فيصل قرقطي: أبجدية التكويـــن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

إلى رقّة الآس في صوتها
واحتشاد المكان في غليان النار.

الليلة الأولى قيل الميلاد
يغزل العرافون وصايا الصمت
بطهاطيل كلام ..
ونجوم سماء /
وهراطق كتب صفراء /

وحروف مذبوحة /
إذ يلتويَ الوقت ؛
كانتشاء الجثث
فوق صمت المدينة /

التراب يئن
تحت لهاث الشمس ..
التي في عين الإله .

ضوء بوحه المدى /
تنكمش الأرض .. ثم تضيق ..
يتسع الصدى بين النار .. والماء /
ويكون اليباس / من روحه
نفخة في السعير ،
توازي نبضة عراء التشكل /
ليعلقه المدى من نظراته الضائعة ،
خلف سياج الوقت …
يضيع في إيقاعه غير الرتيب .

الأفق ينزفه قطرة من وجوم /
ليكون مساء ..
ويكون صباح /
ولا ظهيرة في بساتين الروح /
ليمشي .. ويمشي ..
ذارعاً الأرض التي تتنفس في شهقته .
كن كما يكون الماء
عذباً .. وسلسبيلاً /
طارئاً .. ونزيلاً /
قائما .. ومقيما /
أيها الفاتح أردان الأنهار /
لتزرع بويضات ضياع المحيط ..
وتفجر الماء الساكن في بطن الوجوم ..
الذي يعسكر في وحدتك /
أنت .. وحدك الآن /
تجدل الوقت والمسافات /
سائرا في غضب السكون .

عمَّ تبحث في لهاث الشجر ؟!
عمَّ تبحث في لهاثك الضائع في الوحدة ؟!!

امتداد كفسحة الخراب الدامي /
يعلق رموش المسافة بمسامات جسدك /
وأنت .. أنت وحدك
عمَّ تبحث يا فتى ؟!
وحواء غافية في مسالكها ..
قرب بحيرة لا تصل إليها الروح /
ولا أحلام الرعونة .

عمَّ تبحث ؟!
وفي نبضك يسترسل الغيب
نشيداً ضائعاً في تشكله الأول /
كايقونات مهملة .
كزوابع لم تعرف مداراتها /
كلهفة المخاض ..
وولادة من ثبج الفراغ /

أنت أتيت
لتكون /
مَنْ أنتَ ؟!
منْ أنت ؟!
ليلة الميلاد

هادئا يستفيق الصباح بعينيك /
من تعب نمْتَ .. وها قد صحوت
لتعرف أنك أنت /

وأن الصباح بحلمك كان هباء ضياء /
وها قد بدأت لتبدأ :
من سرَّة الأرض /
من كلمة لا تغافل سرَّك /
إلا لتحمل جمر الهموم بصدرك
أنت ولدت هنا /
وهنا شدَّك الله في هذه الأرض
التي تبتغيها ولا تصقل الروح في منتهاها /

لتبدأ ثانية /
من عناقك والرحم /

حواء ليس لها متسع .. تستكين /
تغيب لتبزغ ثانية من دموع الإله /
وأنت احتدام المواقيت والتعب المتواصل /
والمسير بلا غاية /
كيف تمشي وروحك لا تحفل الآن بالمعجزات ؟!

هلمَّ إلى غاية الصبح /
يشرق .. إذ تشرق الروح فيك /
فلا تنبض الآن إلا بورد الولادة
لا تنبض الآن إلا بصمت الخلود
فسر أينما كانت الخطوة .. الأرض /
لا تتقي شرك الآن/
وسر مثل الهواء الخفيف /
لتحفل بالمعجزات /
تنفَّس كما يليق بك /
ونم في تعب الطقس /
لا تفسر وجودك /
أيها الضالع بالسهر والتعب والسؤال /
فلا تسأل !

كم تنام لتسأل !
وتصحو لتسأل !
وما من جواب

حواء طالعة من خدرها الآن /
تفتح كل انشطار إليك /
إليك تهمهم .. ثم تلوب /
وتنقر خطوتُها الوقتَ /
يشرق أكثر مما يكون الشعاع /
وأنت احتدام الشعاع … وبر السكون /
لتحلم أكثر مما يشيل السواد
وتصحو أكثر مما يشيل الضياء
فأنت .. ولَّدْتّها … من ضلعك ..
هذه الأرض / وإرثها الأكيد
خلاصة إرثها المحتوم /
ولدت .. فانشقَّت ظلمة لتكون /
وبزغ الضوء لتكون وحدك الآن ..
إنها المعجزة .
جاوزت التسعين /
أطفأت نجوما .. وأضأت نجوما /
غادرت بلاداً وعوالم /
ودخلت مصائر وشِباك /
وتلوت الصلوات وحيدا ..
ووحيدا شكلك الغيب الطافح
في مشكاة سماء لا تشفع للسجدة
إلا لنذير يهتك بمسرَّة هذا الكون .

أنت الآن عصيٌّ /
ترجمك الحمَّى /
يشغلك الحبل الملتف على عنقك .

الليلة الأولى بعد الميلاد

بطيئا هو الجرح /
حبل السرة ما زال وراءك /
يا رجل سيعيش مداراتٍ وحقولاً ونجوما /
تمتم شيئا /
فضَّ بكارة هذا الطقس /
فحواء يغيبها النور الساطع خلفك /
كيف تحلل ضوء نشيدك ؟!
كيف ترمم ميلاد خلودك ؟!

أحد يهمس في ضلعك ،
أحد يهمس في رأسك ؛ لا تلتفت الآن
لمخاض الدرب .. وشوك الأيام
لا تلتفت .
الأيام خوالي ..
ويقينك طفل يحبو /
ولهاثك شاخ /
تحمل غيماً في معطفك الأبدي /
والأمطارَ بعينيك /
نزقُ الأرضِ يشرِّشُ في كلماتك
غضبُ الجوعِ يعريكَ ..
وتبدأ ثانية .

أيُّ ولادة تتقصى دهاء الأيام ؟!
أي مصيرٍ تعبٍ خفَّ بجرحِكَ ..
أنت الآن ملاذُ الشفقِ ..
نبوءةُ سجدتِكَ الأولى ، وتمردُكَ الأوَّل
فارفع جنَّازَ فضائك كي تصرخَ أكثرَ /
كما يليق بك لتنهدم رغوة المدن
وتبقى على حالك سابحا في فضاءٍ
ولا مدينه .

حبل السرَّة مازال يدور وراءك
ما زال الصمت يلاحق إرثك /
تفتح بابا للترحال فتدخل أبوابا لا توصل إلا للروح /
وأنت بميلاد السرة تفتح بابا أخرى /
تلهج بالوله الساكن في جيب الصمت /
والصمت له أنداءُ مداراتٍ ما زالَ يلاحق روحك /
تبني من ضلعك مرآة لحياتك /
وتغيب بعيدا في صمت الأيام /
تكتظُّ عليكَ نواجذُهُمْ
يحكمك الشبقُ الأعمى الطافحُ في عينيكَ /
تدورُ ؛ وحبلُ السرَّةِ ما زال يدورُ وتسأل /
كيفَ ستسأل
وأنت السؤالُ الوحيدُ ..
الجوابُ الذي لا سؤالْ .

30 / 31 / 1995
1 / 1 / 1996

نشر في 22/04/2005 9:20:00

‫0 تعليق