أبو إسماعيل أعبّـو: سؤال التجنيس في الكتابة عبر النوعية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لا يتسنى للكتابة الأدبية أن ينتظم بناؤها النصي، وأن يستقيم تصورها للأدب، إلا إذا أثارت في مكامنها سؤال تجنيس الكتابة.
ولعل الناظر عن كثب في هذا السؤال، يجده سؤالا مزدوجا في ذاته فمنه:

أولا، سؤال “المحايثة” ( L’immanence ) الذي يدلنا على: ما التوسيمات الجنسية (الشكلية والدلالية والبلاغية) التي تُبنين كتابة مّا تبعا لبنية جنسية قارة، تحد نظائرها بالجمع والمنع؟
ثانيا سؤال “التناص” (L’intertextualité) الذي يدلنا على: علائق التجانس التي تعقدها كتابة مّا مع أجناس أدبية أخرى، تتراكب في صميمها مع جنسها، وتتحاور معها في منظومتها التأليفية الافتراضية؟
وهما سؤالان يهجسان بكتابتين متباينتين:
أولاهما، مغلقة تقصر آنتظامها على ترسيمة جنس أدبي، تترسم نمذجته حتى لا تحيد عن ثوابته.
إنها كتابة تقرن ببعد المكان، إذ تعقلها الذات الكاتبة من خلال تصور “ماهي” للأدب يجعل الانتظام فيها مطلقا سابقا عن وجودها، يحول دون اندراجها في بعد الصيرورة الزمنية.
ثانيتهما، مشرعة على أجناس أدبية شتى، تتقاطع في جنسها وتتآلف معها، فتبدو متراكبة لها من الطواعية ما يبديها جنس أجناس.
إنها كتابة تقرن ببعد الزمن، إذ تستوعيها الذات الكاتبة من خلال تصور وجودي للأدب، يجعل الانتظام فيها نسبيا، لا يعدو أن يكون ضربا من الاصطلاح الافتراضي، الذي لا تلبث أن تعدل عنه إلى آخر مختطة لنفسها مسالك حرية الاحتمالات، التي تفضي بها جدلا إلى المدار الحداثي الذي طالما استأثرت كتاباته باهتمامات الكتاب والنقاد، لما يستتيحه لهم من إمكانات إبداعية وتأويلية.
إلى فلك هذا المدار الحداثي، انشد المبدع المصري إدوار الخراط، فاستخلص منه مفهوم الكتابة عبر النوعية، أو العابرة للأجناس، هاته الكتابة التي استجلاها في القصة-القصيدة ما دامت قد تمثلت استراتيجيتها، واعتملتها في تراكبها، وتناسق مستوياتها اللغوية، وبناها الحكائية، وحتى نكون على بينة من هذا الإعتمال سنكاشف بالتأويل كتاب “إدوار الخراط”: الكتابة عبر النوعية. مقالات في ظاهرة القصة-القصيدة(1) الذي حاول فيه صوغ مفهومه السابق (الكتابة عبر النوعية)، على منحى هاته القصة، التي ما فتئت تشترع آفاق كتابة الإختلاف، وتضفي على نفسها صبغة الجاذبية والإشعاع في نفس الوقت.
فما الإشكالية التي ما انفك هذا الكتاب يستثير أسئلتها؟
تختزل هاته الإشكالية في سؤال: ما استراتيجية اشتغال الكتابة العابرة للأجناس في القصة-القصيدة؟
قد يسعنا أن نستشف هذا السؤال-الإشكالية في رحابته، من خلال الأسئلة التي انبجست عنه في ثنايا المباحث التي يتمفصل إليها الكتاب.
تدلنا هاته الأسئلة مختزلة على ما يلي :
ما فحوى الكتابة عبر النوعية أوالعابرة للأجناس؟
ما الغايات التي ترتسمها لنفسها؟
أي استراتيجية حكي تعتملها في تجلي القصة-القصيدة؟
ما النواظم التي تنتظم وفقها هاته الاستراتيجية؟
وما تمايزاتها وتجاوزاتها في هاته القصة؟
إزاء ما افترضه إدوار الخراط، بصدد هاته الاسئلة-الإشكالية، يبدو مفهوم “الكتابة عبر النوعية” رديف مفهوم “النص المفتوح على الأجناس” وبديله، فهو يجلو بدقة متناهية، الاهتجاس بكتابة متراحبة الأفق، تتحرر من ربقة منطق الهوية الجنسية الثابتة، وتهد التخوم بين الأجناس التقليدية والفنون الجميلة، فتنشرع وفق مبدإ الإختلاف عليها انشراعا يبديها جنسا طليقا، أو كتابة حداثية، لا تني تهاجم المستحيل، فتبدو مغامرة مستمرة وانزياحا دائما، عما ارتسمته الأشكال التعبيرية والمأثورات التاريخية، هكذا تتخذ مجالي مركبات جديدة تتمثل في كتابات: القصيدة السردية، أو الرواية السمفونية، أو الرواية-القصيدة، أوالقصة التشكيلية، أو القصة المسرحية، أو القصة المسرحية الشعرية، وغيرها من التوليفات الجنسية المحتملة.

لذا فهي كتابة تتوق دوما إلى أفضية الاحتمالات التجنيسية، التي تستتيح لنصوصها إمكانات للتعدد والتحاور المتراحب، الذي تعقده مع النصوص التي تتناص معها، والقراءات التي تستقرئها.
ولعل من تجليات هاته الكتابة الإختلافية، ما يسمه إدوار الخراط بوسم “القصة-القصيدة”، ففي هاته القصة، يتداغم جنسان أدبيان تداغما يمحو التمايزات بينهما، ويبعدهما عن حديهما، فيتخففان من صرامتهما التوصيفية التقليدية في كتابة أخرى مغايرة، إذا ما ولجنا إلى صميمها ألفيناها مركبا “جنسيا” جديدا، يتحرر من أي طقسية نمذجية سواء كانت للقصة القصيرة أو للقصيدة البحتة، ويجعلنا في تجانس حواري نقرأ فيه السردي من خلال الشعري والشعري من خلال السردي، دونما انصياع إلى أي ترسيمة جنسية قارة.
إن هاته الكتابة –”حسبما نظر لها “إدوار الخراط”- تصدر دوما عن تصور فلسفي أو تأملي، وعن رؤية محددة ودقيقة لجدلية الذاتي والموضوعي، مرتهنة من حيث الإشتغال باستراتيجية تتبين نواظمها في ما يلي:
أولا، تقليص الدوال اللغوية وتثبيت المداليل، حتى تقصر بهما الحكاية على حيز مكاني ضيق جدا، وتوسم بالإيجاز والكثافة والتركيز وإيقاعية التشكيل، وترادف – بما أودع فيها من إيحاءات شعرية- الومضة أو البرقة أو الإلتماعة.
ثانيا، تسريد السرد متآلفا مع الشعر، حتى تنزاح الكتابة من جهة عن القصيدة البحتة، بترجيح الحكي على الشعر، ومن جهة أخرى عن القصة القصيرة بالاستعاضة عن الوتيرة السردية الأفقية، المنتظمة خطيا على محور العلاقات التراكبية (Rapports syntagmatiques) بالوتيرة السردية العمودية، المتداعية على محورالعلاقات الاستبدالية (Rapports padigmatiques) التي تتبع استرسالا حكائيا متعدد الأبعاد، يتخذ مجلى سردية جوانية كامنة.
إن الكتابة بآستراتيجية التميز هاته، تستحدث مركبا إبداعيا جديدا مغايرا، لا يفيد التجاور بين جنسين ضديدين، وإنما يفيد التدامج والتصاهر أو- بتعبير “إدوار الخراط”- التمازج والاندغام(2).
إنه مركب تعدل به الكتابة عن أفق الكتابة التقليدية، وتختط لنفسها مسالك تعبيرية ترتهن بمبدأين متكاملين ومتزامنين وظيفيا:
أ‌. مبدأ “المحايثة النصية” الذي ينكشف إذ تنتظم المستويات اللغوية، وفق ملمح مميز وفارق يتمثل في الوجازة والتكثيف والتركيز.
ب‌. مبدأ “التناص” الذي ينكشف، إذ ينشرع النص لتسريد الشعر وفق آلية سردية جوانية، وتشكيل اللغة إيقاعيا، واستلهام طقوس تعبيرية أخرى.
وهما مبدآن تؤشر بهما القصة-القصيدة على مرادفتها الفن الحركي الذي يجسد ” مغامرة إبداعية ومهاجمة دائمة للمحال”(3).
إن هذا التوصيف النقدي، الذي تواترت إحالات إدوار الخراط إليه، أملاه تمرسه بكتابته وبكتابات أخرى، وقد اسجلاه إجرائيا إذ قارب بالوصف والتأويل كتابات يحيى الطاهر عبد الله، وبدر الديب، واعتدال عثمان، ومحمد المخزنجي، ومنتصر القفاش، وابتهال سالم، وناصرالحلواني، ونبيل نعوم جورجي.
وحتى نكون على بينة من هاته المقاربة، سنسعى إلى تخليصها من متشابكاتها، وحصر مستخلصاتها في تراتبية المستويات اللغوية، التي لاريب أنها ستسد الخلل وتتدارك الوهن، الذي اعترى المقاربة من حيث التنسيق المنهجي.
فما هي مدارج هاته المقاربة؟
أولا، المستوى الصوتي:
إن الصوت الذي يشكل أصغر عنصر لغوي ضمن النسيج اللغوي، يتخذ في القصة-القصيدة منحيين جماليين:

أ‌. دالي يتبين في تعاقبه “التيبوغرافي” بتشكيلاته الإيقاعية المتجانسة، التي توقفنا على ما يسميه “إدوار الحراط” بتقنية موسيقى الحروف، أو ما يسميه أحيانا بالمحارفة أو التتابع الجرسي للحرف(4).
ب‌. مدلولي يتبين في استحداث للحرف مدلولات جديدة، وأبعادا جمالية دلالية أو رمزية، كما كان يستحدثها الصوفيون.
ثانيا، المستوى المعجمي:
هذا المستوى تتواصل ألفاظه، وتتناسق مشكلة حقولا معجمية، توصف بالتناص اللفظي، والاقتصاد اللغوي، والكثافة الدلالية، إذ تنتظم وهي:
أ‌. تنشد إلى كلمة محورية معلنة أو مضمرة، ينعتها “إدوار الخراط” بنعت “الكلمة المفتاح”(5) التي بهديها يتم اختراق النص، والولوج إلى سراديبه الرمزية. فهي “طيمة” تلقي بظلالها الوارفة على النص بأكمله فتسم أبعاده التأويلية بميسمها(6).
ب‌. أو تنصهر في ثنائية، تختزل إجرائيا في لفظين يشكلان قطبين دلاليين متلاحمين، تلاحم تكامل وجدل: ( الوجود والفن/ الفن والحب/ الأنا والآخرالمتكامل معه/ الكتابة والتواصل/ الحب والمعرفة…) أو متضادين تضاد تفاصل وتفارق: (البراءة والقسوة/ الحياة والموت/ القمع والقسوة…).
فكل ثنائية تستوعب من الألفاظ ما يؤشر عليها، ويهب للنص تناسقه المعجمي وبالتالي الدلالي.
ج. أو تتضام حول بنى حكائية، تحتل ركنا كيانيا في معمارية النسيج الحكائي كبنى: الشخصية، والسارد، والزمان، والمكان، التي تشكل أنساقا حكائية ضرورية لآسترسال الحكي.
إن ألفاظ هذا المعجم كثيرا ما تنسب إلى: الفلسفي، أو الصوفي، أو الشعبي، أو الأسطوري، أوالعامي، أو كنوز الأدب العالمي، وتأتي متخففة من أسلوب التقصي، والغوص وراء دقائق التفصيلات، والتراكمات الوصفية، التي توقف زمنية الاسترسال، وتثبت حركيته السردية وتوهم بالواقعي.
فهي إن استوحت المركبات الوصفية، فماهذا الاستيحاء، إلا لتكتمن ضمنها صورة سردية لحكاية باطنية.
ثالثا، المستوى التركيبي:
هنا تضفي خاصيتا الإيجاز والتكثيف على أنسجة البناء التركيبي النحوي، صبغة مميزة تنكشف بجلاء في انتظامها وفق جمل قصيرة مختزلة، تكون:
أ‌. مسترسلة، إذ تصل بينها قرائن دالة على استرسالها، فتأتي متوالية يرتبط السابق منها باللاحق ارتباط العلة بالمعلول، أو تأتي حلقية ارتجاعية تعكس ذاك البحث الدؤوب عن الاطلاقي-الفني، أوالصوفي المتسامي، أوتأتي انسيابا طباقي الايقاع، يتمثل في المقابلة بين منحيين متناغمين: أولاهما شاعري، والآخر واقعي، يدلان على جدلية الضديدين وتأثير الواحد منهما في الآخر.
ب‌. متقطعة، إذ تتراصف متواليات لغوية الواحدة تلو الأخرى، على شاكلة شذرات متنافرة من حيث الدلالة التقريرية، ومتجانسة من حيث الدلالة الإيحائية، التي تستوحى في النهاية على شاكلة ملمح دلالي كمين، أو سلك مضمر يصل المتواليات، كلما تواترت في القصة التي تتنزل منزلة “النص المتشظي”، الذي لابداية له ولانهاية، وإنما له وقع يحدثه في القارئ، حالما ينهي قراءته ويتفرغ عنه.
وتتخلل هذا التقطيع وذاك الاسترسال، تقنيات أسلوبية تتبين في التلاعب بالضمائر، حيث تزدوج الشخصية، فتكون رؤيتها بضمير المتكلم المؤنث تارة، وبضمير المتكلم المذكر تارة أخرى، أو تتبين في التعبير عن الماضي بصيغة المضارع، حتى يوضع موضع السؤال لا موضع التقرير النهائي، أو في التسمية بآسم الفاعل ليرادف الإسم فعلا مستمرا حركيا، أي حاضرا مضارعا على الدوام، أو توظيف حرف العطف الواو للدلالة على استمرارية المحكي، وعلى أن بدءه لاحق يُتم سابقا عنه، إلى غير هذا من التقنيات التي تدل على جدة هذا التيار الأدبي وغناه الإبداعي.
رابعا، المستوى الدلالي:
يقوم هذا المستوى على مغايرة وحدوية البعد الدلالي، مما يجعل لغة اشتغاله متعددة الأبعاد الدلالية، تجنح إلى النائيات الاستعارية بالموجز والمكثف، وتستوعب بفضل ما أودع فيها من طاقات إيحائية، مجالات دلالية متعددة تختصر في الثنائيات التالية: الوجود والعدم/ الفن والوجود/ الشعر والتراث/ الشريعة والحقيقة/ الهوى والعقل/ الجب والمعرفة/ الميلاد والموت/ الميلاد والخلق الفني/ المعرفة والعقاب الحتمي على جرأتها/ الموت وانبعاث الحياة منه/ مساءلة الوجود ومساءلة النص/ المتعدد والواحد/ الكتابة والتواصل/ الأنا والاخر/ الزمكان واللازمكان/ الموت والانبعاث في جسد بعد جسد…
وهي ثنائيات تستثيرها الدلالة، آخذة بأسباب من القص الشعبي، والخرافي، والأسطوري، وألف ليلة وليلة، وقصص العجائب العربية، والقرآن الكريم…
مما يعدد احتمالاتها الترميزية، ويسفر تبعا لتواتر تجلياتها النصية في صيرورة جدلية دؤوب، على انزياحات البنى الحكائية.
فهاته البنى تنفلت من إسار النمذجي، وتنساق وراء الخارق واللامنتظر، فتتخذ المجالي الافتراضية التالية:
· الراوي يكون راويا ومرويا عنه، أي شخصية كباقي الشخصيات الحكائية.
· الشخصية تتماهى مع أخرى، فيتعدد وجودها وتتضاعف هوياتها، وتتوحد فيها المتضادات.
· السرد يتحرك تبعا لحركة جوانية متآلفة مع حركة شعرية.
· الوصف يتقلص حيزه تقلصا شديدا، فلا يتراحب إلا في ما يوحي به من صور شعرية.
· الزمن يصبح مبهما، أو منتفيا، أو منصهرا مع المكان والشخصية في بوثقة واحدة، تلغي التغاير وتعلي إلى المطلق بمعنى من المعاني، بحيث تخرج الحياة عن قيد الزمنية.
· المكان يتراءى “هيولى” متنافرة، أو منعدمة الشكل، مجردة من الأبعاد الجغرافية.
· الحوار يسترسل، فلا يقف سؤاله بتاتا على جواب قار قاطع.
وإذ تتعدد انزياحات بنى هاته الكتابة، تتعدد قضاياها، فتوصف بوصف الكتابة السؤالية، التي ترفد الإبداع برفد إبداعي خصيب، يكسبه طواعية التحاور، وخلخلة أفق التوقعات .
إن هاته المستويات اللغوية(الصوت، المعجم، التركيب، الدلالة) التي حاولنا استجلاءها، بآعتبارها تدل على ترسيمة افتراضية، لاشتغال البنى اللغوية للقصة-القصيدة، تهجس حسبما يبدو بلغة بليغة تقصر الحكي على الجوهري منها، حتى تكون لغة اقتصادية إيحائية توحي بموحى ما، ولاتبوح به كل البوح، بهذا تكون موجزة ومكثفة وافتراضية .
إنها لغة الجوهري السرمدي المنشرع دوما على آفاق إبداعية أو نقدية رحبة.
بهذا الانتهاج المنهجي، وعلى مهاد تلك النواظم اللغوية، حاولنا استيضاح المستخلصات، التي استخلصها “إدوار الخراط” من خلال مكاشفات وصفية وتأويلية، أبان خلالها “كفاءة موسوعية” قلما تتوفر للنقاد الذين يشتغلون على ما يناظر كتابة موضوعه.
ولنا هنا، أن نتأنى عند سؤال لم يتوان ناقدنا عن طرحه، وهو سؤال المغايرة والتجاوز:
ألا تؤول القصة-القصيدة إلى تجاوز قصة الحساسية الجديدة، التي نظر لها الناقد في الكثير من كتاباته؟
إن ناقدنا المبدع، بعدما أرهف السمع إلى القصة-القصيدة، وآستجلى إيقاعها الحكائي المتراحب، رأى من المناسب التاكيد على هذا التجاوز، ونعت الكتابة المتجاوزة- التي طالما أرخت ظلالها الوارفة عليه وعلى آخرين- بنعت “الحساسية الجديدة التقليدية” التي أضحت إواليات اشتغالها، تسري مسرى المقومات الأولية، التي تتداولها الكتابات وتصهرها في نسيجها، فتبدو مبتذلة وفطرية تقريبا.
إن القصة-القصيدة لاتنزاح عن هاته الحساسية انزياح قطيعة، فلا ريب أنها ما انفكت تمت إليها بوشائج حميمية، غير أنها إذ تستوعب أفق كتابتها، الذي لم يعد يحتاج إلى تسويغات نقدية، لاتلبث أن تتجاوزه في الآن ذاته.
ولعل الملمح المميز للتجاوز هنا، يتجلى في آلية سردية جوانية، في آلية دينامية فعالة متعددة النغمات، لها أكثر من مستوى واحد للحركة، تقوم على الوجازة والكثافة والتركيز، فتكون الشعرية قطب الرحى في القصة-القصيدة مهما تعددت إواليات الاشتغال.
ولعل السؤال الذي يستحثنا في هذا السياق لطرحه هو:
أكتابة القصة-القصيدة تقصر حركتها على تخوم هذا التجاوز؟
أتتوقف عند هذا التجاوز دون أن ترتاد آفاقا أخرى؟
إن هاته الكتابة – تبعا لما آستخلصناه- لا يحركها هاجس تجاوز كتابة الحساسية الجديدة، بقدر ما يحركها هاجس الفن المتحرك، ذلك أنها تصادر على مبدإ “الصيرورة الهرقلطيسية”، فتبرز كتابة مسترسلة ” تستمر في كتابة ذاتها إلى آخر مدى”.
ألا ترى أن الكتابات المنضوية تحتها، إذ تتقاطع -عند قواطع مشتركة- تبادر كل واحدة منها على حدة، إلى تشكيل مسافة جمالية تنأى بها عن أخرى وتضفي على ذاتها صبغة مميزة؟
إنها كتابة تستشرف دوما المستقبل، فتنزاح عن سابقاتها في تخلق آخر.
وقد يكون من المتعين بعدما جلونا إشكالية البحث، وافتراضاتها في شأن الكتابة عبر النوعية وتجليها في القصة-القصيدة، أن نتجه إلى استجلاء المسرب النقدي الذي آثره الناقد “إدوار الخراط” لمكاشفة المتون، فما هو هذا المسرب؟
تتبصر القراءة النقدية بموضوعها تبصرا يتأرجح في كتاب: ” الكتابة عبر النوعية ” بين رؤيتين متباينتين:
أولاهما، متجانسة شمولية، تتوخى النفاذ إلى النص، حتى تتحرى استبدالاته الدلالية، وأبعادها الترميزية والنواظم التي تنتظم وفقها، ضمن النسق اللغوي للنص بأكمله(7).
ثانيتهما، متنافرة تجزيئية تقصر ذاتها على أجزاء نصية، تعزلها عن نسقها اللغوي الذي استوعبها، فلا تتساءل عما يلم تلك الأجزاء من وشائج مؤلفة للنص(8).
في كلتا الرؤيتين، تنكشف القراءة نشاطا إجرائيا، تتلابس بلغة خطابها النقدي خمس لغات:
الأولى، تأويلية تستثير أسئلة موضوعها، حتى تحاوره وتتحدث معه بدل التحدث عنه، فهي لغة لاتختزل في سؤال عقيم: “ماذا يريد الكاتب أن يقول؟” أو ” ما معنى هذا؟(9)”، ذلك أنها لغة تتفاعل مع موضوعها على شاكلة “التفاعل الخميائي” فينبجس عنها موضوع مركب جديد.
إن هاته اللغة التي كثيرا ما تنطوي على تساؤلات، تجد أبين دليل يدل عليها في مبحث: “قراءة ممكنة في سبيل الخروج إلى معنى(10) ” حيث يقارب الناقد ” تلال من غروب ” لبدر الدين بلغة ” النقد الحواري “.
الثانية، شعرية تصاغ بأسلوب إيحائي تنفسح دلالاته على النائيات الاستعارية، فتتراحب اللغة النقدية بما تستثيره من احتمالات تأويلية.
حتى نكون على بينة من هاته اللغة نستحضر ما أورده الناقد بصدد مقاربة نصوص ” تلال من غروب ” لبدر الديب:
” هي أساسا محور المغيب المتوهج بنور شفق محرق وساطع، والأفول المتقد بجوهرة شمس ما زالت حارة بل مضطرمة، الاقتراب من النهاية المتصورة بيدين ملؤهما كنوز لا تنفذ بطبيعتها(11) “.
بذا تستحيل اللغة النقدية شعرا على شعر، فلا تلبث هي الأخرى أن تبعث المتلقي على افتراض عدة افتراضات تأويلية.
الثالثة، مناصية (paratextuelle) تشتغل بموازاة اللغة التأويلية “المحايثة” لموضوع المقاربة، فتبدو لغة ذاتية تنهل من معين التجرية الإبداعية للناقد، فتكون تبصرا بتجربته القصصية، بآعتبارها تتناص مع تجارب “القصة-القصيدة”، وتتمايز في الآن ذاته عنها من حيث أفق الكتابة.
مثال هاته اللغة نقف عليه، إذ يقول الناقد في سياق مبحث: أفكار أولية عن “القصة-القصيدة”:
“هناك بعض النصوص عندي، تقترب في وجه من أوجهها العديدة من هذا النوع من القصص، بل إنني أعتبر “رامة والتنين” على سبيل المثال “رواية-قصيدة” دون أدنى تحفظ”(12).
الرابعة قيمية تأثرية انطباعية صادرة عن شعور مبهم غير معلل، إنها لغة تستقرئ آنفعال الذات بجمالية لغة أخرى، تبعا لمركبات معجمية تتخلل اللغة التأويلية: ” الحكاية الكفء، الجيدة، حسنة النية جدا، شائقة، غنى اللغة اللفظية، حرارة الأشواق، حسن المعنى، ذكاء التعليق، رهافة الحس…).
فهناك كم وافر جدا من هاته المركبات في مبحث:” من التقاليد الإدريسية إلى القصة-القصيدة”(13).
الخامسة، اختزالية تختزل في سياق الاسترسال النقدي، دلائل نصية مجردة من أبعادها الاستعارية وتنوعاتها الدلالية، في متوالية تبدي النص المختزل مفرغا من أدبيته، ومما يستثير جدلية الحوار معه.
إن هاته اللغة نعاينها في ما يلي: ” أعرف قصصا مثل (أمام بوابات القمح) لمحمد المخزنجي، حيث يتجمع الأولاد، في موسم حصاد القمح، كل يحمل قلة ماء ممتلئة وطبقا فارغا وكيسا فارغا من قماش، يحصل كل منهم على ما استطاع من قمح، من عمال الحصاد، مقابل شربة ماء، ويتآمرون على “زمزم” أجمل البنات وأحذقهن وأطيبهن…(14)”.
هكذا تسترسل اللغة إلى أن تختصر القصة بأكملها في أسطر تغيب جماليتها النصية.
وتظل اللغة النقدية، مهما تعددت تجلياتها تحتكم إلى مواصفة آنية موضوعية، تروم بما أودع فيها من كفاءة تأويلية موسوعية، استقراء ما تكتمنه لغة أخرى بمفاهيم مستوحاة من الاشتغال النصي ذاته، فعن هذا الاشتغال تصدر المفاهيم وإليه ترتد، دون أن تتوالج مع المفاهيم اللغوية الحديثة، أو تصدر عن رؤية منهجية مسبقة.

أبو إسماعيل. أعبو (المغـرب) [email protected]

هوامـش
(1) . إدوار الخراط: ( الكتابة عبر النوعية) مقالات في ظاهرة “القصة-القصيرة”، ونصوص مختارة، دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط:1، 1994، القاهرة.
(2) . نفسه، ص: 28.
(3) . نفسه، ص:124.
(4) . هذا المنحى الذي يشير إليه “إدوار الخراط” إن كان يجد تجليه في بعض العناوين، فإنه في الكتابات لم يؤخذ بعد مأخذ الجد، انظر، ص: 49 من نفس المرجع.
(5) . نفسه: ص: 43.
(6) . من أمثلتها “طيمة” الخروج في “يونس البحر” لاعتدال عثمان، التي تتنزل منزلة المبدإ المنظم للنص بأكمله، انظر: (ص: 43…46)، من المرجع أعلاه.
(7). حسبنا دليلا على هاته الرؤية مبحث: “يونس البحر”، حيث تقارب نصوص اعتدال عثمان، ص: 14…
(8) . يدل على هاته الرؤية مبحث أفكار أولية عن “القصة-القصيدة”، حيث يقارب الناقد قصة “الضحك” ليحيى الطاهر عبد الله، مقتصرا على شذرات نصية منها، انظر، ص: 19 من مرجعنا أعلاه.
والواقع أن الناقد لم يجد بدا من هاته الرؤية لذا برر آعتماده عليها كما يلي:
” صحيح أن الشعر-أو النص “عبر النوعي”- لا يمكن ولايجوز أن تنتزع منه الفلذ وأشلاء المعاني على هذا النحو الوحشي الذي أفعل، عذري الذي لا أتوقع له قبولا، أنني أخطو مع القارئ على طريق، قد يستعصي سلوكه إلا بمثل هذا الإجراء”، انظر: ص: 29 من المرجع أعلاه.
(9) . أتى بهذين السؤالين إدوار الخراط لآستيضاح ما تنأى عنه لغته التأويلية، انظر، ص: 99.
(10) . نفسه، ص:27…
(11) . نفسه، ص: 29.
(12) . نفسه، ص: 21.
(13) . نفسه: ص: 61…
(14) . نفسه، ص: 62…

نشر في 22/04/2005 8:30:00

‫0 تعليق