صابر الحباشة: مادة(ج.ع.ل) بين عبد العزيز الكناني و الدامغاني

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


تكررت مادة (ج.ع.ل) ثلاثمائة و أربعين مرة في القرآن الكريم و ذلك في صيغ فعلية و أربع مرات في صيغ أسماء الفاعلين(1)
و قد جعلها الدامغاني على خمسة أوجه:
أولا: جعلوا يعني وصفوا. قوله تعالى في سورة الأنعام:”وجعلوا لله شركاء الجنّ”(الأنعام100). كقوله تعالى في سورة الزخرف:”و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا”(الزخرف:43).

كقوله تعالى في سورة النحل:”و جعلوا لله البنات”(كذا في الأصل- و الصواب:”يجعلون لله البنات “(النحل:57). و أمثالها كثيرة.
ثانيا: جعلوا بمعنى فعلوا. كقوله تعالى في سورة يونس:”قل أرأيتم ما جعل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا”(يونس:59) بمعنى فعلتم.
ثالثا: جعل بمعنى قال: قوله تعالى في سورة الزخرف:”إنّا جعلناه قرآنا عربيا”(الزخرف:3) يعني قلناه. و أمثاله كثيرة.
رابعا: جعل أي خلق. قوله تعالى في سورة الأنعام:”و جعل الظلمات و النور”(الأنعام:1) أي و خلق الظلمات و النور. و أمثالها.
خامسا: جعل بمعنى سمّى. قوله تعالى في سورة البقرة:”و كذلك جعلناكم أمّةً وسطا”(البقرة:143) أي سمَّيْناكم. و نحوه كثير.
فالناظر إلى هذا التصنيف يقول إن سائر مواضع ورود (جعل) في تصاريفها المختلفة إنما تردّ إلى هذه الوجوه الخمسة.
و لعله من المثير أن ننظر في المناظرة التي جرت بين عبد العزيز الكناني(ت.240هـ) و بشْر المريسي(ت.218هـ)، بتحكيم من المأمون حيث ورد أنّ الثاني عن مقولة خلق القرآن بوصفه معتزليا، و أورد قوله تعالى:”إنّا جعلناه قرآنا عربيا”(الزخرف:3)، قال بشْر:”هل في الخلق أحدٌ يشكّ في هذا أو يخالف عليه، إن معنى(جعلناه) خلقناه”(2).
و الملاحظ أنّ الدامغاني يستشهد بالآية نفسها(الزخرف:3) في الوجه الثالث لجعل: أي بمعنى قال(3).
و سياق المناظرة يبيّن “جهل” المريسي بالقرآن جهلا فظيعا فمواضع ذكْر جعل في القرآن كثيرة (أحصيناها في 340موضعا أعلاه) و لكنه لا يرى لها إلا معنى واحدا هو خلق، فكان من اليسير على عبد العزيز الكناني أن يُفنّدَ حُجّته و يفلَّ حُسامه، بأن أبرزَ مواضعَ كثيرة من القرآن وردت فيها جعل لا بمعنى خلق، و لكن بمعانيَ أخرى، حتى أنّ من يُؤوّل تلك المواضع بخلق يكون “كافرا حلال الدم”.(4)
و لعلّ هذا الجهل إن صحّ يدلّ على تحامل المريسي على القرآن و تعسّفه في تأويله، و إن لم يصحَّ، دلَّ على احتكام العداوة بين السنّة و المعتزلة(أهل الأهواء و البدع) بما يُمكِّنُ مِن تفهُّمِ رَمْيِها بالتقصير و العُجمة.
يقول عبد العزيز الكناني:” فقلت: أخبرْني يا”بشْر” إجماع العرب و العجم بزعمك أنّ(جعل و خلق) واحدٌ لا فرق بينهما في هذا الحرف وحده، أو في سائر ما في القرآن من(جعل)؟
قال “بشْر”: بل ما في سائر القرآن من(جعل) و سائر ما في الكلام و الأخبار و الأشعار”(5)
لاحظْ الثقة المفرطة في النفس حتى أنّ بشْراً يجيب عمّا لا يُسأل عنه(وهو استعمال جعل في كلام العرب و أشعارهم) بعد أن كان يحيد في جواب ما يسأل عنه. و لعل في ذلك حيلةً خطابية للإيقاع بالخصم تفنّنَ في حبك خيوطها عبد العزيز الكناني.
إذا كان الدامغاني قد جعل(جعل) خمسة وجوه، فانّ عبد العزيز الكناني في “الحيَدة” جعلها تحتمل معنييْن:
“قال عبد العزيز: فقلتُ: يا أمير المؤمنين إن “جعل” في كتاب الله يحتمل عند العرب معنيين، معنى خلق و معنى صيّر، فلمّا كان خلق خلقا مُحكما لا يحتمل غير المخلوقين، فكان من صنعة الخالق لم يتعبّد الله به العبادَ فيقول اُخلُقُوا و لا تَخلُقُوا إذا كان الخلق ليس من صناعة المخلوقين، و إنما هو من فعل الخالق”(6).
و بنى الكناني استدلاله على أنّ جعل تحتمل معنيين بأنّ الشبهة غير واردة في اختلاط الأمر على الذي يتدبّر القرآن، من جهة كون الله تعالى جعل”على كلّ من الكلمتين عَلَماً و دليلا فرّق به بين جعل الذي بمعنى خلق و جعل الذي بمعنى صيّر، فأمّا جعل الذي هو على معنى خلق، فانّ الله عزّ و جلّ جعله من القول المفصّل، فأنزل القرآن به مفصّلا و هو بيّن لقوم يفقهون، و القول المفصّل يستغني السامعُ إذا أُخبر به عن أن توصَل له كلمةٌ بغيرها من الكلام، إذ كانت قائمةً بذاتها على معناها، فمن ذلك قول الله عزّ و جلّ:”الحمد لله الذي خلق السماوات و الأرض و جعل الظلمات و النور”(الأنعام:1) فسواء عند العرب قال جعل أو قال خلق، لأنها قد علمت أنّه أراد بها خلق لأنّه أنزله من القول المفصّل. و قال:”و جعل لكم من أزواجكم بنينَ و حفَدةً”(النحل:72) فقالت العرب إن معنى هذا: و خلق لكم، إذ كان قولا مفصّلا، و قال:”وجعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة”(النحل:78) فعقلت العرب عنه أنّه عنى خلق لكم إذ كان من القول المفصّل فسواء قال خلق أو جعل.
و أمّا جعل الذي هو على معنى التصيير لا معنى الخلْق، فانّ الله تعالى أنزله من القول الموصل الذي لا يدري المخاطب به حتى يصل الكلمةَ بكلمة بعدها، فيعلمَ ما أراد بها، و إن تركها مفصولة لم يصلها بغيرها من الكلام، لم يفهم السامع لها ما يعني بها، و لم يقف على ما أراد بها: فمن ذلك قوله تعالى:” يا داود إنّا جعلناك خليفةً في الأرض”(ص:26) فلو قال صانا جعلناك” و لم يصلْها بخليفة في الأرض، لم يعقلْ داود ما خاطبه به الله تعالى، لأنه خاطبه وهو مخلوق، فلمّا وصلها بخليفة، عقل داود ما أراد بخطابه”(7).
و يكثف الكناني الشواهد الدالة على تفريقه بين معنيي جعل (خلق/ صيّر). وهو ينطلق –فيما نزعم- من نظرة تركيبية”مقنّعة”: إذ جعل بمعنى خلق فعل متعدّ إلى مفعول به واحد، أمّا جعل بمعنى صيّر، ففعل متعدّ إلى مفعوليْن، وهو ما عبّر عنه عبد العزيز الكناني بالقول المفصّل(التعدّي إلى مفعول واحد) و القول الموصل(التعدّي إلى مفعوليْن).
فالتأويل الكلامي لا يخلو من أسس نحوية(تركيبية) و دلالية(سياقية) تُرجّح بين الأقوال.
و ذهب الكناني إلى تفسير غلط بشْر المريسي إلى كونه هو “و من قال بقوله ليسوا من العرب و لا عِلمَ لهم بلغة العرب و معاني كلامها، فتأوّل القرآن على لغة العجم التي لا تفقه ما تقول”(8).طبعا لا يخفى ما في هذا الكلام من حمية و منافحة عن مبدأ الصفاء اللغوي، غير أنّ أكابر النحاة أليسوا أعاجم؟، يكفي أن نذكر صاحبَ “الكتاب” و ابنَ جنّي و الجرجانيَّ.
و لعلّه من المفيد دراسة سائر مواضع ورود جعل في القرآن للوقوف على مدى صواب استقراء الدامغاني لوجوه وروده.
فإذا نظرنا في بعض كتب التفسير(9) وجدنا أنّ ثمة اتّفاقا مع معنيين لجعل، وردا عند الدامغاني، هما: خلق و سمّى. وسائر المعاني التي يُوردها الدامغاني لم نعثر عليها عند المفسرين. و بالمقابل نجد في كتب التفسير معاني أخرى لم يشر إليها صاحب “قاموس القرآن” فمنها صيّر و جمع وملّك و أخذ و وضع و أشرك.
جاء في تفسير القرطبي للآية22من سورة البقرة:”الذي جعل لكم الأرض فراشا”، قوله:”قوله تعالى.”الذي جعل” معناه هنا صيّر لتعدّيه إلى مفعوليْن: و يأتي بمعنى خلق، ومنه قوله تعالى:”ما جعل الله من بحيرة و لا سائبة”(المائدة:103) و قوله:”و جعل الظلمات و النور”(الأنعام:1) و يأتي بمعنى سمّى، و منه قوله تعالى:”حم و الكتاب المبين إنّا جعلناه قرآنا عربيا”(الزخرف:1-3) و قوله “و جعلوا له من عباده جزءا”(الزخرف:15)، “و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا”(الزخرف:19) أي سمَّوْهم. و يأتي بمعنى أخذ، قال الشاعر: (من الطويل)
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمةلضغمهما ها يقرع العظم نابَها و تأتي زائدة كما قال الآخر:(من البسيط) و قد جعلت أرى الاثنين أربعةًو الواحد اثنيْن لمّا هدّني الكِبَرُ
و قد قيل في قوله تعالى:”و جعل الظلمات و النور”(الأنعام:1) إنّها زائدة. “
و الملاحظ أنّ القرطبي متحرّج شديد الحرج من اعتبار(جعل) ترد في القرآن زائدةً تأدّبا لله لذلك مهّد لإيراد هذا الوجه بالشاهد الشعري ثم أورد الوجه منسوبا إلى المبنيّ للمفعول علامةَ كونِهِ ليس من الآراء المشهورة.
و فسّر ابن كثير جعل في قوله تعالى:”الذي جعل مع الله إلها آخر”(ق:26) بقوله:”أيْ أشرك بالله فعبد معه غيره”. فكأنّ (جعل) أعمّ و لكنها تفيد في هذا السياق (أشرك).
و تأتي جعل بمعنى وضع. يقول القرطبي، مفسّرا قوله تعالى:”يجعلون أصابعهم في آذانهم”(البقرة:19)، جعلهم أصابعهم في آذانهم لئلاّ يسمعوا القرآن”. غير أنّ ابن كثير أوضح في ذكره هذا الوجه إذ فسّر قوله تعالى:” فلمّا جهّزهم بجهازهم جعل السقايةَ في رحْل أخيه”(يوسف:70)، قائلا:”لمّا جهّزهم و حمل لهم أبعرتهم طعاما، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية وهي إناء من فضّة في قول الأكثرين و قيل من ذهب قال ابن زيد كان يشرب فيه و يكيل للناس به من عزّة الطعام(…) فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد(…).
و تأتي جعل بمعنى جمع كما في قوله تعالى:”فجعلناه في قرار مكين”(المرسلات:21). يقول ابن كثير:” يعني جمعناه في الرحم”.
و جاء في تفسير القرطبي قولَه تعالى:”يا داود انا جعلناك خليفةً”(ص:26)، “أي ملّكناك لتأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء و الأئمة الصالحين”.
و يعتمد القرطبي الأساس التركيبي صراحةً للتمييز بين وجوه ورود جعل في القرآن.يقول مفسّرا قوله تعالى:”الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه”(غافر:61)،”جعل هنا بمعنى خلق، و العرب تفرّق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق و بين جعل إذا لم تكن بمعنى خلق. فإذا كانت بمعنى خلق فلا تُعدّيها إلاّ إلى مفعول واحد، و إذا لم تكن بمعنى خلق عدّتها إلى مفعوليْن، نحو قوله:”إنّا جعلناه قرآنا عربيا”(الزخرف:3)
و الملاحظ أنّ الآية الثالثة من سورة الزخرف، قد ذهب المفسرون في شأن جعل فيها مذاهب. فقد مرّ بنا أنّ الدامغاني يرى أنّ جعل فيها بمعنى قال. أمّا القرطبي، فوجدناه يفسّرها بسمّى، شأنها في ذلك شأن آية (المائدة:103) و غيرها (انظر أعلاه).

صابر الحباشة (تونـس)
  • الهوامش:
    (1) انظر:محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، بيروت، دار المعرفة، ط.1، 1987.ص-ص.216-222.
    (2) عبد العزيز الكناني: الحِيَدة، أو المناظرة الكبرى في خلق القرآن، بيروت، دار الفتح ط.1، 1983، ص.104.
    (3) الحسين الدامغاني: قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه و النظائر في القرآن الكريم، بيروت، دار العلم للملايين، ط.5، 1985، ص.106.
    (4) الكناني: الحِيَدة، ص.111.
    (5) نفسه، ص.109.
    (6) نفسه، ص.123.
    (7) نفسه، ص-ص.123-126.
    (8) نفسه، ص-ص.128-129.
    (9) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، و تفسير ابن كثير.

نشر في 11/05/2005 8:40:00

‫0 تعليق