زينب حفنـي: المــرأة والتاريــخ. ( المرأة ودورها في صنع القرار )

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

منذ اللحظة التي وقعت فيها أول جريمة بشرية على سطح الأرض، حين أراق قابيل دم أخيه هابيل، والمرأة تحمل بين جنبيها إرثا ثقيلا بسبب تلك التهمة الجائرة التي التصقت بها، أنها مصدر الشرور في العالم. هذه الواقعة استغلتها فئات متعصبة لتقص جناحي المرأة حتّـى لا تتمكن من الطيران بحرية في أفضية العالم، متناسية هذه الفئات بأن المرأة هي منبع الخصوبة والعطاء، من رحمها خرج الأنبياء، والقادة العظماء، وكبار الساسة، وليس غريبا أن يُـطلق نابليون بونابرت عبارته الشهيرة” المرأة التي تهز المهد بيمينها، قادرة على أن تزلزل العالم بيسارها”. * (1)

صحيح أن المرأة عاشت عصورا مظلمة، وعانت الأمرين من سطوة المجتمع الذكوري، الذي وقف طويلا حائلا بينها وبين تحقيق ذاتها، إلا أنها عاشت كذلك أزمان مزهرة، ولو نقّـبنا في سجلات التاريخ منذ بدء الخليقة إلى عصور الإسلام الزاهية، سنجد بأن المرأة قد سجلت تفوقاً وبراعة في الكثير من أوجه الحياة، فكانت الملكة الحكيمة القادرة على إدارة شئون دولتها، والعالمة، والفقيهة، والأديبة، والناقدة، والفارسة المقدامة. شيئا فشيئا تقهقرت مكانة المرأة، وتضاءل دورها، وانكمشت صلاحياتها، وغدت مثل لعبة الشطرنج تحُركها الأيدي، من خلال استغلال جسدها في الدعايات التجارية، واستخدامها كواجهة في البرامج الغثة بالقنوات الفضائية، حتّـى أصبحت تحيا حياة ضبابية لا نبض فيها، اللهم إلا من محاولات مضيئة تنبعث على استحياء، من هنا وهناك، وبين حين وآخر.

هناك حكمة جميلة أطلقها أحد الحكماء، بأن المرأة قد أُخذت من جانب الرجل لتكون مساوية له، ومن تحت ذراعه لكي يحميها، وقرب قلبه لكي يحبها ويحترمها، ولم تؤخذ من رأسه لئلا تدوس عليه، ولا من قدميه حتّـى لا يُـهينها. * (2) أين المجتمعات العربية من هذه الحقائق الناطقة؟! كيف يمكن العودة إلى هذا الآراء الصائبة؟! في رأيي تغيير وضع المرأة يجب أن يبدأ بغرس هذه المفاهيم في فكر الأجيال الجديدة، من خلال كافة المؤسسات التربوية والتعليمية، حتّـى تشب على احترام المرأة كإنسان له عقل واع وكيان مستقل، وليست مجرد جسد خُلق لغواية الرجل. وتنقيح تراثنا العربي والإسلامي الذي تمَّ تشويهه، وإعادة صياغته من جديد بنهج موضوعي، ونبذ الأحكام الجائرة التي تحط من قدر المرأة، وإبراز الإنجازات العظيمة التي قدمتها المرأة على مدار التاريخ. * (3) فمن المعروف أن الكثير من الأوضاع المأساوية التي تعيشها المرأة اليوم، ما هي إلا حصيلة ثقافة ذكورية لا دخل للتشريع فيها، إضافة إلى الإسرائيليات ومخلفات العصور الوسطى الغربية التي تحط جميعها من قدر المرأة، والتي تمَّ حشرها في تعاليمنا الإسلامية حتّـى أضحت من المسلمات في موروثاتنا الاجتماعية. كذلك كان للعهد العثماني المظلم دور في تضخيم الأنا الذكورية، من خلال نظرته الضيقة المتحجرة صوب المرأة، بأنها خُلقت لمتعة الرجل وتلبية مطالبه الحياتية، مما أدّى إلى حصر أدوارها في تأدية واجباتها المنزلية ورعاية الزوج والأبناء.

لا أبالغ إذا قلت بأن المرأة إذا لم يُفسح لها المجال لتُشارك في صنع القرار، فلن يكون هناك نضج فكري، ولا تطوّر ثقافي، ولا تقدّم اجتماعي، لأن الأمم تّقاس من خلال احترامها لنصفها الآخر المتمثل في المرأة، فمن غير المعقول أن توضع تحت الإقامة الجبرية بحجة أنها ناقصة عقل ودين!! لقد حان الوقت لكي يضع الرجل يده في يد المرأة، دون أن يُعاملها على أنها أم الشرور ومبعث الرذائل في المجتمع، فكل إنسان رجلا كان أم امرأة وهبه الله نعمة العقل، لكي يُنتج ويُقدّم على مدار حياته ما فيه النفع لمجتمعه.

لم تتوقف نظرة العداء تجاه المرأة عند تحجيم مشاركتها في الحياة السياسية، بل تجاوز الأمر إلى الاستهانة بفكرها، وعدم الاكتراث بأدبها والنظر إليه باستخفاف كما ينظر لشخصها. سألني أحد الصحافيين.. أين النقاد عن أدبك؟! لماذا يحجمون عنه؟! هل لأنك تكتبين أدبا يتميز بالجرأة والمكاشفة؟! حرت بداية في كشف النقاب عن الحقيقة المرة. لكنني أقولها صراحة..إذا كنّـا نعيش اليوم زمن الانحطاط الاجتماعي والسياسي، فما العجب إذا أحجم النقاد عن الأدب النسوي!! للأسف النقاد الرجال وأستثني قلة منهم، ما زالوا يستهينون بنتاج المرأة، ويرون بأنه أدب بوح ومناجاة وأداة للتنفيس عما تعانيه من جور اجتماعي وقمع فكري، بمعنى أدق هو أدب يدور في منظومة غريزة الأمومة، والعاطفة المكبوتة، والهم الخاص، وانه بعيد كل البعد عن الواقع السياسي والاجتماعي العام، وهو ما جعلهم ينصرفون عنه بحجة أنه لا دور أساسي له في تطوير حركة التاريخ، وبالتالي لا وجود له في نسيج الأدب العربي. * (4)

في العالم أجمع ظلّت المرأة ملهمة الأديب والفنان، والتاريخ سجّل الكثير من النصوص التي كانت المرأة مصدر لإبداعه، بل إن بعضهم بنوا صروح أمجادهم الأدبية من رفات النساء. في الوقت الذي غضَّ التاريخ الذكوري الطرف عن الكثير من الإبداعات النسوية التي كان الرجل فيها مصدر إلهام للمرأة، من منطلق أن المرأة محظور عليها أن تُـطال قامة الرجل حتّـى لا تنتقص من قدره، وتطعن في رجولته، حسب ما يردده الموروث الاجتماعي!! بل إن المرأة التي تجاسرت وتمردت على هذا القانون الذكوري، أُعتبرت امرأة مسترجلة، تخلّت عن أنوثتها، لأنها تجاسرت ووطأت بقدميها أرضا غريبة عنها، بجانب إحاطتها بسياج من الشك والريبة، وتعرضها للمساءلة القانونية والاجتماعية. وهو ما يدفعني للتوقف عند ما قالته الأديبة غادة السمان، بأن المرأة المبدعة تتعامل مع إبداعها من خلال موروثها الثقافي، بمعنى كما أن الرجال قوامون على النساء، كذلك الأدب الرجالي قوام على الأدب النسائي. * (5) في رأيي هذا الواقع أصبح من مخلفات الماضي، فقد دفعت مؤخرا هذه الأجواء القاتمة بالأديبة العربية، إلى الثورة على واقعها، وإلى تحرير فكرها من نغمة العيب والحرام، حتّـى نجحت في تمزيق الأغشية الوهمية المتمثلة في العرف والتقاليد، وفي كسر “التابو” المحرم عليها، من خلال خلق عوالم حياتية تعكس واقع مجتمعها، إلى أن أصبح أدب المرأة اليوم يتميّز بالصدق الأدبي..

كثيرون يظنون بأن كشف النقاب عن سلبيات المجتمع من اختصاص الأديب الرجل، لكنني أؤمن بأن الأديبة المرأة لا يجب أن تُخلي مسئوليتها وتنفض يديها عمّا يجري داخل أروقة مجتمعها، فطالما لهيب السلبيات يلفح حرارته الجميع، وطالما الرجل والمرأة يخوضان غمار الحياة معا، ويتجرعان مرارة الواقع المعاش من كأس واحدة، يجب أن تُسخّر الأديبة قلمها في طرح قضاياها، وفي المطالبة بحقوقها كون المرأة المثقفة وحدها القادرة على انتزاعها، لأن الحرف لا يعترف بالمسافات، ولا يخضع للجنسيات، ولا يتوقف عند الحواجز، والقلم الحر لا يهاب الأمواج العاتية ولا تضعفه عواصف التهديد، وقادر الاستحواذ على العقول يوما.

لقد شعرت بسعادة غامرة حين علمتُ بأنه قد تم درج اسمي ضمن مقرر شعبة الأدب العربي بكلية الآداب الرباط المغرب، أدركتُ بأن كفاحي لم يذهب سدى، وأن فكري أصبح قناة قوية أعبر من خلالها لعقول الأجيال الجديدة في مجتمع عربي تعوّد على الاحتفاء بنسائه المثقفات. لقد ولدتُ ونشأت في مجتمع ذكوري اعتاد أن يلوي عنق المرآة باسم الدين، وأن يُدير وجهه عمدا عن الأقلام النسائية سنوات طويلة، لكنني أيقنتُ مبكرا بأن الله قد منحني نعمة الموهبة، لحظتها قررت أن أمزّق بأظافري أستار الخوف، وأن أوجد لنفسي مكانا داخل مجتمعي، لإيماني بأن الأديبة تختلف عن غيرها بما حباها به الله، وأن واجبها يحتم عليها أن تواجه الرياح العاتية، حتّى تطرح غرستها، ثمارها في عقول البراعم القادمة، وينتشر فكرها داخل أروقة مجتمعها، مما يعني أن دفة التاريخ قد غدت موجهة لصالحها، وأن الطريق قد أصبح ممهدا أمامها لتعزز مواقعها، لكي تبدأ خطوتها الحقيقية لتشارك مشاركة فعلية في القرار السياسي بوطنها، الذي من بوابته الواسعة تستطيع المرور بيسر لتغيير واقعها الاجتماعي عندما تُشرق شمس الغد.
زينب حفني كاتبة وروائية وشاعرة من المملكة العربية السعودية تقيم في بريطانيا

(ألقيت هذه المساهمة أشغال الندوة الدولية النسوية الأولى التي اعنقدت في موضوع «المرأة والإبداع»، أيام 25- 26- 27 أبريل 2005، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال التابعة لجامعة القاضي عياض بالمغرب)

الهوامـــش :
(1) موسوعة أقوال الفلاسفة والحكماء في عالم النساء.سيد صدّيق عبد الفتاح. دار المسيرة/ بيروت، طبعة أولى عام 1988م ، ص185
(2) نفس المصدر السابق. ص22
(3) المرأة العربية في القرن العشرين. د. بثينة شعبان. دار المدى/ دمشق، طبعة أولى عام 2000م ، ص 265
(4) نفس المصدر السابق. ص 233 ، ص 259
(5) المرأة والكتابة. د. رشيدة بنمسعود. أفريقيا الشرق/ المغرب، طبعة ثانية عام 2002م ،ص 80

نشر في 9/05/2005 8:40:00

‫0 تعليق