرفين انني كذبتُ عليكِ أياما كثيرة وكنت دوما أقول لكِ انني بخير وأنزوي في وحدتي أرقص وأبكي على الورق، الورق الذي لا تستطيعين قراءته. واسمحي لي الآن أن اشتم جدي، والدكِ لأكثر من سبب….
    وأيضا تسألين عن عالمنا هنا؟!
    العالم يضيق، ثيابي تختنق، يسيح الوقت، روحي تحبو اليكِ …آه، ماأكثر الجحور.
    سأحكي لكِ اشياء عابرة أخرى لا تقطبي ماما، ولاتنهرينني لطول لساني:
    سأكذب ثانية، الكلام العاري أمرّ من القهوة، من الصبر. هل الصبر مرّ؟ أراك تعيدين جملتكِ الشهيرة ” يا صبر آيوب”
    لا، سأخرس ثانية لأنني لا أستطيع أن أحيكَ عباءة للحكاية العارية!
    أردت ُ أن أقول وباختصار: ذهب رجل ليزور العالم المريض…وكانت سيدة هناكَ صدفة. كادت نظراته أن تمزق البنطال الذي تلبسه. انتهى.
    العالم مريض، الوباء مستفحل وقديم
    رجل يغتصب امرأة بعينيه، العالم يغتصب العالم بلسانه، وبالصواريخ العابرة للقارات
    السيادة للقوة، القوة انتصاب.
    ماذا فعل بنطال سيدة برجل عقله بين فخذيه؟ قالت سيدة اخرى بسخرية مرة وفي يدها فنجان قهوة عربية.
    الحدث ناقص، اعذريني … قهوة اخرى مُرّة ودخان يتكاثف، تحلق شارة حمراء في رأسي مكتوب عليها [/COLOR[COLOR=crimson]]” ممنوع من الكلام / ممنوع من السكات/ ممنوع من الابتسام / ممنوع من الغُنى / وكل يوم في حبك/ تزيد الممنوعات / وكل يوم يوم بحبك / أكثر من اللي فات …”
    خسوف آخر .الحبر يبتلع غصته والحوت يبتلع القمر وسكان القرية يقرعون الصنوج ويضربون على قحف التنك، يفزعون الحوت ليترك لهم القمر بسلام … ماذا سنفعل يا أولادي، لو أصرّ الحوت على ابتلاع القمر؟
    ماذا لومات القمر!
    من أيقظني؟ الحبرُ أم أنتَ ياأيها الغريب!
    لا، لست أضحك، إنني أبكي … لا إنني أبتسم وأتذكر … قلتُ إنني سأشتم جدي لسبب ليس عابرا …لأنكِ لن تقرأينني أمي
    هل قلتُ لكم بأنني لا أؤمن بكلمة ” عابر ” إذ ، لاشيء عابر، لا شيء يفنى، الكل قابل للتحول لحدٍ يثير القشعريرة .
    أتخيل دفتر الهواتف في بيتنا العتيق وأرى رموزكِ الهيروغليفية وأنت تضعين مقصا أمام رقم هاتف جارتنا الخياطة. ترسمين سكينا أمام هاتف القصاب ووردة أمام رقم آخر وحذاء على آخر… تخترعين لغتكِ ورموزكِ
    ترسمين طائرات … طائرات … طائرات، وتتشابكُ على أرقام هواتف أبنائك المبعثرين في القارات.
    ما أجملكِ أمي، ماأجلّك. وما أشقاه قلب العالم.
    هل للعالم قلب؟ أشكّ أشك أشك … لو كان له قلب لكانت القيامة يانعة.
    ” سلام عليك ِ وأنت تعدين نار الصباح / سلام عليكِ / سلام عليك / أما آن لي آن اقدم بعض الهدايا اليك … أما آن لي أن أعووووود اليكِ ……. أمي أضعتُ يدي ….”
    أمي وجدت ُ يدي! وما يزال بين أصابعي حليبك ِ الطازج . لا، لا حليب بين يدي
    بين يديّ حبر وحبر وحبر، شمس تندلع وقمر لا يكتمل
    بين عينيّ حبر وعلى شفتيّ حبر …أمي أمي أمي، أين مريلتي المدرسية الآن؟
    أريد أن أرى الحبر بين طياتها. الحبر الذي كان يزعجكِ وكنت ِ تعنفينني دوما، عندما تأخذين مريلتي للغسيل وتقولين : يامجنونة هل تكتبين على ثيابك ِ؟ ألا يوجد لديكِ دفاتر وأوراق تكفي؟ … الحبر يتحد بالثياب، آثاره تبقى.
    أعتذر الآن أمي لطيفكِ وهو ينظف العالم في عيني.
    أمي ثيابي نظيفة، متسخة أوراقي والحبر كثيف، الحبر معصيتي … الحبر قيامتي … الحبر أمي … الحبر دمعتي … الحبر حبي …
    المحبرة أنثى والكلام ناقص
    حمامة قطار طفل أمي حليب جرائد العالم قهوة
    القهوة واليقظة والسيكارة والدخان يتكاثف في الاصابع، الرطوبة عالية وأوشكتْ أن تمطر.
    من أيقظني هذا الصباح؟
    قهوة أخرى والعالم لا ينام . قهوة أخرى والعالم لا يستيقظ. قهوة أخرى ثقيلة جدا، مُرة جدا والعالم ليس العالم، ليس الحبر، ليس القهوة ، ليس أجنحة الحمامة، ليس بكاء الطفل، ليس أخبار الجريدة ولا …
    العالم ليس العالم..
    من أيقظني؟ الحبر أم الصمت أم الكلمة
    اختلطت أصابعي بي وبكم، اختلط الوقت بالموت، أقصد اختلط القول بالقتل
    ولكن، من أين تبتدأ الحكايا؟
    هل كان في البدء حبر وكانت الكلمة أم كانت العتمة وفي بطنها الكلمة أم كانت الروح وأصبحت الكلمة الله ؟
    صباح الخير أيتها الحياة
    صباح الخير أيتها
    صباح الخير
    صباح
    من يوقظ العالم ثانية!
    أستيقظتُ للمرة الألف …
    أريد أن أنام. أن أغفو على جرس الحبر … وقبلها أريد أن أعترف بفعلتي: أنا التي شنقتُ المهرج، ومازال يتأرجح على النافذة!
    أفتحوا نوافذكم. الرطوبة عالية، دخان القبر كثيف، وينذهل حبيبي عندما أقول له: من يستطيع أن يكتب السماء، من يستطيع أن يكتب الرقص، من يستطيع أن يكتب الروح!
    من يُكمل الحكايا؟
    شهرزاد؟!
    شهرزاد علتنا، وترقص في المحبرة. لسانها صخرة ” سيزيف”
    من يحكي رقصتها؟
    الرقص قيامتها، ولا تحتاج للحبر
    رقصتها لكم، منكم، اليكم
    لا، رقصتها لها
    رقصتها حبر يحترق
    وهل يحترق الحبر؟
    اصمتي، الآن
    صباح الخير أيتها الحياة
    صباح الخير أيتها
    صباح الخير
    صباحُ من يوقظني جدا.

جاكلين سلام / تورنتو 13/8 / 2002


نشر في 9/05/2005 9:30:00

‫0 تعليق