عبد الناصر حنفي صادق: نحو تأسيس ابستمولوجيا المدينة (تأملات تمهيدية في نمط حضور

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بحوث ومقالات
عند التأمل في ذلك الفضاء العام الذي يرسم ظهور وحضور المدينة ، بما هي مدينة ، سنجد أن كل ما يتعلق بهذا الشأن يمكن تحليله في النهاية عبر علاقات عنصرين أساسيين : أي المعمار ، والحكاية ، وذلك بوصفهما – أولا – ما يشكل أو يمهد أو يتيح مجال الظهور الطارئ للمدينة ، ثم باعتبارهما – ثانيا – الأداة الأساسية لاستبقاء هذا الظهور وحفظه ونشره وتطويره ، أي باختصار لكل تلك العمليات التي ستكون في النهاية ” نمط حضور المدينة “.

والمعمار ، أو التشكيلات المعمارية ، ستوجد دائما عند أطراف عيوننا بوصفها تنتمي إلى الطوبوغرافيا البصرية للألوان والخطوط المحيطة بنا ، ولكن برغم هذا الحضور الحسي المباشر والواضح لما هو معماري فلن يمكننا تصوره أو استحضاره أو المثول أمامه دون أن نشعر بتطلبه لمدينة ما ، بحيث سيبدو المعمار وكأنه عطاء المدينة الخاص للإنسان ، لدرجة أنه حتى لو وقعنا على مبنى منفرد بنفسه في الفراغ ، فلن نستطيع أن نراه إلا بوصفه جزءا من شيء آخر يظل يحيلنا إليه باستمرار ، بحيث سيبدو وكأنه نداء لمدينة آخذة في الظهور، ابتهال لحضورها ، تبشير بقدومها ، أو حتى نعي ونواح على غيابها ، ولكن ألا يعني هذا أننا لا نستطيع رؤية ما هو معماري إلا بوصفه عنصرا في علاقة ترابط تلقي بوطأتها علينا وتدفعنا إلى تجاوز وجوده المحدود، و بغض النظر عما إذا كانت أطراف هذا الترابط حاضرة أو غائبة فإنها تضع نفسها على قدم المساواة مع ما هو محسوس أو مرئي ، تتوارى خلفه ، أو تبطن نفسها داخله بحيث ندركها بوصفها كيانا محايثا للبناء المعماري ، أو جزء لا يتجزأ من حضوره المطروح أمامنا .

كيف لهذا الترابط أن يتأسس على هذا النحو الخادع بحيث يستولي لنفسه على سلطة ما هو حقيقي ؟ فالكيان المعماري لا يمكنه أن يحيل مباشرة ،أومن تلقاء ذاته إلى المدينة ، وانفتاح شعورنا تجاه حضور صرح معماري ما سيحيلنا إلى حدس معرفي بكتلته ، بصلابتها أو مرونتها ، بعلاقات الخط واللون ، وقبل كل شيء ، بالفراغ الداخلي القابل لاحتواء غيره ، أو القابل للامتلاء ، وبالتالي فأين توجد تلك النقطة التي نبدأ عندها في الانزلاق دون أن ندري تجاه مجال حضور المدينة ؟ وكيف يتأتى للحكاية أن تنتج هذا الانزلاق وتقوده ؟.

ولنبدأ تأملاتنا – التي ستتخذ طابع استكشافي بقدر ما هو استطرادي – بتحديد المراحل الأساسية لرحلتنا التي ستقودنا إلى المدينة ، حيث سنتوقف أولا عند اللاعبين الأساسيين في مجال المدينة كل بمفرده، بحيث سنتناول” المعمار” بوصفه حالة خاصة لحضور الكتلة ، و”الحكاية” بوصفها حالة خاصة لما هو معرفي . ثم سنتتبع كيف قاد هذان اللاعبان حدث ظهور المدينة ، وأسسا له ، لنتوقف في النهاية عبر إطلالة سريعة بقدر ما هي مؤقتة عند عمليات حفظ هذا الظهور وإعادة إنتاجه أي ما يمكن أن نطلق عليه ” سياسات المدينة “.


يقدم ما هو معماري نفسه بوصفه حالة خاصة للكتلة ، ولحظة من لحظات تطور علاقتها بالفراغ ، وبالتالي فأي مقاربة لما هو معماري ينبغي أن تنطلق من حضور الكتلة بوصفه نقطة البداية التي تقودنا إلى لحظة ظهور المعمار.

والحالة العامة ، والأولية ، لحضور الكتلة تتضمن وجود مصمت ومنطوي على ذاته ، إنها تومئ باستمرار إلى كيان ساكن وثابت بقدر ما هو متماسك و بلا فراغ داخلي حيث لا يوجد سوى أمواج من” القوى الفيزيائية” التي سجنت معا على نحو يجعلها بمثابة تسجيل دائم لاختلاف مستقر للقوى يعيد إنتاج نفسه باستمرار داخل حدود هذه الكتلة حيث ستنهمك هذه القوى المختلفة في ممارسة تأكيدها لنفسها عبر الإغراق في عشق ذاتها ورفض ما هو خارجها ،والتجول حول بعضها البعض في حركة محصورة ذات أنماط لا تتغير ولكنها تتكرر بلا نهاية ، ولذلك فالكتلة المصمتة هي كيان يكره العالم من حوله ويعزل نفسه عنه ويرفض الاندماج فيه ويرسم بحزم بالغ حدود وجوده الذاتي حيث المجال الداخلي لحركة قواه التي لا ينبغي لأحد أن يتطفل عليها ، وبالتالي فالكتلة لا توجد دائما إلا بوصفها في حالة تجاور مع شيء ما ، أو خارج شيء ما،أي أنها لا توجد إلا بوصفها إعلان دائم عن اختلافها وتمايزها ، ونتيجة لهذا التخارج المعمم فهي تفتقد القدرة على الحركة وهو ما يجعلها تثأر لنفسها دائما بوقوفها ضد ما يتحرك عبر مقاومة أسست وجوديا لحضور مفاهيم الاصطدام والإزاحة والتدمير حيث سيظهر ” لعب القوى” وهو يتسلى بمداعبة ذاته واختبارها في سلسلة من الألعاب الانطولوجية التي لا تنتهي أبدا ، والتي تفضي دائما إلى إعادة تشكيل هذه الكتل وإعادة توزيع القوى المحبوسة داخلها.

ومعظم الكيانات التي أفرزتها الطبيعة تنطوي تحت الحالة العامة للكتلة المصمتة ، ولكن مع اضطراد لعب القوى ستبدأ الحالات الخاصة بالظهور، بحيث سنجد فئة منها قد تعرضت لانتهاك عنيف أدى إلى ثقبها على نحو يفضى إلى إجبارها على تغيير علاقتها بالفراغ ، ودفعها للانفتاح تجاهه وتركه يتسلل إلى داخلها ويجلب خصائصه الذاتية إليها ، بحيث أصبحت تلك الكتلة المجوفة تسمح داخلها بمرور حركة تنبع من الخارج وتعود إليه ، كما أصبحت قادرة على استيعاب وتأطير حضور كتلة مصمتة أخرى مختلفة و مغايرة ، وهي تحتويها داخلها وتعزلها عن الخارج فيما تبقى في نفس الوقت على تمايزها واستقلالها ( لنستحضر في أذهاننا هنا ظاهرة الكهوف الجبلية مثلا ، فهي بوصفها كتلة مجوفة تسمح بالحركة داخلها ،مثلما تستطيع احتواء كتلة أخرى وعزلها عن الفراغ الخارجي العام ) ، وهكذا سيمنح الفراغ خصائصه الذاتية للكتلة ، وسيعطيها أكثر مما أعطته ، و مقابل ذلك فإن هذا الفراغ الناشئ توا سيخضع بدوره لمحاولة الكتلة في أن تجعله محدودا بشدة طبقا لحدودها الخاصة، ولكنه بالرغم من ذلك سيجد طريقه دائما للتواصل مع مصدره الأصلي ، أي ذلك الفراغ الهائل للطبيعة الخارجية ، أو للعالم الخارجي ،عالم القوى ، إلا أنها صلات تتباعد باستمرار بعد أن اكتسب هذا الفراغ لنفسه بعض الحدود الصلبة التي تجبره على التواصل مع ما هو خارجي عبر نقاط بعينها وتمنعه فيما هو دون ذلك، وهي حدود في نفس درجة صلابة ذلك الوجود الذاتي الداخلي لتلك الكتلة التي باتت منتهكة و مثقوبة أو مجوفة .

إن ظهور أول حالة خاصة للكتلة كان نتاجا مباشرا للعب القوى الذي أدى إلى تغيير علاقة الكتلة بالفراغ وانبثاق ” الكتلة المجوفة” ، أما الحالة الخاصة التالية في رحلتنا هنا، فكانت نتاجا لممارسات الإنسان الذي يحاول منذ ظهوره على الساحة أن يستثمر لصالحه اختلاف القوى وألعابها المنهمكة في إعادة توزيع وتشكيل الكتل ، وهو ما قاده في النهاية إلى اكتشاف” الكتلة الأداة” بوصفها ما ينبع من تغيير علاقة الكتلة بالحركة ، وكما رأينا فإن الحالة العامة للكتلة تجعلها معدومة الحركة تجاه الخارج ومانعة ومقاومة في الوقت نفسه لتلك الحركة ، أما الكتلة الأداة فسيقوم الإنسان نفسه بانتهاك عدم قابليتها للحركة الخارجية وذلك عبر تحريكها ، أو إجبارها على الحركة في الفراغ لتتجه نحو كتلة أخرى ثابتة يستغل مقاومتها لتلك الحركة على نحو يفجر آليات الاصطدام والتدمير و يحقق إعادة تشكيل الكتلة .

ومع ظهور كل من الكتلة المجوفة ، والكتلة الأداة ، بات المسرح مهيئا لظهور ” المعمار ” ، فهو في النهاية ينشأ عن دمج نشاط هاتين الحالتين عبر استخدام ” الكتلة الأداة ” لتحقيق ما سيبدو وكأنه “كتلة مجوفة “.

وبرغم ذلك فإن ما هو معماري ليس على الإطلاق مجرد كتلة جرى تجويفها ، فهو يختلف عنها في نقطة هامة وجذرية للغاية ، ففيما يظهر تجويف الكتلة عبر تعرضها لانتهاك داخلي ، أو لعملية ثقب وتفريغ ، فإن المعمار يبدأ من انتهاك الفراغ نفسه عبر اقتطاع جزء منه ، إنه محاولة لإجبار الفراغ على التراجع والتخلي عن لا محدوديته عبر سجنه داخل كتلة تعيد تشكيل علاقته بالعالم ضمن علاقات وحدود يتطور شكلها عبر تطور المعمار في التاريخ ، ما هو معماري إذا ليس إعادة تشكيل للكتلة ، بقدر ما هو إعادة تشكيل للفراغ نفسه ، ذلك الفراغ الذي لا يعد العالم بأكمله سوى مجرد ضيف يقيم داخله .

المعمار إذا خطوة جدلية طارئة في العلاقة بين الكتلة والفراغ ، وبوصفها طارئة فهي إنسانية بامتياز ، وهي تأتي بمثابة ” رفع جدلي ” للإمكانيات المتناقضة في تلك العلاقة بين الكمون الآمن الذي يتيحه الفراغ المحدود للكتلة المجوفة المنتهكة والذي ينتج عن تقليص مجالات الحركة من جهة، وبين الحركة غير المحدودة التي يسمح بها الفراغ الخارجي اللانهائي من جهة أخرى، وبالتالي فالمعمار ليس فقط محاولة لشكلنة العلاقة بين الكتلة والفراغ ، بقدر ما هو أساسا نزوع لشكلنة حركتنا، و محاولة للسيطرة على مناطق بأكملها من وجودنا ، و حياتنا ، وقدرتنا على الحضور ، أجل ، فمنذ لحظة ظهور المعمار أصبحنا أسرى له ، تماما مثلما كنا أسرى أرحام أمهاتنا .

ولو أننا استطعنا أن نبدي القدر الكافي من الإنصات للتحليل النفسي فلن يدهشنا كثيرا أن نجده يهمس بتأكيد مطمئن حول العلاقة بين المعمار و الرحم ، فالفراغ المعماري لا يحيل مباشرة إلا إلى “الرحم ” ، أي إلى ذلك الفراغ الأولى الذي طردنا منه بلا رجعة، أو تلك الجنة المفقودة التي نسعى بيأس للعودة إليها ، وما نطلق عليه ” المعمار ” ليس في النهاية إلا السجل الحافظ لهذا السعي المحموم لاستعادة رحم الأم من جهة ، ولاستبداله من جهة أخرى .

والحديث عن الرحم في علاقته بالمعمار هنا ليس حديثا عن تراسل حر ومباشر بين وجودين متعينين ، بل هو حديث عن استعارة ، أو ترابط تمثيلي ينهض أولا على إحالة حضور كل منهما إلى مجرد عنصر في الحكاية .


ومثلما يقدم المعمار نفسه بوصفه مجرد حالة خاصة لحضور الكتلة ، فإن الحكاية تكشف عن نفسها بوصفها حالة خاصة لآلية ” التمثيل” ( representation) ، والتي أفضل أحيانا أن أطلق عليه آلية ” إعادة التمثل ” .

ولكن بما أن “التمثيل ” هو نفسه مجرد حالة خاصة للتمثل وقد أصبح قابلا للاستعادة فإن مسار الرحلة التي ستصل بنا إلى مشارفة ظهور الحكاية يجب أن يبدأ من عند “التمثل” باعتباره ما يشكل هنا الحالة العامة لكل ما هو معرفي .

ولنلاحظ أولا أن مجال التمثل ( presentation) يمتد ليشمل كل ما هو متعين أو معطى معرفيا عبر سياقات الوقائع والعمليات المعرفية ، أما مجال ” التمثيل ” أو ” إعادة التمثل” فهو ينحصر فقط فيما يتم استعادته أو استحضاره معرفيا .

والتمثل عملية ذاتية محضة ، منكفئة على نفسها ومحصورة داخل حدودها الذاتية ولا تنطوي سوى على علاقة مباشرة وآنية بموضوعها ، وهي غير قادرة على نشر ذاتها أو على خلق علاقة تربطها بأي شيء سوى موضوعها الذي تظهر بظهوره وتختفي باختفائه ، وبعبارة أخرى فهي تفتقر إلى القدرة على حفظ ذاتها بحيث تظل في حالة عبور لحظي دائم يزيح نفسه باستمرار طبقا لتبدل موضوع المعرفة .

فما يميز التمثل إذا هو أنه يحيا في حالة امتلاء كامل بموضوعه على نحو لا يترك الفرصة لظهور أي فراغ داخلي ، مثلما لا يسمح بأي حركة داخلية سوى ما ينتجه الموضوع ، وهو ما يبدو وكأنه ينطوي على ما يشبه حالة الكتلة المصمتة التي مررنا بها من قبل ، فهنا أيضا سيبدو “التمثل” وكأنه يكره ما هو خارجه ، ويعزل نفسه عنه ويرسم بحزم بالغ حدود وجوده الذاتي حيث المجال الداخلي لحركة قواه يبقى أسير عشقه لذاته ، بحيث لا يتطلب سوى نفسه ، ويقاوم أي حركة تحاول اختراقه أو ربطه بشيء خارجه .

وهذا يعني أن ما نطلق عليه ” الموضوع المعرفي” بوصفه مصدر الامتلاء الداخلي لأي تمثل ليس في النهاية سوى عملية حصر داخلية لبعض اختلافات القوى على نحو لا يختلف كثيرا عما تقوم عليه الكتلة المادية المصمتة ، ولكن مقابل التملك الدائم والمستقر الذي تمارسه هذه الكتلة على القوى المحصورة داخلها ، فإن ” كتلة التمثل” ليست سوى ساحة استقبال مؤقت أو عبور طارئ ولحظي للقوى التي تشكل موضوعها . والكتلة المادية لا تحظى سوى بنهاية واحدة لوجودها ، وهي تدمير علاقاتها الداخلية ، الأمر الذي إما أن يدفع بها إلى الاختفاء التام ، أو يجبرها على إعادة تشكيل ذاتها ، أما “كتلة التمثل” فمصيرها الأخير ، ونهايتها المتكررة باستمرار تكمن في فصم أو انقطاع علاقتها بموضوعها ، وبالتالي تفريغها من الداخل تماما ، بحيث تذوب وتتلاشى ، أو تزاح في الفراغ ، وتخلي الساحة لتمثل تالي .

إلا أن لحظية التمثل العابرة والمزاحة أبدا لا تعني أنه سيبقى بمنأى عن ” لعب القوى” ، فعبر ذلك الخضم الهائل الذي يسفر عنه “عالم القوى الفيزيائية” فإن أي ظهور لحالة من حالات اختلاف القوى سيتبعه على الفور استدعاء ظهور فعالية لعب القوى التي ستحاول إذابة هذا الاختلاف ، والعودة به إلى حالة اللاتمايز الأساسية التي لا يطمئن عالم القوى إلا إليها ،ولا يجد نفسه ويعرف ذاته إلا طبقا لها ، وهكذا ، فإن كل ما يتعلق بالظهور أو الحضور وتغايراته وأنماطه وتطوره يأتي باعتباره مجرد شكل للعلاقة بين اختلاف القوى ولعبها .

وبالتالي ، فما أن تبدأ حالة “التمثل ” بالظهور بوصفها اختلاف قوى يعلن عن نفسه ،حتى ستبدأ فعالية لعب القوى على الفور في انتهاك مجاله الداخلي وخلخلة امتلاءه بموضوعه محاولا تحرير القوى التي يختزنها داخله ومحو اختلافها ، والتمثل – خلافا للكتلة – لا يستطيع مقاومة هذا اللعب استنادا إلى قدرته على التماسك ، بل يقاومه عبر قدرته الفائقة على معاودة الامتلاء بالموضوع ، أو على معاودة استقبال اختلاف القوى ، ولذلك فإن محاولة لعب القوى المستمرة في خلخلة الامتلاء الداخلي للتمثل ستسفر في بعض الحالات عن تمثل ممتلئ بموضوع هجين ، أي تمثل يستقبل موضوع تال قبل أن يزاح موضوعه السابق ، بحيث يتداخل حضور الاثنين معا ، وهو ما سيؤدي إلى تعكير تلك العلاقة المباشرة بين التمثل وموضوعه ، فهناك الآن أكثر من موضوع واحد يتنازع مجال التمثل ، وكل منهم يصدر عن حالة مغايرة لاختلاف القوى ، بحيث أن مجال التمثل هنا وإن لم يفقد امتلاءه بعد فقد أصبح يفتقر إلى تجانس مكوناته ، وهو ما يعني أنه لم يعد يشكل مجالا مصمتا بقدر ما بات ساحة عبور يخترقها الفراغ جيئة وذهابا، أو بالاحرى ساحة لاختلاف قوى تتناحر على نحو يسمح بالحركة الداخلية عند الحدود التي تفصل بينها ، أي أننا هنا إزاء ظهور لحركة لا يمكن إحالتها إلى مجرد حضور موضوع بذاته ،إنها حركة “إطالة” ( temporalizing) لحضور التمثل تؤدي إلى جعل هذا الحضور متجاوزا لحضور موضوعه الخاص.

و تحليل الإطالة هنا ، بوصفه ما يقدم لحظة ظهور خاصة، يختلف إلى حد ما عما نجده لدى ” جاك دريدا” الذي لا يرصده إلا في أفق ما هو مؤجل ولا يمنحه سوى دور محسوب ومستغرق بالكامل في حركة التأجيل ، بحيث سيبدو الأمر مع ” دريدا” وكأننا إزاء حركة يؤديها التمثل بحبور لصالح ذاته ، أكثر مما نحن أمام مفاجأة ظهور حدث طارئ واستثنائي ينتهك طبيعة عملية التمثل ويحفر داخلها مسار اشتقاق حالة خاصة ، ويجبرها بالتالي على الانفتاح تجاه التحول إلى عملية أخرى . و الخلط الذي يقع فيه دريدا بين “الإطالة ” بوصفها حدث ظهور يبدأ الآن بالكاد في تقديم نفسه وإتاحتها لتصبح عنصرا في ميدان لعبة الحضور ، وبين الإطالة وقد أصبحت بالفعل أحد اللاعبين الأساسيين في هذا الميدان ،هو خلط يؤسس لنفسه عبر تجاهل فوارق المجال الخاص لكل من آليتي التمثل والتمثيل، وهذا الخلط إذا لا يشي فقط بالحدود التي يتوقف عندها تحليل دريدا عن العمل بقدر ما يؤشر في الوقت ذاته إلى وفاء دريدا المبالغ فيه للأجندة الهيدجرية التي لم يطمح قط في تجاوزها .

وعلى هذا النحو سيقدم لعب القوى لنا حالة خاصة لكتلة تمثل جديدة ومختلفة بعد أن أصبحت تحتوي داخلها على تجويف قلق يطالب بالامتلاء ، أي يطالب بما هو خارجه وينفتح عليه.

وهكذا فعبر آلية ” التمثل ” سيجري إنتاج الحالة الخاصة التي تعد ميدان ظهور ” التمثيل” أو “إعادة التمثل” ، والذي يبدأ في الظهور بقوة عندما يصبح من الممكن التحرك من التمثل إلى خارجه ، أي عندما ينفتح التمثل على فراغه الخارجي ليخلق الفضاء المعرفي العام ، والحركة في ذلك الفضاء المعرفي عند هذه المرحلة لا تعني سوى إمكان إجراء” ترابط” بين عدة تمثلات ، أي إمكان الانتقال من تمثل إلى آخر ، وبرغم أن هذا الانتقال لم يصبح ممكنا إلا بفضل خلخلة وانتهاك مجال حضور موضوع التمثل ، إلا أنه لم يعد يتوقف عليه ، كما أن الموضوع المعرفي هنا سيتحول من حالة الحضور المفعم بنفسه إلى ما يشبه حضور ظلي باهت ، فهنا أيضا سيعطي الفراغ بعض خصائصه للتمثل فيما سيسلب منه بعض ما كان يتمتع به . وهكذا فإن التغير في علاقة مجال التمثل بالفراغ (الذي سيتحول هنا إلى ما نطلق عليه الفضاء المعرفي) هو ما ينتج ” التمثيل” .

وكما هو واضح فإن مرحلة ظهور ” التمثيل” تتكافأ إلى حد كبير مع مرحلة ظهور ” الكتلة المجوفة ” ، وهو تكافؤ سيمتد ليشمل أيضا قدرة الكتلة المجوفة على استقبال واستيعاب كتلة أخرى غريبة عنها وغير متجانسة معها داخل فراغها الداخلي مقابل قدرة التمثيل على أن يستقبل ويستوعب داخله كتل التمثل مهما كانت غريبة عنه وغير متجانسة مع تكوينه . ولنطلق على هذه الحالة اسم” ظاهرة الوضع ” والتي ستعني هنا دائما قابلية فراغ ما على أن يصير محل تموضع يؤطر بالكامل حضور كتلة أخرى أو فراغ آخر.

وعبر تحليل حضور حالة “الوضع” هذه سيصبح في مقدورنا تلمس بعض العلاقات المربكة والملغزة التي تجمع بين حضور عمليات التمثل والتمثيل ، حيث غالبا ما سيظهر المكون المعرفي للتمثل ، أو كتلة التمثل ، بوصفها تقع ضمن الحدود الداخلية لفراغ التمثيل ، وكأنها بقع كثيفة أو جزيئات صلبة ومصمتة ألقي بها في داخل كهف التمثيل ، ومجال حضور هذا الكهف لن يستجيب هنا لمقاربته عبر استعارة الرحم ، بل يتوجب التفكير فيه بوصفه ” معدة ” هاضمة ، فالتمثيل منذ هذه اللحظة سيتعيش على ما يلقى إليه من تمثلات تقع داخل فراغه الذي سينمو من الآن فصاعدا طبقا لقدرته على خلخلة امتلاء هذه التمثلات ودفعها إلى الترابط مع غيرها على نحو يكفل استعادتها واستحضارها ويملأ فراغه ويوسع من حدوده في نفس الوقت، وفيما سيوالي التمثيل رسم الخرائط التفصيلية لنقاط فضائه الداخلي الآخذ في الامتلاء فإنه سيعلن عن نفسه إلينا بوصفه تأطيرا مطلقا ونهائيا للعالم ، أي بوصفه المجال الذي يقع داخله كل ما هو موجود وكل ما يمكن أن يوجد ، وسيعضد إعلانه هذا بأن كل ما يمكن للتمثل أن يستقبله من حضور للموضوعات سيتم داخله وتحت قيادته الخاصة ، وما أن نصادق على هذا الإعلان حتى لا يصبح بمقدورنا بعد ذلك أن نتأمل كتل التمثل أو نقاربها إلا بوصفها مكونات تمثيلية أو باعتبارها ما لا يظهر إلا بوصفه اقتطاعا من مجال التمثيل وإحالة إليه في الوقت نفسه ، إنه إعلان عن موت “التمثل” الذي لم يعد لديه ما يخصه وبالتالي فمن الممكن تجاهله ونسيانه ، وفي هذا الإطار تأتي الترانسندنتالية الكانطية بوصفها أشهر وأهم المصادقات على هذا الإعلان ، فهي المصادقة التي لا يزال توقيعنا عليها نافذا وملزما على نحو قاوم كل المحاولات المستمرة لشطبه وحذفه ونفيه ، وهو ما دفع هيدجر في النهاية إلى تدشين مصادقة أخرى مناهضة حول نسيان التمثل بوصفه نسيانا للوجود ، إلا أن هذه المصادقة لم تحظ حتى الآن بالتوقيعات الكافية ، وهو ما يعود – ربما- لما يستلزمه التوقيع عليها من جرأة مفرطة واندفاع استثنائي لا يجد الكثير مما يبرره أو يعضده .

إن آلية التمثيل تتمتع بالقدرة على إعادة إنتاج حضورها، مثلما تمتلك ما يؤهلها لدرجة من الاستطاعة على حفظ هذا الحضور وهو ما يعني أن بمقدورها الحركة عبر هذا الحضور ثم العودة إليه مرة أخرى عبر عمليات الاستحضار أو الاستعادة ، ولذلك فهي ليست آلية ذاتية ، أي أنها ليست منغلقة على مجال حضورها الذاتي على النحو الذي نجده لدى آلية التمثل،والنتيجة المباشرة لهذه الخاصية تعني أن ما يجري تمثيله عبر مجال حضور ما ، يمكن حفظه أولا ، ثم نقله ثانيا إلى مجال حضور آخر ،وبالتالي فما يمكن أن تنتجه عملية التمثيل في الفضاء المعرفي الخاص بأحدنا سيجد فرصته للانتقال و للتوزيع على بقيتنا ، وهو ما سيتم عبر آليات توزيع كان شحذها وضبط نطاق عملها بمثابة الشاغل الرئيسي والوحيد تقريبا لتاريخ الممارسة المعرفية ، ولنلاحظ أن آليات التوزيع المعرفي هي نفسها آليات إعادة إنتاج ما هو معرفي ،أي أنها آليات استحضار واستعادة الترابطات المعرفية .

وهكذا ، فإن آلية التمثيل تسجل ظهورها مع بدء تحرر ما هو معرفي من مجال حضور موضوعه ، ثم تتبع ذلك بتحقيق إنجازها الفريد والباهر ، أي تحرير ما هو معرفي من مجال الحضور الذاتي المتعين لأي منا ، وإعادة تقديمه إلى الفضاء المعرفي الإنساني العام .

وبالرغم من ذلك فلم يكن هذا المسار التقدمي الظافر يخلو من متاعب وتنازلات وتضحيات ، فمع كل خطوة يحققها التمثيل ستتباعد الصلة التي تربطه بأي مجال حضور محدد ، وهو ما سيتيح له المزيد من الانفتاح على الحركة في الفضاء المعرفي في نفس الوقت الذي سيحرمه فيه من الارتكاز إلى مصدر شرعيته الوحيد ، أي ذلك المجال الذي نطلق عليه ” الموضوع المعرفي”.

فلو افترضنا أن لدينا مكون معرفي معين ، فسنجد أن هذا المكون يطرح نفسه علينا أثناء عملية تمثله على نحو لا يمكن فصله عن موضوعه ،ولا عن مجال حضور ذات محددة ، هي الذات الممارسة لعملية المعرفة، وهو ما يشكل حالة تستمد شرعيتها من نفسها ، ولا تثير أي قلق بشأن الحاجة إلى تأكيدها ، خاصة وهي تمرق عابرة في لحظة لا تعود قط ، أي أن حالة التمثل تتمتع بقدر من التأكيد المفرط ، والذي يعد المصدر أو الحالة العامة لكل تأكيد يمكن التفكير فيه ، وذلك مقابل افتقارها الكامل لكل حظوظ الحفظ والبقاء وإعادة الإنتاج .

ولو افترضنا أن هذا المكون المعرفي نفسه ، أو ما يبقى منه ، قد أصبح جزءا من عملية تمثيل ، فإن هذا سيؤدي إلى ظهور مسافة شاسعة تفصله عن مجال حضور موضوعه ، وهي مسافة تتزايد كلما جرى إعادة استحضار المكون ، أما مع خضوعه إلى عملية انتقال أو توزيع من مجال حضور الذات التي أنتجته إلى مجال الحضور المعرفي العام فستظهر مسافة أخرى تفصله عن أي ذات متعينة ، وهو ما يعني في النهاية فصل المكون عن كل مصدر لشرعيته وتأكيده ليظل معلقا داخل الفضاء المعرفي عبر حالة من الخفة المدوخة التي تتيح إزاحته أو نفيه بسهولة بالغة ، وهكذا ، فبالرغم من كل التغيرات التي ستعتري هذا المكون وهو يخوض في رحلته المعرفية ، وبالرغم من كل الخصائص التي سيكتسبها أو يفقدها عبر هذه الرحلة ،إلا أنه لن يفقد قط قابليته للإزاحة ، أي تلك الخاصية التي كانت ترسم مصيره النهائي الممكن ، وقدره الوحيد الذي ينتظره، وبعبارة أخرى فإن المكون المعرفي يظل دائما في حالة استقبال وترقب لالتقائه بنقطة نهايته ، أي أنه يظل طارحا نفسه بوصفه كيانا يمكن إزاحته، بحيث سيبدو وكأنه لا يتوقف أبدا عن السعي إلى موته الخاص.

وهنا يكمن الوضع التراجيدي والمأساوي الذي يجد التمثيل نفسه فيه ، فالتمثيل بتطلعه إلى ما هو خارجه وسعيه الدائم إليه قد خلق فراغه الخاص ، ولكنه منذ هذه اللحظة أصبح مهددا بالتبدد إلى الأبد داخل هذا الفراغ ، وهو ما يقاومه عبر تقطيع الفراغ إلى مسافات تقع بين نقاط مترابطة ، ثم تحويل هذه المسافات إلى مسارات يمكن تكرارها، وبمعنى آخر فالتمثيل يخلق الفراغ عبر حركته ، ثم يحاول أن ينتهكه ويدفعه للتراجع عن طريق إحالته إلى مجال ممتلئ ولكنه يفعل ذلك عبر حركة هي ذاتها ما يعيد خلق الفراغ الذي يأخذ في التباعد أو التمدد ولكنه لا يختفي قط ، وبالتالي يظل التهديد قائما . وليس احتفاء التمثيل باستعارة الرحم إلا صدى لحلمه في ظهور فراغ منتهي يستوعب كل ما هو ممكن ويظل مع ذلك محدودا ، أي فراغ يمكن السيطرة عليه بالكامل ،فراغ لا يمثل تهديدا لأنه ببساطة قد اختفى عبر إجباره على استيعاب قابلية تحويله إلى فضاء . وفي هذا السياق فإن ظهور كل من المعمار والمدينة هو بالدرجة الأولى محاولة لتأطير هذا الفراغ الذي لا ينتهي ولا يكف عن معاودة الظهور ، وهي محاولة تقودها الحكاية .

بالنسبة لفضاء التمثيل ، فإن استعارة الرحم تأتي بوصفها استثمار رابح للغاية لظاهرة أو حالة ” الوضع” التي تحكم علاقته ” بالتمثل” والتي سيقدمها بوصفها ما يحيل كل ما هو تمثل إلى مجرد نقطة ظهور لا يمكن رصد إحداثياتها إلا بوصفها تقع في مكان ما داخل فضاء التمثيل ، أي أن التمثل هنا هو ما لا يظهر إلا تحت قيادة التمثيل أو سيطرته ،وأحيانا بفضلها . وبقدر ما يلزمنا هذا التأطير ويفرض نفسه علينا ، فإنه بالمقابل لا يملك ما يؤهله لفرض ذلك على اختلاف القوى (ولعبها )الذي سيظل ينتج عمليات التمثل خارج وداخل فضاء التمثيل .

و عبر المسار التاريخي الذي يرسم ظهور التمثيل لن نجد دائما سوى تكرار لا ييأس لمحاولاته في حشد كل طاقاته تجاه الاستثمار المفيد لما يلقى داخل فضاءه من تمثلات ، أما تلك التي تظهر خارجه فستظل تشكل تهديدا له ، تهديدا يعيده على الفور إلى محدوديته الذاتية الخاصة والمتواضعة أمام عالم القوى، وسيتفاقم هذا التهديد ليتحول إلى صفعة وقحة بقدر ما هي مدمرة أحيانا عندما تتعرض بعض كتل التمثل التي تظهر خارج فضاء التمثيل إلى فعالية عملية ” الإطالة” ، فهنا سيجد التمثيل نفسه مجبرا على الاستجابة إلى التصدع الذي ينال من حدوده ، وهو ما لا يستطيع مواجهته إلا عبر السعي إلى التمدد تجاه الفراغ الذي ظهرت فيه حالة الإطالة ، بحيث أنه سيكون دائما مطالبا بأن يستوعب ويؤطر من الفراغ بأكثر مما يطيق ، وهنا نصل إلى أحد المنابع الرئيسية لما يمكن أن نطلق عليه ” شقاء التمثيل” .

وتشكل هذه الحالات الموصوفة هنا المصدر أو الحالة العامة لما يجري اكتشافه المرة تلو الأخرى بوصفه ” أزمة التمثيل” أحيانا ، أو أزمة المعرفة نفسها أحيانا أخرى ،وهي كشوف تحاول دائما معالجة الأمر وكأنه لا يتعلق سوى بمرض طارئ أصاب التمثيل وينبغي علاجه الآن،وبالتالي فهي تحتفي أكثر مما ينبغي بتلك الرغبة اليائسة التي يعتاش عليها التمثيل ، أي الرغبة في الحفاظ على الفراغ الذي يخلقه بما يتيحه من حركة ،وفي نفس الوقت استعادة التأكيد الذي يبدأ منه كل ما هو معرفي عبر إحالة هذا الفراغ إلى مجال ممتلئ أي إلى حقل أو فضاء معرفي ، تلك الرغبة المشروطة بحالة من السيطرة غير الممكنة على مجال ظهور التمثلات ، أي بعبارة أخرى ، السيطرة على مجال عالم القوى نفسه ، ولكن بما أن التمثيل ذاته ليس سوى أحد النطاقات التي يشكلها عالم القوى عبر اختلافاته وألعابه ، فنحن بالتالي أمام ظهور تدشنه رغبة القوى في مداعبة ذاتها . وفي ظل تلك الرغبة ، ومن أجلها،وبالتوافق معها ، سينتج التمثيل كل الحالات الخاصة التي تنضوي تحت لوائه ، ومنها – إن لم يكن من أهمها الحكاية .

وهكذا ، فبالنسبة لحالة شقاء التمثيل ،سيظل الأمر بعيدا عن التعلق بمجرد وعكة أو مرض طارئ بقدر ما يتعلق باعتلال مزمن وبلا شفاء ، اعتلال يستمد فعاليته من تهديد لعب القوى الدائم لمكونات التمثيل بالموت أو الإزاحة ، ولكنه في الوقت نفسه يمنح آلية التمثيل أفق حياتها ، أي الانفتاح على الحركة في الفراغ.

إن التمثيل سيفشل دائما في خلق أي تأكيد مباشر، أو حتى في حفظه ،فهو مقضي عليه بأن يعمل إلى الأبد على انتهاك وخلخلة كل ما يمنح تأكيدا مباشرا ، وذلك بسبب وظيفته الأساسية التي تقوم على خلق الفراغ و زرع المسافة واستحداث التباعد داخل العلاقات التي تنتج التأكيد المباشر .

ولكن هذا لا يعني أن التمثيل يفتقد إلى رهان أساسي في التعامل مع هذه الحالة ، فهو سيحاول دائما أن يمضي في عكس اتجاه حركة ” التمثل” ، آملا ، أو مراهنا ، في نفس الوقت ، أنه سيلتقي به في النهاية ،وأنه سيتمكن يوما ما من العودة إلى خلق ما هو مؤكد عبر قدرته على الاستعادة ، وانطلاقا من هذا الرهان الاستراتيجي سيؤسس التمثيل لمجموعة من الآليات التي تسعى إلى السيطرة على أفق الفضاء المعرفي الذي يفتحه لذاته ، بحيث يقوم بما يشبه عمليات شق طرق آمنة داخل هذا الفضاء ، طرق تتيح ،وتعجل ، عمليات الاستعادة والاستحضار .


وفي إطار هذا الرهان ستظهر ” الحكاية” بوصفها حالة خاصة للتمثيل، إنها مدونته التي يتم عبرها إجراء وإتاحة كل ما يهدف إلى حفظ وتسجيل واستعادة كافة ما يتعلق بالفعل القابل للتكرار ، ذلك الفعل الذي يشكل لحظة بروز عارم لاختلاف القوى عبر نتوء يطالب بالاستجابة لذاته وإفساح الطريق أمامه ، والحكاية تعمل هنا بوصفها شبكة تحاول الإحاطة بهذا البروز ، وإطالته ، وتأطيره ، أي أنها تشكل طليعة التمثيل في التعاطي مع ما يعده أكثر نقاط التقاؤه مع عالم القوى كثافة .

وهكذا ، فمن ضمن فئة متسعة من الممارسات الإنسانية ستحاول ” الحكاية” دائما أن تضع توقيعها على الفعل القابل للتكرار والذي يشكل حالة مميزة وفريدة في علاقتنا بعالم القوى ، ففيما يتعلق بما هو إنساني فإن مجال الفعل يظهر بوصفه منطقة السماح التي تهبها القوى لنا ، أو لنقل أنه يأتي بمثابة قطعة أرض منحنا إياها هذا الإقطاعي الكوني لنقوم على زراعتها طبقا لقوانينه ونظمه وباستخدام موارده وطاقاته ولصالح زيادة استثماراته وثروته في النهاية، وبالتالي فمع ظهور الحكاية التي ستتصدى لمضاعفة استثمارات القوى في مجال الفعل فإن هذا يعني أننا هنا أمام حالة خاصة لعالم القوى وقد بدأ في الوعي بنفسه ، والتصدي لذاته ، واستثمار وجوده ، وهي حالة موضوعها الرئيسي ومجال حضورها وظهورها هو ” نحن” !.

ستحاول الحكاية إذا أن تنشط تجاه خلق الترابطات بين تمثيلات الفعل الإنساني ، وتحفيز طرق استحضاره ، ولكنها بوصفها تمثيلا في النهاية فلن تستطيع أبدا القبض على حضور هذا الفعل ، أو حجبه عن سياقات الإزاحة التي ستوالي الإطاحة به في الفضاء المعرفي ، وهو ما يجعل مجهودها الرئيسي موجها ليس تجاه حضور الفعل ذاته، ولكن تجاه انتظار ظهور هذا الحضور ، تجاه استباقه والترقب لاصطياده ، أي أنها تخلق مسارا محددا ينطوي على مجموعة من نقاط ذات طابع اتجاهي أساسا ، بحيث ستحتوي على مسار يرتب نقاط مرور تحدد ما يفترض أنه يسبق الفعل أو يمهد لظهوره، ثم سيليها نقاط عبور تستحضر الفعل وتستبقيه في مجال حضور الحكاية وتحاول تعريضه لعمليات الإطالة ، ثم أخيرا نقاط وصول ترسم أو تحدد مآله ومصيره أو تهيئ لظهور ما يعقبه من أفعال ، وهذه النقاط المترابطة التي ستبدو دائما وكأنها أشبه ما تكون بممرات داخلية في فضاء الحكاية هي التي تنتج ما ستدعوه الفينومينولوجيا فيما بعد بالقصد (intention).

إن تشكل الحكاية من النقاط المترابطة على هذا النحو سيسمح لها بالتداخل والاندماج والتقاطع والانقسام ، مثلما سيتيح لها أن تشكل سلاسل ممتدة من الحكايات المترابطة معا أو التي يؤطر بعضها بعضا ، وتلك السلاسل هي شرط ظهور أي مجال أو فضاء معرفي خاص والذي لا يعد في النهاية سوى تجمع لفئات معينة من سلاسل الحكايات.

وهكذا سيخلق التمثيل تلك النقاط الاتجاهية ويربط بينها عبر مسافاته مشكلا مجال حضور الحكاية التي ستعمل على انتظار لحظة ظهور الفعل لتوجه ترابطاته داخل مساراتها الخاصة ، أما مع امتلاء فضاء التمثيل بسلاسل الحكايات المترابطة فإن هذا سيدشن إمكان ظهور مجالات حضور خاصة لظواهر بعينها .

وهنا تكشف الحكاية عن نفسها بوصفها ” جاهزية” ( dispositif ) للفعل الإنساني ، والجاهزية مصطلح يعود إلى الشأن العسكري ، مثله مثل مصطلح الطليعة ، وقد استخدمه ” فوكو” في تحليله حول ميكروفيزياء السلطة ، إلا أن المفهوم الذي يقدمه فوكو عن الجاهزية سيبدو دائما وكأنه مجرد حالة خاصة مشتقة من مفهوم “هيدجر “عن التقنية . ولسنا بحاجة هنا للخوض في الفارق بين المفهومين ، أو بين تقنية الحكاية – مثلا – وجاهزيتها ، ولنكتفي بالقول بأن ما هو ” جاهزي” لا يكون كذلك إلا بالنسبة إلى شيء آخر محدد ، بمعنى أنه مجرد تأثير حادث في سياقات حضور بعينها، أي أنه أثر جانبي أو نشاط ” لحضور ما” ينتج عنه إعادة توزيع علاقات مجال بعينه لحضور آخر ، وبالتالي فما هو ” جاهزي” بالنسبة لشيء ما ليس كذلك بالضرورة بالنسبة لغيره .

إن كل ما هو جاهزي يعبر في النهاية عن رغبة التمثيل اليائسة في العودة إلى حالة الحضور الممتلئ ، وذلك عبر استباق هذا الحضور والالتقاء معه في نقطة كثافته القصوى ، وإعادة توزيعه على نحو يكفل في النهاية المزيد من قدرة التمثيل على استعادته ، وبالتالي فما هو جاهزي سيقدم نفسه لنا دائما بوصفه ما يمهد للحضور ، وكذلك بوصفه ما يختزن أو يستولي من عالم القوى على إمكانيات تطوير شكل مجال هذا الحضور وطاقاته وامتداداته وترابطاته مع ما هو خارجه من المجالات الأخرى ومساراته التي يمكنه الخوض فيها . أي أن الجاهزية في النهاية هي نفسها لعب القوى المستثمر من قبل التمثيل ، أو بالاحرى المستثمر من قبل ذاته .

إلا أنه بالرغم من كل ذلك فإن ” الحكاية ” حتى بوصفها جاهزية للفعل الإنساني لن تنجح قط في القبض التام على فعل متعين بذاته ، فالفعل الإنساني هو جانب الممارسة المحضة والتي ينتج عنها “التمثل” بوصفه الجانب المعرفي لتلك الممارسة ، وبالتالي فحضور الفعل يتمتع بنفس كثافة حضور “التمثل” إن لم نقل أنه يفوقه بمراحل باعتباره يظهر بمثابة استجابة لإعلان اختلاف قوى أكثر صخبا وأقل هدوءا من تلك التي يستجيب لها التمثل، ولو أن الحكاية قدر لها يوما أن تنجح في القبض على هذا الحضور لاستغرقتها كثافته و لاختفت باختفائه ، ولذلك لا تتعاطى الحكاية إلا مع الفعل المزاح عبر عملية ” الإطالة “، أو الفعل وقد بدأ في فقد كثافة حضوره وبات ممكنا ربطه بما هو خارجه ، ولهذا فالمسار الذي تشقه الحكاية أو تخلقه ويخلقها لا يختص في النهاية بمعالجة فعل متعين ، بل يختص بفئة أو طائفة من الأفعال الممكنة التكرار .

وإذا كانت هذه هي لحظة ظهور الحكاية ، فإن حضورها المتواتر يحقق نفسه كلما صار من الممكن التقاط فعل ما وهو يخوض لحظة إزاحته أي لحظة احتضاره وإطالته ودفعه إلى الترابط مع مسار الحكاية والمرور عبره.

ولسنا بحاجة إلى التأكيد على أن التحليل هنا لا يدور بالضرورة عن الحكاية الحاضرة عبر الوسيط اللغوي ( وإن كان يشمله بالطبع ) ، فالحكاية قد يتم تداولها وتبادلها وتوزيعها ونشر حضورها المتعدي للذات باستخدام وسائط لغوية أو غيرها إلا أن عمليات إنتاج ، وإعادة إنتاج مجال حضورها لا تنتمي قطعا إلى ما هو لغوي وحسب، بل العكس هو الصحيح ، فالحكاية هي التي تشكل مجال ما هو لغوي وتتيح ظهوره بوصفه حالة خاصة لحضورها .إن الحكاية ستعبر دائما كل المجالات الخاصة بحضور الظواهر والأفعال والممارسات – ومنها ما هو لغوي – وستقطعها باستمرار وتؤثر فيها وتتأثر بها ، مثلما ستحافظ على ترابطات الفضاء الخاص المكون لها ،وهي كلها مهام تؤديها الحكاية بوصفها الحالة العامة لكل الحالات الخاصة التي تنشأ عنها ،وبالتالي فما هو لغوي إذا ليس أكثر من حالة خاصة للحكاية وقد أصبحت قابلة للتبادل والتوزيع خارج مجال حضور الذات التي أنتجت داخله .

أما تلك الاقتراحات التي فرضت هيمنتها عبر العقود السابقة والتي كانت تنادي بما هو لغوي باعتباره أصل ، أو حالة عامة للعديد من الظواهر ، فهي ليست أكثر من استجابة لطاقة الاندفاع التي خلقتها لحظة كشف هذه الحالات لما يربطها معا ، ولكنها تظل استجابة أكثر يأسا مما ينبغي عبر رهانها على حصر أو حجز هذه الطاقة داخل مجال اللغة (الذي يقتصر دوره هنا على أنه سمح لها بالظهور أو بالمرور عبره ) بدلا من العمل على تحفيز حركتها الكاشفة المتجهة إلى ما هو خارج .

ومع وصولنا إلى هذه المرحلة ، فربما يكون قد أصبح بحوزتنا ما يكفي ( هنا على الأقل) من تحليلات حول حضور الحالة العامة للكتلة فضلا عن بعض حالاتها الخاصة ، وكذلك القدر المناسب من تحليل للحالة العامة للمعرفة بآلياتها المختلفة وبعض حالاتها الخاصة الأساسية ، مما يتيح لنا أن نبدأ رحلة صعود تتوجه إلى تلمس المسار الذي قاد إلى إتاحة ذلك الحدث الطارئ الذي دشن ظهور المدينة ، وهو ما سنقوم به عبر التأمل في العلاقات المشتركة والمتداخلة بين حضور الكتلة وحضور ما هو معرفي .


وإذا ما عدنا إلى تحليلنا لظهور” الكتلة الأداة ” وتطورها فسنجد أنها ناشئة عن ممارسة تقودها حكاية ما حول فعل أصبح تكراره ممكنا ، وهكذا فما أن تسيطر الحكاية على نمط حضور الفعل وتنجح في اصطياده وإعادة توزيعه واستعادته حتى تبدأ في المطالبة بما يحققه بانتظام في ميدان الممارسة ، أي أنها تجبر لعب القوى على أن يبدأ في العمل لصالحها ، إن لم نقل أنها منذ هذه اللحظة ستحاول طرح نفسها بوصفها بديلا له.

يعد لعب القوى الخصم الأساسي لاختلاف القوى ، وبالتالي فهو خصم لكل اختلاف ،و لكن بما أن ظهور الاختلاف هو شرط ظهور اللعب ، فإن لعب القوى عبر سعيه إلى نفي اختلاف القوى ، ومحوه، وتسويته ، والمطالبة باختفائه ، سيسعى عبر اللحظة نفسها إلى نفي ذاته ، وبتر ظهوره عبر القضاء على ما يبرر بقاءه ويمنحه مجال وجوده، وبالتالي فمقابل تقديم اختلاف القوى لنفسه بوصفه ما يسعى دائما نحو الظهور ويتطلبه ويخلقه ويستحدثه وينشره ويحفظه ، فإن لعب القوى سيقدم نفسه بوصفه ما يسعى إلى العماء ويتطلبه عبر تحقيق الاختفاء وتعميمه و امتصاص كل ما يظهر وإذابته وإعادته مرة أخرى إلى حقل القوى اللامتمايز، وعلى هذا النحو تتشكل دراما صراع القوى التي لا يعد العالم ، عالمنا ! ، سوى نتاج ثانوي لبعض الخلل في التوازن بين هذين المصارعين الكونيين ، أي أنه ما يبقى من محصلة هذا الصراع ، وهكذا فليس عالمنا هو ما يظهر وحسب ، بل أيضا ما يفلت من الاختفاء أو ما يتبقى مما يظهر، أي باختصار ” ما يحضر” .

وإذا ما استطعنا هنا تكريس ما يلزم من التأمل في طبيعة صراع القوى ، والاحتقان الأبدي بين طرفيها ، أي اختلاف القوى ولعبها ، فسيصبح بمقدورنا عندئذ أن نستوعب حالة الاستثناء الفريدة – كونيا – التي تقدمها الكتلة الأداة بوصفها ذلك الكيان الذي دشن بظهوره نشؤ تطور غير مسبوق في العلاقة بين طرفي صراع القوى ،بحيث فرض عليهما نظاما يجبرهما على التصالح والعمل معا بتناغم محسوب .

فلو أننا تأملنا فيما تتكون منه الكتلة الأداة فلن نجد فيها سوى ما يجعلها كتلة ، أي حالة من حالات تعين اختلاف القوى ، إلا أنه عندما ننظر إلى مجال حضورها الذي تشكله الحكاية ، أو بوصفها مركب يجمع بين الكتلة / الحكاية ، فسنجدها تقوم بعمل لعب القوى ، فهي تنتهك تماسك مجال اختلاف القوى المكون لكتلة أخرى وتجبره على الانصياع لتأثيرها والاستجابة له ، وبعبارة أخرى فهي تجلب لعب القوى إلى حيث لم يستطع أن يصل من قبل ، في نفس الوقت الذي تجرده فيه من سمته المميزة ، أي الانتشار ، بحيث تجعله يعمل في منطقة محدودة للغاية ، وأيضا لأهداف محددة . وهكذا ستهيمن الكتلة الأداة على صراع القوى وتخفض مجال وجوده ليتحول من حدث كوني إلى امتداد لفعل تم دمجه في الحضور الإنساني ،وهو ما أدى إلى استهلال ظهور التاريخ الإنساني .

وعلى مستوى محاولات التمثيل في تأطير العالم ، وتأطير مجال ظهور القوى سواء باعتبارها اختلافا أو باعتبارها لعبا، سيقدم مركب ” الحكاية/الكتلة الأداة ” أول مجال حضور للذات الإنسانية بوصفها ما يتكرر مع الفعل ، ثم بوصفها ما يبقى منه أو يستقل عنه، وقد تم توحيد هذا المجال مع الفضاء العام للتمثيل بهدف تأطير كل ما يمت إلى الفعل بصلة عبر تدشين مجال حضور ” إلهي” يتكافأ مع مجال القوى بوصفه المصدر لكل فعل ، وهو ما نتج عنه ظهور مجال جديد تماما للفعل الإنساني ، أي مجال ” الممارسات التعبدية” ، والذي تحتفظ بداياته بعلامات حفرية شديدة الوضوح حول مصدر ظهوره ، فالإله هنا لا يحضر إلا بوصفه كتلة مصمتة ، سواء كتلة طبيعية ، أو صنما ، ولكنه عبر ممارسات الطقس التعبدي سيبدو وكأنه قد حصل على تجويفه الداخلي الذي يمتلئ بطاقة الفعل على نحو يمكن استثارته وإطلاقه تجاه تحقيق أهداف معينة .

وبالتالي فنحن هنا أمام سجل حفري لظهور ما هو إلهي تتأسس طبقته الأولى عبر استعادة حضور الكتلة المجوفة ( الطبيعية ) بوصفها ما يتلقى الفعل ، ثم دمج هذا الحضور مع آلية عمل الكتلة الأداة التي تقوم بإجبار الكتلة المصمتة على إعادة تشكيل ذاتها استجابة لأفعال معينة وبالتالي فهي ما يمكن أن يحيل تلك الكتلة المصمتة إلى كتلة مجوفة ،وهو ما يؤدي إلى تراجع لعب القوى بوصفه منتجا لهذا التجويف ، أما الطبقة الثانية لهذا السجل الحفري فهي تمارس شطب الطبقة الأولى و تحذف حضور الكتلة الأداة مثلما تحذف حضور ما يحيل إلى ” ما هو طبيعي ” في الكتلة المجوفة لتبقي فقط على كتلة مصمتة تنال تجويفها الداخلي وتحقق وضع امتلاءه عبر استجابتها للفعل الإنساني فحسب ،أي عبر استجابتها للطقس التعبدي القائم على استحضار ” ما هو إلهي ” ، وهو ما يؤشر إلى بدء محاولة إخلاء الساحة لظهور الفعل الإنساني مستقلا عن تلك الكتلة الأداة ، فعبر الطقس التعبدي سيبدو التمثيل أمام ذاته – ولأول مرة – وكأنه هو الذي يقوم بالفعل في الخارج دون واسطة من كتلة ما أو أي شيء آخر، والفعل هنا ليس فعلا ميتافيزيقيا محضا ( بالرغم من انه سيشكل فيما بعد الأساس لكل ما هو ميتافيزيقي ) لأن موضوعه الأساسي هو الكتلة المصمتة التي كانت تعد الموضوع الأساسي لأغلب فئات الفعل الإنساني في هذه المرحلة .

وهكذا ، يعزز ظهور الممارسة التعبدية هذا التداخل الذي لن ينفك قط بعد ذلك بين ما يتعلق بالتمثيل وما يتعلق بالفعل ، وهو ما أتاح ظهور مجال ” أفعال التمثيل” الذي يقدم نفسه بوصفه مصدرا للفعل ومنافسا بالتالي للعب القوى في قدرته على الفعل تجاه الكتلة . وكما رأينا فعبر هذه المرحلة سيتأسس مجال حضور ما هو إلهي في نفس اللحظة التي سيتأسس فيها مجال الحضور الخاص للذات بوصفها فاعلا ، بحيث سيبدو وكأن أحدهما ( أي الذات والإله) يأتي بمثابة نتاج لفائض حضور الآخر . وفي هذا الإطار ينبغي أن نلاحظ أننا لا نتحدث هنا عن ” ما هو إلهي ” بوصفه مفهوما يتأسس ويتحدد في حقل الممارسات التعبدية، بل بوصفه ذلك المجال أو الكيان الذي كان يمثل دائما الحد الأقصى والذي لا يمكن تجاوزه لما يحضر، أي لمجال الحضور وهو يعاين ويتلمس نهايته .

و كما قادت الحكاية ظهور “الكتلة الأداة ” عندما غيرت من طبيعة علاقة الكتلة المصمتة بالحركة ، فقد قامت بدور مماثل في ظهور ما هو معماري عبر تغيير علاقة ” الكتلة المجوفة ” بالفراغ وهو ما أدى أيضا إلى بدء استدعاء ظهور المدينة ، ذلك الظهور الذي تقلب في التاريخ ببطء شديد بوصفه مجرد مشروع حضور مؤجل باستمرار قبل أن يستطيع تحقيق نفسه وأن يستولى على مجال حضوره بالكامل .


منذ البداية سيقدم المعمار نفسه بوصفه ما يسعى دائما لتجاوز ذاته ، وسيعرف الفراغ من حوله باعتباره مجرد مسافة تؤدي إليه .

ومثلما يستخدم التمثيل الحكاية بوصفها جاهزية للفعل الإنساني ، تعود الحكاية لأداء نفس الدور مع ما هو معماري ، وهكذا ، ففيما يقوم المعمار على انتهاك الفراغ وإزاحته أمام حضور الكتلة مما سيؤدي إلى إعادة توزيع علاقات الحضور في الفراغ ، فإن الحكاية ستنزع إلى ملء الفراغ الداخلي للكتلة المعمارية بتمثيلات الأفعال الممكنة ، بحيث أن المعمار سيتحول إلى جاهزية للفعل ، أي أنه سينزع إلى إتاحة وتنمية مجال حضور أفعال معينة .

وعلى هذا النحو سيتحول الفراغ المعماري إلى فضاء معرفي محايث لحضور الكتلة ، وبالتالي فحيث سيخلق المعمار فراغه ستحقق الحكاية امتلاءه . ومنذ هذه اللحظة سيبدأ المعمار في الحضور بوصفه انسحابا من الفراغ العام واعتراضا عليه .

ولكن هذا الفراغ المعماري الذي تمت السيطرة عليه سيظل أقل بكثير من طموحات التمثيل ، فهو فراغ غير كامل لأنه لا يستطيع استغراق كافة فئات الأفعال الممكنة ، كما أنه غير منتهي لأنه يظل منفتحا على الفراغ الخارجي اللانهائي ، وبالتالي فهو يظل قابلا للتبدد ، ولمقاومة هذه الحالة سيدشن التمثيل حكاية الرحم ، والتي ستعمل في الخلفية لقيادة حضور ما هو معماري ، ولإكسابه ثقلا إضافيا إزاء خفة الفراغ التي توشك على الإطاحة به وابتلاعه .

وعبر استعادة حضور الرحم بوصفه تأطيرا لمجال حضور المعمار سيجرى إعادة تصنيف الأفعال الإنسانية طبقا لاستجابتها لذلك الفراغ المحدود الذي جرت أنسنته بالكامل ، وهو ما يضعنا أمام سجل حفري آخر ينبغي أن نتوقف لتحليله .

إن رحم الأم ليس سوى ذلك الفراغ الذي ستنفيه عملية الميلاد ، وبمعنى آخر ، فالوجود في الرحم مرهون بالسعى تجاه الميلاد ، تجاه الحياة ، أما صدمة الخروج منه فهي ليست رفضا للحياة ذاتها ، بل محاولة لاستعادة ” سيرورة” نقص ما قبل الميلاد ، وهي استعادة لا تكترث بالابتهال إلى هذا ” النقص” أو نشره كأفق ديمومي ومتعالي ، بقدر ما هي محاولة لاستحضار حركة ذات أفق ونقطة توجه ملموسة ومعروفة وخالية من المفاجآت ، لتصبح بديل أو إطار لحركة ما بعد الميلاد التي ستبدو مفعمة دائما بكل ما هو غامض ومتذبذب ولا يمكن الاطمئنان إليه، أي أنها في النهاية مجرد محاولة لتأطير كل ما يتعلق بالحياة عبر استعادة نقطة ظهورها الأولى واستحضارها بوصفها ما يقبل بالتكثف داخل فضاء محدود ومحدد .

إلا أن هذه الاستعادة ستجد الكثير مما يقلقها وهو ما يستوجب شطبها عبر طبقة حفرية أخرى تعمل فوقها، ففيما سيقدم الرحم نفسه بوصفه ما يؤهبنا للحياة التي تشكل نقطة انقطاع حضورنا بالنسبة له ، فإن المعمار سيجبر على التبدي مفصحا عن اختلافه الجذري بصدد هذه النقطة بوصفه ما يؤهبنا للموت الذي سيشكل نهاية حضوره بالنسبة لنا ، وهنا سيبرز دور الحكاية في حل هذا التعارض و تسوية الاختلافات التي يقوم عليها ،وهو ما سيتم عبر دمج بعض هذه الاختلافات في علاقات ترابط تضعها داخل إطار مجال الحضور نفسه ، فيما سيجري إزاحة بعضها الآخر عبر استحداث مسافات تباعد بينه وبين مجال حضوره الخاص أو الأولي بحيث يصبح من الممكن استعادته بوصفه عنصرا في مجال آخر تماما، وهذا النشاط التقني للحكاية مطبقا على مجال الحضور الذي يربط بين المعمار والرحم من جهة ، ومباعدا بين هذا المجال وبين واقعة الموت من جهة أخرى ، سيؤدي إلى ظهور مجال حضور عام لما هو إنساني ، والذي سيؤطر نفسه بالكامل داخل فضاء ما ينتمي للحياة ، أما واقعة الموت التي جرى مباعدتها ،ولكن لا يمكن إلغاءها ، فلن تجد لنفسها فرصة للحضور إلا بوصفها انفتاحا على ما هو خارجي ، وهو انفتاح يتيح الخروج مثلما يتيح العودة ، وبالتالي فمن الممكن ربطه بأفعال الدخول والخروج المتكررة من وإلى الفراغ الداخلي الخاص بالكيان المعماري ، وبذلك نصل إلى المجال الذي تم فيه إنتاج واستعادة ظاهرة “الخلود” ، سواء بوصفها عود متكرر إلى مجال الفعل ، أو بوصفها بقاء دائم لما يعود ، أي للفاعل .

وقد تم توزيع حضور ذلك المجال الناشئ توا ،أي الخلود ، بالتساوي (على الأقل في البداية ) على كل من مجال حضور الذات ، ومجال حضور ما هو إلهي ، فيما سيظل كلاهما محتفظا ببعض الخصائص التي اكتسبها مع مرحلة الكتلة الأداة ، وخاصة ما يتعلق بالقدرة على الفعل ، أما خاصية الحضور المحدد والمحدود في المكان فهي لا تزال تجد ما يدعمها في ثبات الكيان المعماري ومحدوديته التي لا يمكن الالتفاف عليها ، وإن كان هذا الحضور قد تمدد بعض الشيء إلى الخارج ليكافئ خطوط انتشار الفضاء الخارجي للمعمار.

وهكذا فإن الفضاء المشترك لحضور المعمار والحكاية سيدشن ظهور ميتافيزيقا الخلود مستهلا بذلك سيطرته الكاملة علينا عبر الإلقاء بنا إلى حيث يمكن استعادتنا دائما، أي حيث لن يمكننا الإفلات قط ، بحيث أننا أصبحنا منذ هذه اللحظة ، وبكامل مناحي وجودنا ، مجرد عنصر مساعد وثانوي في ميدان صراع القوى وهو يداعب ذاته ، أي ميدان ألعاب التمثيل .

غير أن الخلود ليس هو الهبة الوحيدة التي منحنا إياها المعمار ، بل هو هبة ثانوية مشتقة من عطائه الأساسي لنا ، أي ” الزمن ” الذي سيظهر هنا مستقلا عن أي تعين للفعل أو للعب القوى واختلافاتها ، فهنا زمن مجرد لا يحدده شيء فيما يحدد هو كل شيء ويظل محافظا على ذاته وعلى سريانه مهما تغيرت الأفعال أو الأحداث التي يمتلئ بها . وعلى هذا النحو يقدم التمثيل أولى حالاته الفريدة من التأطير الكلي والمطلق للفضاء الذي ينبغي أن يتموضع فيه كل ما يظهر ، وهو يقدمه بحيث لا يستطيع صراع القوى – من وجهة نظر التمثيل – أن يطاله أو يؤثر فيه .

وبالرغم من ذلك ، فعلى مستوى المكان يظل المعمار البدائي ، والقروي ،أو إجمالا معمار ما قبل المدينة، مجرد اعتراض جزئي على الفراغ ، أو مجرد انسحاب خجول واعتزال مؤقت لما هو أساسي ولا يمكن تجاهله ، فالكثير من الأفعال أو الأنشطة الإنسانية اللازمة لمواصلة الحياة تظل مرتبطة بالحركة في هذا الفراغ الطبيعي العام ( الصيد ، الرعي ، الزراعة ، الخ) ، أي أنها توجد حيث تتلاشى سيطرة المعمار – بوصفه جاهزية- على الفعل الإنساني ، وهو تلاشي يتم مقاومته عبر السيطرة على الفضاء الزمني لتلك الأفعال ، وكذلك عبر نشر فضاء الحكاية ومجال حضورها حول كيانات المعمار ، في كثافة تأخذ بالتخلخل كلما تباعدت المسافات ، فهناك فحيث سيفقد ما هو معماري حضوره و سيطرته ستعمل الحكاية ( أسفل عباءة ما هو زمني ) حول مجال حضور الكتلة الأداة فقط .


وإلى هذه اللحظة التي وصلنا إليها ، فإن المدينة لم تبدأ بالظهور بعد ، ولكن عند هذه النقطة ينبغي التمييز بين مستويين لظهور المدينة ، أولهما لا يتضمن سوى مجرد تكاثر أو انتشار لما هو معماري ، مع بعض التغاير والتطور التاريخي في وظائفه وأنماطه و تشكيلاته ، وتلك هي المدينة المتعينة التي يمكننا تحديد لحظة ظهورها بدقة بالرجوع إلى سجلها التاريخي ، أما اللحظة الأخرى ، أو المستوى الآخر لظهور المدينة والذي يعنينا هنا فهو لا يطرح نفسه إلا مع تحول المعمار من جاهزية ” تتيح ” تنمية مجال الحضور للفعل الإنساني، إلى مؤسسة تتيح وتمنع هذا الحضور في الوقت نفسه .

ولو أننا حاولنا أن نرصد لحظة هذا التحول فسنجد أنها تتطابق مع لحظة ظهور ” سور المدينة” ، أي تلك الكتلة المعمارية التي تستطيع أن تطوق بداخلها حياة كاملة لم تعد ترغب فيما هو خارجها ، ولا تنظر إليه إلا بوصفه استثناء في طريقه إلى الزوال .

إن الجاهزية المعمارية التي يمثلها سور المدينة ، قد قرئت دائما بوصفها أمرا يعود إلى الشأن العسكري والاستراتيجي ، ولكن ما هو أكثر أهمية في هذا الصدد هو ذلك التوقيع الذي تسجله هذه الجاهزية ، أي التوقيع على وثيقة تؤشر لبداية وعي المدينة بنفسها بوصفها كيان موحد يتأسس في مقابل العالم الخارجي ، وبوجودها المتمايز ، الذي يدشن لبدء عملية متواصلة من الانسحاب عن العالم ، ولظهور مفاجئ بقدر ما هو نهائي لذلك ” الرحم الجماعي الجديد ” الذي بات يحتضن البشر.

ومنذ هذه اللحظة تبدأ المدينة في طرح نفسها بوصفها مشروع يسعى إلى الظهور وهو ما تفعله عبر تنميتها لمجال حضور يأخذ في الانتشار فيما يسعى أساسا وقبل كل شيء إلى مقاومة تأجيله وعدم اكتماله .

ومرحلة حضور المدينة بوصفها كيانا مؤجلا باستمرار ستستغرق على النطاق الزمني كل تلك الكيانات الحضرية الما قبل مدينية ، كما أنها ستستغرق على مستوى المكان كل تلك الفراغات التي لم يتم تأطيرها والسيطرة عليها بعد . وهو ما يعني أن المدينة منذ لحظة ظهورها الجنيني الخافت لم تكن تحمل ما هو أقل من تلك الرغبة العارمة في استبدال العالم وإزاحة فراغه مرة وإلى الأبد ، أي أنها تطابقت منذ البداية مع الرهان الاستراتيجي للتمثيل ومع مشروعه الخاص بنفي الفراغ على نحو نهائي .

ينظر التمثيل إذا إلى لحظة ظهور المدينة ليس فقط بوصفها حضورا لحيز مغلق على ذاته وآخذ في الامتلاء ، ولكن أيضا بوصفها ما يدشن ويلوح بإمكانية التأطير الكامل لذلك الميدان الذي لازالت ألعاب القوى تهيمن عليه ، أي الفراغ المكاني ، فما دام هذا الفراغ هو القلعة الأساسية التي يحتمي بها لعب القوى ، فإن حصارها يعني حصار كافة ما يمكن أن يظهر عبر لعب القوى واختلافاتها ، أي أننا هنا أمام التمثيل وهو يستكمل رهانه ومغامرته في أن يجعل من نفسه بديلا ومكافئا لما أتاح وجوده ومنحه حياته ، عبر إجباره على أن يتموضع في فراغه الداخلي ، وأن يصبح فضاء التمثيل وحده هو ساحة الظهور لكل صراعات القوى ، وهكذا فمع تدشين المدينة بوصفها مشروعا مؤجلا على هذا النحو يبدأ التمثيل للمرة الأولى في تعاطي استراتيجية هجومية ضد عالم القوى ، إن التمثيل هنا يتخطى دور المنافس والبديل الذي منحه لنفسه من قبل لينصب ذاته بوصفه خصما مكافئا في معركة شرسة .

مع لحظة ظهور سور المدينة إذا ستبدأ جاهزيات الحكاية / المعمار في السيطرة على ذلك الفراغ الذي تم تأطيره عبر مواصلة التمدد والانتشار تجاه الفراغات البينية للكيانات المعمارية ، ليبدأ فضاء المدينة في الظهور على نحو مؤسسي يجمع في نطاقه دائرة تتسع باستمرار من الفراغ الذي تم احتجازه واقتطاعه من العالم ، إنها لحظة يجري عبرها استعادة المدينة لذاكرة الكتلة المصمتة التي تحاول فصل نفسها عما هو خارجها وتمنع أي تسرب لإمتلائها الداخلي .

ومنذ البداية ، كان بعضنا ، ولا شك ، يستريب في أن العنصرين اللذين جرى تحديدهما ( أي المعمار والحكاية ) كافيين لتحليل ظاهرة المدينة ، وها نحن نصل إلى ذلك التكوين المعماري / الحكائي ، والذي سيبدأ منذ الآن في التحول من مجرد جاهزية ، إلى مؤسسة تسعى إلى السيطرة على فضاء المدينة عبر إتاحتها لفئات وأنماط معينة من الفعل و الحركة ، ومنع ما سواها ، أي أن ذلك الفضاء يتحول إلى محفز للحركة من جهة ، وقامع لها من جهة أخرى ، مثله في ذلك مثل أي سلطة . وعبر هذا الحضور المؤسسي سيتوالى جلب كل ما هو معرفي ، وجمالي ، وأخلاقي ، كل ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي ، كل ما هو ذاتي خاص بالفرد ، أو عام يخص الجماعة ، وباختصار فإن كل ما هو إنساني سيتم جلبه واستحضاره وإعادة توزيعه وتشكيله طبقا لمجال حضور المدينة الذي سيوالي اتساعه ليبدو وكأنه بحجم العالم ، وبحجم الوجود .

وعبر نمو مجال حضور المدينة ، ومع اكتمال سيطرته على فضاءه الداخلي ، سيبدأ في تحويل الفراغ الخارجي المحيط به إلى مسافات تفصله عما سواه وتربطه به في نفس الوقت ، أي أن حركة الانسحاب المؤسسي من فراغ العالم ستتلوها حركة أخرى تعود لتزيح هذا الفراغ وتجبره على التراجع .

وعبر هذه المسافات وبفضلها ، سيتمكن مجال حضور المدينة من إعادة إنتاج ذاته دائما ، ليس فقط داخل حدوده الخاصة ، ولكن أيضا في مناطق جديدة ومستحدثة ، تلك المناطق التي هيئتها المسافة و حولتها إلى فضاء يطلب وينادي ويمهد لحضور المدينة . وهكذا تنمو ظاهرة المدينة في هذه المرحلة بوصفها حركة دائبة تهدف بالمقام الأول إلى استعمار الفراغ .

وهو ما نجده بارزا بوضوح مع نموذج الإله الذي كرسه فضاء المدينة ، فقد بدأ هذا النموذج في مغادرة كتلته المصمتة التي منحتها له مرحلة الكتلة الأداة، ليحل في الفضاء المعماري الداخلي للمعبد، ويتمركز حوله ، ثم انطلق مع مجال حضور المدينة وتجاوزه ليهيمن بصورة مسبقة على كل فراغ ممكن . وقد تطور فضاء المعبد من كونه ” بيت الرب ” أي ذلك المكان الذي يقيم فيه الإله ، ليصبح ” بيت العبادة” أي تلك النقطة التي تحظى بترابط مباشر مع حضور الإله بحيث تحيل إليه على الفور ، أي أن الإله قد انتشر عبر بيته الذي لم يعد يستوعب حضوره ولا يساعده على إتمام المهمة المناطة به في تأطير الفراغ بحيث أنه سيبدأ في عملية انتشار تطال بصورة قبلية ومسبقة كل ما هو خارج، انتشار يطارد الفراغ أينما وجد ويحل محله ، وعلى هذا النحو سيمنحنا التمثيل حكايته عن الحضور المطلق الذي لا يخضع للعب القوى ولا لاختلافاتها ، فنحن هنا أمام حضور يقدم نفسه بوصفه متجانسا مع ذاته ومطابقا لها في أي نقطة من نقاط مجال هذا الحضور ، وهو أيضا حضور لا يمكن تقسيمه أو توزيعه كما لا يمكن الإضافة إليه أو الحذف منه ، وأينما وقعنا على هذا الحضور فنحن نقع عليه جملة وليس على جزء منه ، وحتى عندما نعاين جزءا منه فسنجد أنه يحتوي على نفس ما يحتويه الكل ، أي أن الأجزاء هنا تساوي نفسها وتساوي الكل في الوقت نفسه ، وهذا يعني أنه مثلما منحنا المعمار الزمن المجرد والمطلق ، فإن المدينة قد منحتنا المكان المجرد والمطلق ، وكلاهما قد بدأ ظهوره مندمجا ومتواريا في مجال حضور ما هو إلهي قبل أن يصبح من الممكن تمييزه عنه . إلا أنه منذ هذه اللحظة سينكسر ذلك التكافؤ التام بين الذات وبين الإله ، والذي استمر عبر ظهور المجال المستقل للفعل مع الكتلة الأداة ، وكذلك عبر ظهور الانتشار المطلق في الزمن مع الكتلة المعمارية ، فهنا ، ومع المدينة التي تقود لحظة ظهور الانتشار المطلق في المكان سيجري منح هذه الخاصية وربطها بحضور ما هو إلهي فقط دون ما هو إنساني ، وهو ما أدى إلى خفض مجال حضور الذات ، مقابل تعالي مجال حضور ما هو إلهي ، ومنذ هذه اللحظة لم يعد أيا من هذين المجالين بمثابة فائض ” مباشر” لحضور المجال الآخر ، مما أتاح استقلال مجال الإلهيات وبدء ظهور الفضاءات الدينية التي عملت على إعادة ربط ما هو إنساني بما هو إلهي عبر ملء الفراغ الهائل والغير مسبوق الذي نتج عن انفصالهما.

ومع محاولة المجال العام لحضور المدينة – الذي أصبح الآن موزعا على مدن عديدة ومتناثرة – إحكام سيطرته على تلك المسافات البينية بين المدن سيبدأ كيان الدولة بالظهور. وفيما لم تبدأ المدينة في الوعي بحدود حضورها الذاتي وسيطرتها على فضاءها الخاص إلا عبر جاهزية السور، بحيث باتت منذ هذه اللحظة تقدم نفسها باعتبارها ما يتجاوز مجرد مجموعة من الكيانات المعمارية المتجاورة ، فإن الدولة قد حصلت على وعيها الخاص بذاتها عبر الحكاية مباشرة وبفضلها .

وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا لتأمل الحالة التي يمثلها ” سور الصين العظيم” ، والذي ينطوي على محاولة مضحكة بقدر ما هي مؤسية لدولة تحاول أن تؤسس لحضور ذاتها وكأنها مجرد مدينة ، وهي محاولة مضحكة أولا لأنها تراهن على استخدام الجاهزية المعمارية للسور حيث يجب أن تعمل الحكاية ، فليست جاهزية السور في النهاية سوى تأطير مؤقت للفراغ على نحو يهيئه لاستقبال نشاط الحكاية والخضوع له وتحويله بالتالي إلى فضاء مخترق على نحو كامل بالمسافات التي يتم استحداثها باستمرار ، ولذلك فقد أقدمت الدولة عبر هذه المحاولة الوحيدة والفريدة والتي لم تتكرر على ابتلاع ما لا تستطيع هضمه أو اجتراره . كما أنها محاولة مؤسية ثانيا لأنها تمثل نزوع الدولة لاختطاف عصا قيادة العالم من المدينة ، وهو نزوع جرى عقابه بحيث بات حدثا فريدا لم يتكرر بعد ذلك قط .

وتؤشر حالة سور الصين العظيم على طبيعة العلاقة بين الدولة والمدينة ، فالدولة توجد عند حواف حضور ظاهرة المدينة ،أي باعتبارها مجرد فائض لهذا الحضور الذي يفيض بين المدن المتباعدة ، وبالتالي فهي تخضع في حركتها لما تقرره المدينة لنفسها ، أي أن الدولة ليست سوى عرض جانبي ، وربما طارئ ، لمجال حضور المدينة وهو يحاول السيطرة على حالة إنتثاره وتعدده وتوزيعه وانتشاره في فضائه الخاص .

وكما يسجل ظهور سور المدينة لحظة بداية طرحها لمشروعها ، فإن اختفائه المفاجئ وانعدام الحاجة إليه ، ونقل وظائفه إلى مجال اختصاص الحكاية يسجل لحظة إعلان المدينة لانتصارها النهائي ولاكتمال قطيعتها التامة مع الفراغ الطبيعي الذي طردته من الوجود بلا رجعة ، إنه لحظة تحققها بالامتلاء الذي لم يعد هناك ما يهدده بالإزاحة ، أي لحظة نجاح التمثيل للمرة الأولى عبر تاريخه في أن يلتقي ولو مؤقتا مع رغبته المؤجلة دوما في أن يحظى تحت سيطرته بالامتلاء الكامل الذي طرد منه ، إنها لحظة عودة أو استعادة التمثيل لجنته المفقودة ، وعبر هذه اللحظة سيفاجئ التمثيل نفسه بقدرته على الاندفاع في التعاطي مع مكوناته بوصفها تتحرك في مجال ” ما هو مؤكد ” ولا يمكن مراجعته .

إننا هنا مدعوون إلى اختبار هذه النتيجة بوصفها في النهاية مجرد فرضية نظرية ، وهو اختبار يمكن إجراءه بالعودة إلى الحقل المتعين للتاريخ الخاص بظهور المدن ، حيث سنجد أن لحظة اختفاء جاهزية سور المدينة ستترافق دائما مع انتشار استثنائي وفريد لما هو مؤكد ، بحيث سيبدو الأمر وكأن تلك الظواهر المعرفية المنضوية في مجال حضور المدينة والخاضعة له قد بدأت في الإعراب عن نفسها بثقة مفاجئة وكأنها قد كوفئت فجأة بإكسابها المزيد من الكثافة والقدرة على الحركة معا ، وهو ما سيبدو وكأنه قد تم عبر سخاء بالغ طالها من مصدر مجهول لا يلزمها بشيء مقابل ما أخذته ، وتلك المكافأة ستجعلها تشعر بامتلاك موضوعاتها على نحو لا يمكن منازعته أو الإسترابة فيه ، مما سيولد طاقة اندفاع مباغتة ومدهشة نحو المزيد من تملك تلك الموضوعات . وتراكم هذا الاندفاع هو ما خلق الظاهرة التي اعتدنا أن نسميها ” بالحداثة ” (modernity).

أما هؤلاء الذين لا يفضلون الرحلات التاريخية فبإمكانهم أن يعاينوا حالة محدودة جدا لفعالية جاهزية السور الكامنة في قدرته على التأطير والمنع وهي تنتقل بكامل اندفاعها إلى مجال حضور الحكاية، وهو ما يمكنهم الحصول عليه عبر استحضار لحظة اختفاء سور برلين ، والذي رغم محدودية امتداده في المكان ،وكونه يحجز مدينة بعينها عن نفسها ويقسم مجال حضورها ، إلا أنه بوصفه حاجزا لانتشار حالات ومكونات تمثيلية خاصة بما هو سياسي ، فقد أطلق موجة من الطاقة والاندفاع نحو التأكيد السياسي المفرط . وهكذا ، ففيما يقترن ظهور السور بحالة من الانسحاب والتراجع إلى الداخل واختزان الطاقة واحتجازها ، فإن اختفاؤه سيقترن بحالة عكسية من الاندفاع إلى الخارج وانطلاق الطاقة .

وعبر تلك المرحلة التي يتحقق فيها انتصار مجال حضور المدينة على الفراغ الخارجي ، سيبدأ انكشاف ما ستعده المدينة ثقوبا في فضاءها الداخلي ، أي تلك الأفعال التي تفلت من مجالها ، وتستعصى على إدماجها في ترابطاتها وجاهزياتها التي تشكل دوائر القصد التي سيتعين على تلك الأفعال أن تتوجه إليها وتلتزم بمساراتها .

وإزاء هذه الأفعال المزاحة باستمرار خارج الفضاء المعرفي للمدينة ، وخارج مجال حضورها ، ستكشف المدينة بقوة عن وجهها غير المتسامح .

ولنلاحظ مع فوكو أن مفهوم الجنون بوصفه انتهاك ينبغي مواجهته بحسم وإقصاءه بعيدا أو عزله بهدف استعادة سواء القصديات وتأكيد شرعيتها السلطوية، لم يظهر سوى في هذه المرحلة من تاريخ حضور المدينة .

ومع ” فالتر بنيامين ” يمكننا أن نرصد في كتابه عن ” بودلير ” مؤشر آخر للحظة اكتمال انتصار المدينة على الفراغ فبنيامين يلفتنا إلى ظهور مفاجئ لحالة ” التسكع” أو التجوال الحر غير القصدي داخل مدينة باريس في نهاية القرن التاسع عشر، وهو ما ينبغي أن نراه بوصفه محاولة أخيرة للتعاطي مع فراغ المدينة باعتباره مكافئ للفراغ الطبيعي اللا محدود والذي لا يفرض شكلا معينا للحركة داخله ، وبالتالي فهي ليست محاولة رومانسية أخرى لاستبدال المدينة بالطبيعة ، أو لإحلال قصديات محل أخرى ، بقدر ما هي رعشة يائسة تسعى لمواجهة القصديات التي تفرضها المدينة وتنظمها عبر رفع مطلب أو مفهوم اللا قصد ، أو نفي القصد ذاته بوصفه شرطا للحضور داخل فضاء المدينة ، إنها محاولة تنطوي على نزوع نوستالجي أكثر من كونها اعتراضا ،أي أنها تحية وداع لعالم يختفي ، وهي في نفس الوقت صرخة شقاء لفعل هامشي يطالب بحقه في الوجود قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، فالمدينة ، وتحديدا مدينة الحداثة ، بعد أن احتفلت بانتصارها على الفراغ الخارجي ، لم تعد تسمح بظهور أي فعل غير قصدي ينتهك ترابطات فضاءها الداخلي .

إن مدينة الحداثة المنتصرة والمزهوة بنفسها هي أكثر الكيانات دموية في التاريخ الإنساني ، وأقلها تسامحا على وجه الإطلاق ، ويكفي في هذا الصدد أن نتوقف عند فئة محدودة من ضحاياها لنتلمس مدى عنفها إزاء ما قد يبدو وكأنه يقدم استجابة أقل مما هو مطلوب ، ولننصت إلى ” رودلف رومل ” وهو يقدم إحصائية تقريبية تفيد بأن ” 169 مليون شخص قتلوا في القرن الماضي على يد حكوماتهم ” ( نقلا عن ” جاك سيميلين” – ” العنف المفرط: هل نستطيع أن نفهمه ” – ترجمة “عبد الحميد فهمي الجمال” – المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية عدد174 ديسمبر 2002- مطبوعات اليونسكو – القاهرة- ص 11 ) ،وإذا ما تجاوزنا الدلالة السياسية المباشرة فإننا نستطيع هنا أن نقرأ هذه الإحصائية – التي صدرت قبل نهاية القرن العشرين بعدة سنوات – بوصفها تشير إلى حالة غير مسبوقة من العنف الدموي الذي مارسته مدينة الحداثة على الإنسان وهي تبسط سيطرتها على فضاءها الداخلي .

وفي هذا الإطار يمكننا تفهم ذلك التعاطف غير المألوف وغير المبرر الذي أبدته المدينة إزاء الرهانات والمحاولات الجمالية الراديكالية للغاية التي أطلقتها موجات الحداثة المتعاقبة لعزل الظاهرة الفنية والممارسات الجمالية عن مجال حضور المدينة بقصدياته وترابطاته ، حيث احتفت هذه الموجات بحضور ما هو غير قصدي ، ومالا يمكن استعادته أو تكراره ، أي أنها احتفت ومجدت كل ما سيبدو وكأنه يفلت من مجال حضور المدينة ، وهنا كان التعاطف وسيلة المدينة الأكثر قسوة لابتلاع ما يناهضها ، فعبر هذا التعاطف تحولت تلك الراديكالية العارمة إلى مجرد واحدة من جاهزيات المدينة ، وهي جاهزية أنيط بها تأطير كل ما يفلت تمهيدا للسيطرة عليه ، ولذلك فلا ينبغي أن نفاجأ عندما نرى ما كان يعد فعلا تخريبيا في مرحلة الحداثة يتحول إلى فعل مألوف وتكراري وخاضع للتنميط مع ما بعد الحداثة ، أي يتحول إلى فعل لا يجد لنفسه فرصة في الحضور إلا عبر مجال تلك المؤسسات الأكاديمية التي تفخر عادة بأنها تضع مثل هذا النوع من الأفعال ضمن قائمة إفطارها .


ولكن ليس لصراع القوى أن يترك ” التمثيل ” – بحالاته العامة والخاصة وترابطاته وفضاءاته – ليهنأ طويلا بالانتصار الذي منحته إياه المدينة .

فبعد أن أصبح مجال حضور المدينة هو نفسه مجال وجود كوكب الأرض ، بدأ التمثيل في استعادة ومواجهة شقاءه الخاص والأبدي ، فعبر عمليات إزاحة الفراغ إلى خارج كوكب الأرض يعود ذلك الفراغ للظهور داخل العلاقات المتناهية الصغر لمكونات المادة الفيزيائية ليسجل حضوره بوصفه ما يفلت داخل مسافات وترابطات التمثيل ، كما يعود للظهور أيضا خارج الفضاء الأرضي بوصفه فراغا كونيا لا نهائيا ولا يمكن تأطيره .

وما أن يظهر هذان الفراغان حتى تنسحب نحوهما كل الأسئلة الكبرى والأولية التي تعمل كحكايات يؤطر بها التمثيل علاقته بموضوعاته ويقود ظهورها .

وهكذا يعاود التمثيل الظهور بوصفه كيانا مهددا يتمتع بخفة تتيح إزاحته ، والآن ، وعبر تلك اللحظات التي نمر بها ، ينخرط التمثيل في عمليات تأطير هذين الفراغين عبر استحداث المسافات وخلق التباعدات داخلهما تمهيدا لإحالتهما إلى مجرد امتداد لفضائه الخاص .

وهذا الصراع الذي يخوضه التمثيل حاليا من أجل الدفاع عن مجال حضوره لا يبدو وكأنه يمثل مرحلة جديدة مقبلة لمجال حضور المدينة ، وهذا على الرغم من أن التمثيل ، كعادته في استباق صراعاته وتأطيرها لصالحه ، قد بدأ بالفعل في مداعبة ذاته والاحتفال بانتصاره عبر تنميته لحكاية الفراغ الكوني الذي يتحول إلى فضاء كوني يسفر في النهاية عن “مدينة كونية ” .

غير أن أغلب الظن أن الصراع الحالي للتمثيل قد يؤدي إلى نتائج غير سارة بالنسبة لمجال حضور المدينة بحيث أنه قد يتجاوزه أو يحيله إلى شيء آخر مختلف تماما ، وهو أمر يمكن توقعه انطلاقا من التغايرات التي تعمر بها اللحظة الآنية .

لقد حاولنا طول الوقت أن نؤكد على إمكانية – إن لم نقل ضرورة – التعبير عن التحولات التاريخية الكبرى لمجال حضور ما هو إنساني بوصفها في النهاية نتاج لتحولات معينة في علاقاته مع عناصر الكتلة / الفراغ/ الحركة ، وعلى هذا النحو كان ظهور الكتلة الأداة تدشينا لظهور ما نسميه الحضارة البشرية ، فيما قفزت بنا الكتلة المعمارية والمدينة إلى خطوات لاهثة ومتلاحقة من إعادة تشكيل العالم ، وقد كانت الكتلة الأداة بمثابة تطوير للكتلة المصمتة التي أنتجها اختلاف القوى ، مثلما كانت الكتلة المعمارية تطويرا للكتلة المجوفة التي أنتجها لعب القوى ، وهكذا ، وبرغم كل شيء فقد كان عالم القوى يقود خطانا ويسبقها ، ويدعونا للحاق به ، غير أن صراع القوى قد أنتج أيضا نمط آخر من الكتلة لا ندخلها عادة في حسباننا ، إنها الكتلة المتحركة ذاتيا ، التي اعتدنا أن نطلق عليها الكائنات الحية ، ومنذ وقت طويل بدأت محاولات إدماج خاصية القابلية للحركة التي تتمتع بها الكتلة الأداة مع خاصية الفراغ الداخلي القابل لاحتواء ما يتموضع داخله والتي تتمتع بها الكتلة المعمارية بحيث يجري في النهاية ملء هذا الفراغ أو موضعته بما يطلق الحركة ، وهو ما أدى في النهاية إلى إنتاج الكتلة الآلة التي بتنا الآن نعايش لحظيا حوارها الذي لا ينقطع مع صراع القوى والذي يتقلب بنا ببطء لا يخلو من العنف تجاه عالم مختلف كليا عما أنتجه تطور الكتل السابقة .

ولكن أيا كانت تطورات هذا الصراع أو نتائجه فإن النقطة التي وصل إليها تحليلنا هنا تشكل نهاية مناسبة لخطوات رحلة صعودنا باتجاه ظاهرة المدينة ، على الأقل الآن .

طوال تأملاتنا السابقة إذا كنا نندفع بتحليلنا تجاه ما يشكل الحدود القصوى لحضور المدينة ، سواء تعلق الأمر بما قاد هذا الحضور في النهاية إلى الظهور ، أو بالحد النهائي لنمو وانتشار هذا الحضور .

أما تأملنا التالي فسنخصصه للتجول سريعا في الفضاء الداخلي للمدينة و تحليل بعض سياسات توزيع مجال حضورها.

ما أن نلج إلى المدينة حتى يصفعنا حضورها بوصفه حقلا لتعينات لا تنضب ولا يمكن استنفادها، بحيث أنه ما من مدينة قط إلا وهي تقدم نفسها عبر حالة من التيه والزهو بكثافتها وامتلائها وتنوعها ، وكأنها للتو قد حصلت على صك خلودها ولم يبق أمامها إلا أن تمارسه وتحتفل به عبر كرنفال أبدي لا يرضى في أي لحظة بما هو أقل من وضع حواسنا في حالة انخطاف كامل تجاهه ، انخطاف مستمر وأبدي يتصرف في مجالنا الحسي وكأنه يخصه وحده ، ويدفعه دائما في وقاحة صفيقة لسباحة لا تنتهي عند سطح حضور المدينة الذي سيظل بفضل هذه الحالة غير شفاف تجاه ما يكونه ويؤسس لإنتاجه وإعادة إنتاجه .

وسؤال إعادة الإنتاج هنا جدير – إذا ما توقفنا عنده بما يكفي من اهتمام – ليس فقط بحملنا بعيدا عن أسطح المدينة المنزلقة والمراوغة والمعتمة ، ولكن بوسعه أيضا أن يلقي بنا في خضم صراع أساسي يكاد ينتظم كامل تاريخ حضور المدينة ، ويخترق معظم مساحات فضاءاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية . أي صراع الفضاء المعماري للمدينة مع فراغ الرحم . ولنبدأ تأملنا في هذا الصراع عبر تناول ” سياسات الموت” في المدينة .

لقد سبق أن تناولنا بالتحليل هنا علاقة فضاءات الرحم / المعمار ، وكيف أدى ذلك إلى تدشين ظاهرة الخلود ، وهو ما جعل المدينة ، حتى قبل ظهورها ، في غير حاجة إلى إبداء أي اهتمام خاص بظاهرة الموت ، فالمدينة ظهرت بينما لم يكن فضاء ما هو إنساني يحتفي إلا بالحياة ، ولكن بالمقابل فقد أسست المدينة تنظيمها الداخلي لمجال حضورها اعتمادا على ظاهرة الموت بوصفه ما يتيح لها أن تعيد إنتاج ذاتها ، وبالتالي فهو ما يمنحها الفرصة لتجديد قواها ونشاطها ، ومن هذه الزاوية سيبدو الموت ( موتنا ! ) وكأنه يعزز فرص المدينة في الحياة ، فلولاه لاستيقظت المدينة ذات صباح وقد أصبح كل أفرادها غير قادرين على الاستجابة لما تتطلبه منهم من حركة تملأ فضاءها وتحافظ على توازنه ، وعلى هذا النحو ستستخدم المدينة الموت كأحد وسائلها في تنظيم ذاتها ، ولقد عرضنا من قبل لإحصائية تقريبية عن الملايين الذين قتلتهم مدينة الحداثة من مواطنيها ، وكما نعلم ، فمدينة الحداثة هي أعلى مراحل التنظيم الذاتي للمدينة على وجه الإطلاق ، غير أن لحظة الحداثة لم تكن بالطبع هي لحظة اكتشاف المدينة لقدرتها على الإماتة ، بل هي لحظة تفجر هذه القدرة إلى أبعاد غير مسبوقة ، فقبل المدينة كان قتل إنسان لآخر حادثا محدودا سواء وقع بشكل فردي أم قامت به الجماعة على سبيل العقاب ، أما المدينة فقد اخترعت حدث ” الإعدام” ، والذي لا تعد عملية القتل سوى جزء بسيط للغاية منه ، مقابل عمليات نشره في الفضاء المعرفي لأفراد المدينة ، وتقديمه بوصفه حدثا يمكن أن يطال أيا منا ، وإقحامه دائما في مجال حضورنا على نحو لا يمكن تجنبه أو تجاهله ، ووضعه بالتالي كأفق مشهر يؤطر أفعالنا ويحكمها .

ولكن لم يكن للمدينة أن تحتفي بالموت على هذا النحو لولا علاقتها المستقرة بالرحم بوصفه ما يعيد إنتاج الحياة لأجلها، ويهبها بالتالي خلودها الخاص .

وفي ضوء هذه العلاقة ، وأيضا بسببها ، نشأ الصراع بين فراغ الرحم باعتباره نقطة أصل لظهور الحياة ، وبين فضاء المعمار باعتباره مجال حضور هذه الحياة إن لم نقل مجال صنعها ، فقد أصبحت المدينة تحتفي بتحديدين متعارضين لأفرادها يترتب على كل منهما استحقاقات مختلفة، الأول ينطلق من علاقتهم بالفراغ الأصلي السابق لحضورهم ، والذي صدر عنه هذا الحضور ، وهو ما يظل بلا تغيير ما دامت نقطة الأصل هذه ، أي الرحم ، لا تتغير ، والثاني يتشكل تبعا لقدرتهم على العطاء وعلى الفعل والحركة لصالح فضاء المدينة والانتشار داخله ، وهو تحديد متغير بالضرورة .

وقد كانت جمهورية أفلاطون هي أول محاولة للانتصار بالكامل للتحديد الذي ينبع من فضاء المدينة ، بحيث أحالت الرحم إلى آلة إنتاج للحياة ينتهي دورها عند هذا الحد ثم تتوارى إلى الخلف بحيث لا تتمكن من تحقيق أي مسافة أو حضور أو ترابط مع الفرد الذي تنتجه ، بل إن أفلاطون قد أعطى المدينة الحق في الموافقة أو عدم الموافقة على هبة الحياة التي تتلقاها من الرحم طبقا لما يحقق فائدتها الخاصة ، فهؤلاء الذين سيثبتون أنهم يمكن أن يكونوا نافعين للمدينة سيحظون بإمكانية احتواءهم داخل فضاءها الذي يصنع الحياة ، أما الباقي ، سواء كانوا غير قادرين على تقديم الإثبات الكافي ، أو أن المدينة لا تحتاجهم الآن ، فينبغي أن يعبروا سريعا نحو موتهم دون أن يزعجوا أحد ، ودون أن يطالبوا بما لا يستحقونه من مأكل أو مأوى فمجرد واقعة أنهم ولدوا ، أو عبروا فراغ الرحم وصدروا عنه ، لا يعطيهم الحق في أن ينالوا ما تملك المدينة وحدها أن تعطيه، وهنا تتحول نقطة الأصل ، أي الرحم ، إلى مجرد نقطة مرور إلى المدينة ، وبوصفها نقطة مرور فهي لا ترتب لمن يعبرها أي حقوق أو ضمانات ، وهكذا ، فاقتراح أفلاطون لا يحاول إحالة الرحم إلى آلة إنتاج للحياة وحسب ، بل يحولنا نحن أيضا إلى سلعة يتم إنتاجها عبر هذه الآلة لصالح مستهلك محدد يملك أن يرفض استلام ما هو معيب منها .

وبالنسبة لنا ، قد يبدو اقتراح أفلاطون منطويا على بشاعة وفظاعة أخلاقية لا تطاق بحيث أنه من غير الوارد أن يجد لنفسه مكانا في العالم الواقعي ، ولكن في الواقع فإن مدينة الحداثة وهي تخوض ثورتها الصناعية بما فرضته من ظروف أنتجت ما هو أشد بشاعة أخلاقيا من اقتراح أفلاطون قد احتفت بدعوات مشابهة تنادي بترك الفقراء للموت بوصفه يمثل فائدة قصوى للمدينة عبر تنقية مجالها من أفراد لا يعملون ، ولا يريدون أن يعملوا ، ويرغبون في نفس الوقت في الحصول على ما لا يحق لهم الحصول عليه من مأكل ومشرب .

وإلى هؤلاء الذين يعتقدون أن مثل هذه الأمور قد أصبحت تنتمي إلى الماضي تماما ، نهدي إليهم ( إذا كانوا يحبون الإحصاءات) إحصائية حديثة للغاية تقول أنه قبل أن يتناول أيا منا إفطاره اليومي يكون مئة ألف شخص قد ماتوا من الجوع والأمراض المترتبة عليه ، في الوقت الذي يتم فيه إنتاج طعام يكفي ضعف سكان الأرض ،( انظر ” بلال عبد الهادي – ” 100 ألف يموتون يوميا من الجوع والإنتاج الزراعي يكفي ضعف البشرية” – جريدة الشرق الأوسط – 17/3/2005 ، وكذلك” ماجدة طنطاوي “التي تحدد الرقم بالنسبة للأطفال بستة ملايين سنويا –انظر “التخلص من فقراء العالم أسهل من التخلص من الفقر” –أخبار اليوم -14/5/2005 )

وهذا يعني أن عدد ضحايا الجوع سنويا يصل إلى 36.5 مليون منهم ستة ملايين طفل ، وأعتقد أن أرقام الموتى على هذا النحو تكفي تماما للدلالة على عمق الامتعاض التاريخي المكتوم الذي تحمله المدينة تجاه الرحم بوصفه ذلك الذي لا يزال يحتفظ بقدرته على الإفلات من تحديدها ليعمل دون إذنها أو خارج مجال سيطرتها .

مع بداية المدينة في تحقيق حضورها بوصفها صانع الحياة الرئيسي ، سعت على الفور إلى تحديد علاقتها بالرحم بوصفه منتج الحياة الوحيد بالنسبة لها . وبالتالي فقد التقطت المدينة تلك التجمعات القبلية ذات الكتلة المشوهة والتي عادة ما كانت تتركز في مكان بعينه وتعرف نفسها انطلاقا منه ، وقامت بتحليلها طبقا لنقاط ترابطها مع الرحم بوصفه نقطة أصل وهو ما يعني في النهاية أنها منحتها شكلا جديدا وحالة مغايرة من التماسك، ومقابل هذا فقد أتاحت لها ، أو أجبرتها على الاستجابة إلى الانتشار المحسوب في فضاء المدينة دون التقيد بتلك العلاقات التي يفرضها الرحم .

وهذا التنظيم أدى إلى نشؤ مؤسسة الأسرة التي تعد أداة ” صنع الحياة” الرئيسية في المدينة ، فعن طريق الأسرة ، بوصفها كيانا يستمد ترابطه من علاقاته المباشرة بنقطة الأصل المشتركة سيجري إنتاج الفرد بوصفه ما يملك قابلية الفعل والانتشار في فضاء المدينة ،وبالتالي فسيتم حفظ وتناقل وإتاحة كل ما يلزم معرفيا لإعادة إنتاج هذا الفضاء ، مثلما سيتم حفظ شكل توزيع الثروة الاقتصادية ، أما عندما يمتد مجال الأسرة ليتشابك مع نفسه بحيث ينتشر في فضاء أكثر اتساعا تشكله علاقات مباشرة و غير مباشرة بنقاط الأصل فسيبدأ ظهور الطبقة الاجتماعية التي سرعان ما ستفرض حضورها على مجمل المجال الاجتماعي .

وهكذا تصبح الطبقة ممكنة انطلاقا من انتشار فئة ما من الأفعال الاقتصادية بحيث تكتسب القدرة على حفر مجال حضورها الخاص داخل المدينة ، ولكي تعيد تلك الطبقة إنتاج حضورها فإن هذا يستلزم إعادة إنتاج ظهور تلك الأفعال ، وهو ما يتم عبر نشاط الطبقة نفسها ، مثلما يستلزم إعادة إنتاج قابلية هذه الأفعال للحضور عبر أفراد الطبقة وكذلك إعادة إنتاج هؤلاء الأفراد أنفسهم ، وهنا ستقوم الأسرة بدور كبير في هذه العملية بحيث ستعطي للطبقة استقرار عملية إعادة إنتاجها لذاتها . أما عندما سيشترط لحضور الطبقة توافر قدر معين من الثروات فإن مؤسسة الأسرة ستقدم نفسها بوصفها الكيان الذي سيحفظ هذه الثروات ويعيد توزيعها داخل الفضاء الخاص للطبقة . وعلى هذا النحو ستؤسس الطبقة الاجتماعية نفسها بوصفها مجال تعاضد القدرة على الفعل في فضاء المدينة ، مع الحقوق والإمكانيات المترتبة على نقطة الأصل المشتركة.

إن العماء المطلق للرحم وعدم قدرته على الوعي بذاته أو تحديدها ، ينسحب بالضرورة على كل ما يصدر عنه أو ما يمر به ، وباختصار فهو ينسحب على ما ينتجه من بشر ، ومن وجهة نظر فضاء المدينة ، فلا قيمة لهؤلاء البشر إلا طبقا لقدرتهم على الحركة داخل فضاءها ، وملء فراغاته وتطوير الترابطات بينها ، أي أنه لا قيمة لهم إلا طبقا لاستجابتهم لاستحقاقات المدينة ،ونشاطهم داخل مجالها وليس تبعا للنقطة التي يظهرون منها في هذا الفضاء ( أي فراغ الرحم ) ، وهذا التعارض سيتم حله عبر التأجيل المزمن لإنتاج الرحم ، فالفرد الذي ينتجه الرحم ويطالب له باستحقاقات كاملة هو فرد لا قيمة له بالنسبة للمدينة ، لأنه لا يملك أي قدرة على الوفاء بشروطها ، وبالتالي فقد تم حل هذا التعارض عبر إعادة تأسيس مؤسسة الأسرة بوصفها فضاء يعمل بمثابة امتداد لفراغ الرحم ، وليس فقط ما يحدد المسافات المحيطة به ، وبمعنى آخر فسيتعين على الأسرة أن تقدم للمدينة الفرد الذي تطالب به طبقا لشروطها المتغيرة ، بحيث أصبحت مؤسسة الأسرة هي التي تلتزم بالوفاء باستحقاقات الرحم وتلبية مطالب ما يحفظ الحياة ، مثلما أصبحت توفي باستحقاقات المدينة وتعيد توزيع حكاياتها ومهاراتها المطلوبة على هؤلاء الضيوف القادمين من فراغ الرحم ، ومقابل ذلك فإن هؤلاء الضيوف الذين أصبحوا أفرادا في فضاء المدينة سيتعين عليهم أن يردوا تلك الهبة ، أو الدين المؤجل ، على نفس النحو وبنفس الطريقة .

وبالتالي باتت مؤسسة الأسرة تحتل المرتبة الأولى في سياسات الحياة داخل المدينة ، مما جعلها تواصل التقدم في هيمنتها على فضاء المدينة ، بحيث ستستولى لصالحها على المجال السياسي ، أو مجال الحكم .

ولفترات تاريخية طويلة قدمت مؤسسة الأسرة ظاهرة الأسر الحاكمة ، بوصفها واحدة من أكثر أشكال الحكم انتشارا وغرابة في نفس الوقت ، وذلك لأنها أنتجت وضعا يجعل السيطرة السياسية للحكم مرهونة بحقوق نقطة الأصل ، فيما ستتراجع مطالبة المدينة باستحقاقاتها إلى الخلف تماما .

في هذا السياق يبرز “ابن خلدون” بوصفه منظر سياسات الرحم بلا جدال ، ولكنه بالمقابل أيضا الراصد الأول و ربما الأخير لاحتضاره ا

نشر في 25/05/2005 8:40:00

‫0 تعليق