جاكلين سـلام: الشعر كامن في دقائق الكـون / حاورها: نوري الجـراح

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

الشعر كامن في كل دقائق الكون
ما زلنا بحاجة إلى انتفاضة نسوية أدبية لنعيد إلى عشتار صوتها وصورتها الخلاقة
نوري:تكتبين قصيدة حديثة تستقبل النثر وسيطا لخلق الشعري وبعثه في الأشياء الطفيفة وفي التفاصيل الصغيرة لحياة الكائن، كيف ينبني مفهومكِ الشعري؟
جاكلين: الشعر يأخذني، فأنشغل بمقاربة حالات وأشياء جميلة أو قبيحة وأتركُ الجمال أو القبح (كموضوع) للمختصين بعلم الجمال مثلاً. وجدتُ في الشعر والكتابة مصباً لهواجسي وقلقي الذاتي وتوقاً لفض بكارة صمتي الثقيل

المرتج حيال زخم الحياة بما فيها من جمال وعواصف، شظايا وأوهام، جنون وغموض.
حين ذهبتُ في تأتأة الشعر، ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة أو الطفيفة – كما أدركتُ لاحقا- والتي تعمر بيت القصيدة، وجدتني كمن يتلمس الشعر بحثاً عن الجوهر في هذه اللبنات الأولية لما تقع عليه العين والروح. إذ الشعر كامن في كل دقائق الكون وكائناته والجزء يفضي الى كلانية سواء في الوعي أو المادة التي تكوننا أو في مظاهرها المحيطة بنا.
ذهابي إلى القصيدة، شغف وشقوة من يريد أن يعرف البحر، فيأخذه أن الهيدروجين والأكسجين يتحدان إلى ماء، والماء موجة، والموج بحر، والبحر لون وقواقع وطحالب وحيوات قصية…. غموض ومجاهيل.

نوري: بدأتِ الكتابة الشعرية متأخرة، ما الذي قادكِ إلى ذلك؟
جاكلين: نعم، وأعتقد تأخرت كثيراً كي أعود إلي وأواصل البحث عني من جديد
كي أعود إلى طفولتي النائية، أوقظ تلك الصغيرة التي كانت مأخوذة بالركض خلف الشمس والصيصان والدمى التي في قصص الأطفال بأكثر من إنشغالها بلعبها المصنوعة من الخرق وأغصان العريشة. أتاحت لي هذه العودة أمكانية اللعب والتخريب ومعايشة احتراق الأصابع، اختراع الفرح والفصول وتأسيس عالم يخصني ويحميني.
مؤخراً وجدتني على حافة هاوية، فمد الشِّعر يده اللامرئية، أغراني بإمكانية الخلاص، فامتثلتُ له. أُدرج فقرة من نص كتبته “مقعد للشعر، مساحة للحياة” لعله يقول شيئاً:
انصرف عني كل الذين كانوا
كل الذين لم يكن مقدراً لهم البقاء
شاسعة مملكتي وغريبة أنا
متهتك جسد الوقت
أيها الشعر تقدم
لكَ كلي … لكَ هذا الجسد بأبجديته العصية وهذه الروح، طلاسمها وضلالها
أرقها الذي ينبثق من غياهب صمتي تساؤلات وأنقاض، عجينتها اللاشيء وكل شيء
لم يبق لي إلا أنت … لم يبق لي … لك وحدكَ أعلن عشقاً، فترفقْ ….
وطبعاً كانت هناكَ صحبة قديمة مع للكتب والورق الأبيض والقلم.

نوري: كيف ترين إلى الكتابة المسماة اليوم الكتابة النسوية ولاسيما في الشعر؟
جاكلين: أرى أن إبداع النساء هذه الأيام تجاوز مقولة “أدب الأظافر الطويلة” ومضى إلى طرح مواضيع لم تكن متناولة، إلا بحذر شديد، كالذات والجسد.
خصوصية ما تكتبه النساء يكمن فقط في الإضافات المختلفة التي يطرحها النص كونه يعكس طريقة الكاتبة/المرأة في النظر الى ذاتها والعالم، بعد أن تعودنا أن نتلقى ما يكتبه الرجل أغلب الأحيان عن ذاته والعالم والمرأة.
لم يعد ممكناً سحب البساط من تحت أقدام الشاعرة، إذ أسستْ موطئ قدم والوقت كفيل بأن ترصع كائناتها/ قصائدها، لتزين عنق الوجود بما يليق به. ورغم هذا التقدم النسبي الذي نشهده، إلا أننا ما زلنا بحاجة إلى انتفاضة نسوية أدبية لنعيد إلى عشتار صوتها وصورتها الخلاقة.

نوري: هل يمكن للإيروتيكية اللحظة أن تكون موضوعاً مركزياً للقصيدة كما نجد لدى الكثير من الشاعرات والشواعر العرب؟
جاكلين: ثمة في الشعر افتتان بالحياة ومكنوناتها، ووله يصل حد الشبق أحياناً.
الكائن البشري نفس وجسد، ومقدس كلاهما في عملية الخلق والإبداع.
الإيروتيكية كما أي موضوع آخر يمكن للكاتب رجلا أو امرأة، التعبير عنه في القصيدة، ولكن من الضروري التوقف عند الكيفية التي يتم تناول هذا الموضوع من خلالها.
ثمة فارق جوهري وعميق ما بين منحوتة رودان “القبلة” حيث الجسدان عاريان، وبين لقطات البورنو -البورنوغرافيا- العري الأستهلاكي الذي تعج به الملاهي الليلية وغالبية النصوص الحديثة الإيروتيكية المكتوبة بقلم الشاعر(ة).
الذي(التي) يسلّم القصيدة للموضة فقط، يسقط سريعاً.

نوري: من هم الشعراء العرب الذين يشغلكِ نتاجهم الشعري وترتبط قصيدتكِ بأواصر روحية وجمالية معهم؟
حين بدأت القراءة لم يدلني أحد على اسم كتاب أو كاتب. كنت أتوه بين رفوف المكتبة “مكتبة المركز الثقافي في المالكية” أبحث عن مجهول ووقعتُ صدفة على كنوز أدبية وربما لهذا أجدني حتى اليوم أقرأ بنفس الدرجة من الأهتمام لشاعر(ة) كبير أو صغير، إن جاز القول.
وإذا كان لا بد من ذكر بعض الأسماء فأستطيع القول أن:الشاعر محمود درويش له وقع خاص في ذاتي، يشدني للإصغاء إليه، بروح نصه وانشغاله الإنساني العام أو الخاص.
محمد الماغوط: بحدته ونزقه واغترابه الذي يلذع قيلولتنا
نزيه أبو عفش: يعلمني أن أمشي بحذر وأن “للأرض روح” وأن أستمع إلى دموع الأعشاب.
قاسم حداد: بافتتانه باللغة والسحر الذي تخلقه مشوباً بالغموض.
هذه فقط أمثلة لا تلغي الأصوات الشعرية الأخرى التي تقدم وتعالج الجمال بأسلوبها.
من المؤكد أن ما أكتبه ليس منقطعاً عن إرث الثقافة بعمومها، فحتى الشعر الجاهلي وكما يقول الباحث كمال أبو ديب يزخر بمنكونات الأنتقال من التجربة الفردية الى الجماعية ويطلق عليها ” كوننة التجربة” . أما تلمس الخيوط التي تربط قصيدتي بأي شاعر(ة) ، فهذا ليس بإمكاني الوقوع عليه أو تقصيه، ومتروك أمره لكم، قارئاً وناقداً.

نوري: تكتبن بالعربية من هذا البعد، ماالذي يصل بنظركِ كتابتكِ بقراء العالم العربي واهتماماتهم؟
جاكلين: مادام الثلج في أول كل شتاء، يذكرني بقصيدة حفظتها على مقاعد الابتدائية “يا ثلج قد هيجت أشجاني/ ذكرتني أهلي وأوطاني ….” ومادام المطر، يجعلني أسأل نفسي عن سر رائحة ذاك التراب البعيد …. ومادمتُ مجبرة أن أشاهد الـ( سي ن ن ) بحرقة … وما دامت أحلامي باللغة العربية واللهجة السورية تحديداً، وليس الإنكليزية، ولأن هذه الأشياء والقوائع كلها تتداخل في كتاباتي فلا بد أن تكون موضع اهتمام قارئ(ة) ما في العالم العربي.
سمعنا مراراً أن المقياس لإتقان لغة البلد الجديد، هي أن تلبس أحلامنا هذه اللغة، وهذا مقياس للانتماء أيضاً، أما أنا فلا أعتقد أنني أشعر بهذا الإنتماء –حاليا- بل يتعمق اغترابي كل يوم.
ولستُ أقصد أن الكتابة بغير اللغة العربية خيانة لهوية الكاتب.

يبقى انتمائي الحقيقي إلى الثقافة الإنسانية بعيداً عن كل ألوان العنصرية أو التعصب القومي.

(نص الحوار الذي أجراه نوري الجراح مع جاكلين سلام، في نوفمبر 2002 ، بمناسبة صدور مجموعتها الشعرية “كريستال”، وقد تم اللقاء بالمراسلة عبر الأنترنت)

نشر في 30/04/2005 6:40:00

‫0 تعليق