الروائي المغربي الحبيب الدائم ربي: مهما انتصرنا للحياة يظل الموت هو هاويتنا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

مبدع يحضن البحر بقلبه الكبير الذي يسع كل الأرض، خاصة إن كانت “بنورية” (نسبة إلى سيدي بنور) حيث مهجع الروح ومربط الصبا. كائن مشدود إلى المكان الدكالي( في إحالة إلى قبيلة دكالة الشهيرة) بشكل يكاد يكون وثوقيا. ما بين “الجديدة” و”سيدي بنور”يحرص مداد الانوجاد لديه على الحضور المتواصل .حيث أبدع في الرواية والقصة والنقد والعمود الصحفي. محققا بذلك رصيدا وافرا من الكتابة.

لن تعرف الحبيب الدائم ربي جيدا حتى تجلس إليه. وإذا جلست إليه حتما ستصاب بالغواية الكبرى. غواية عشق الصدق الإنساني والأريحية، والنهل من ينبوع مبدع أصيل. بمناسبة صدور روايته الأخيرة “زريعة البلاد” عن دار الأحمدية للنشر كان هذا الحوار:

  • قلتَ مرة هناك، دوما، أسباب نزول ترافق العمل الإبداعي حتى خروجه إلى الوجود ، ترى ما هي أسباب النزول التي أطرت “زريعة البلاد”؟
    ** قد تكون تلك صيغة من صيغ الكلام ليس إلا. مادام العمل الإبداعي ليس وحيا يتنزل من السماء، وإنما هو انبجاس جواني لطاقة يتم تحريرها – في لحظة ما- عبر فائض قيمة من الصوغ الجمالي. إنه فعل مخاضي بعيد المدى تعمل مشترطات خارجية، أحيانا، على تسريع تحققه من دون أن تكون السبب الوحيد فيه. ولعل أكوام القش الذي قصمت ظهور بعراني (جمع بعير) في “زريعة البلاد” ، هي باختصار، ما خبرته شخصيا ، في السنوات الأخيرة ، من فقدان للخلان وتدمير للقيم والأوطان.
  • “البنورية” حاضرة في “زريعة البلاد” كخلفية مكانية تسند العمل ككل، وتؤطر وجوده. كيف هي علاقتك بالمكان علما بأنك ظللت وفيا للمكان الأول (سيدي بنور)، وأنت حريص على أن تزاوج في إقامتك ما بين مدينة “الجديدة” و”سيدي بنور”؟
    ** آه من جرح المكان! البنورية مجرد استعارة لفضاء آخر بات ينأى مع الأيام هو منطقة الشعاب في الأقاصي من أرياف “دكالة”- الحاضنة لسلالات فريدة من الناس- حيث كرت طفولة بئيسة ورائعة بين الشناقر والفقر الجميل. هناك أيضا كنا غرباء كما نحن الآن في المدينة. مرارا استباح الأعداء أرضنا الصغيرة . مازلت أذكر، كما لم أنم ليلة، كيف كانت ثيران الحرث والجمال تدوس جسد الوالدة الضئيل الهش، وولد علال- هذا هو اسم الزلمة المرتزق- بسوطه ينهش ضلوعها بقسوة. كنت صغيرا ، حتى لا أقول جبانا،لا أقوى على الذود عن بقعة أرض ضيقة بحجم العالم. في المدينة أيضا عانينا كثيرا من ظلم حديثي النعمة وأدعياء التمدن لا لشيء إلا لكوننا كنا حتى السنوات القليلة الماضية كسلاحف تحمل بيوتها فوق ظهورها. أي لا نملك بيتا صغيرا يستر بداوتنا. من ثمة فعلاقتي بالمكان وثقى ومهزوزة معا لأن أحلامي وذكرياتي غير مستقرة في مكان بعينه كما كان ينبغي.
  • هل هو نوع من رد الاعتبار للثقافة الشعبية في هذه الرواية، على اعتبار أنها تعرضت للإقصاء كما هو حال المناطق القروية النائية التي يتم الاحتفاء بها أيضا داخل هذا العمل؟
    ** ربما هو كذلك. بيد أنه رد اعتبار للرواية أيضا بإخراجها من وهم التمدن واستنساخ التجارب من الكتب لا من الحياة. أكثر من ذلك فرغم أنني خبرت المدينة وعشت بها أضعاف عيشي بالبادية إلا أنني أكثر دراية بروح الريف ونبضه من روح المدينة ونبضها.
  • في أحد حواراتك الجريئة والدامية بواقعيتها كشفت عن طفولة صعبة وقاسية. كيف يمكن القول بوجود تقاطعات بين هذا المحكي الشبه سير ذاتي وبين خطوط ضامرة من واقع يقسو ويضغط علينا بكلكله؟
    **حين أكون الشاهد الضحية والشهيد الحي لا أعرف كيف ولم علي افتعال الحياد . الحياد مؤامرة ضد تاريخ الأهل والسلالة. ليت اللغة كانت قادرة على الذهاب إلى أقصى ممكناتها لتصور الفاجعة. لا يتعلق الأمر هنا بمتخيل وكفى، ولا بمجاز مرسل يستعيد الذكريات بغير قليل من الافتعال. إنه نزف راعف أبدا . الخيال إهانة لواقع يفوق الخيال. لقد خبرت جيدا كيف تكون أقسى وأقصى درجات البؤس والفاقة مع الكبرياء حيث لا يلتقيان إلا ليزيدا الكية كيتين. لو طاوعت الأداة أكثر لكانت المقايسة مع ما عاناه هنري ميللر وغابرييل غارسيا ماركيز ومحمد شكرى مجرد دعابة . لا شيء يمحو من الذاكرة عذابات الصبا في البحث عن الخبز المر والكبرياء الصعب.

*هناك آداب دول وقارات اكتسبت عالميتها وصيتها الكبير بتركيزها على محليتها والنبش في أغوار تراثها. و”زريعة البلاد”-كعمل إبداعي- أعطى لمنطقة” الشعاب” و”البنورية” حقهما، على اعتبار أن للمنطقة حقا ودينا عليك. فأنت سليل تربتها وفارس أغوارها، فهل رددت بعض من دينها؟ وهل يمكن القول بأن هناك كتابة جديدة ، بدأت تتضح معالمها، تركز على فضاء البادية كروايات نور الدين وحيد وأحمد بلعيطوني؟
** نعم هناك تحول في كتابة الرواية بالمغرب يخوضه بصمت كتاب يوحدهم هاجس المصالحة بين الرواية والبوادي الأكثر أصالة وتعقيدا من التجمعات السكنية اللقيطة المسماة مدنا على غير وجه حق. كتاب لا يستعيرون أصواتهم من الكتب والكارت بوسطالات بل من وهج الحياة وعنف المخيال البدوي.الكتاب الذين تفضلت بذكرهم هم نماذج من البدو المتحضرين وفقا لمقاييس الحياة والكتابة. هم ومماثلوهم قريبون مني حد التماهي مع بعضهم . لربما هم يطمحون إلى منجز روائي له نكهة المحلية بما هي جوهر كوني. من ثم فإن اهتمامي بمسقط الرأس والفأس ليس بالضرورة تكفيرا عن تقصير بقدرما هو غوص في البئر التي بدونها لا يبل الصدى، ومداعبة لزوادة الطريق التي لاتنضب. فضلا عن كون ذلك لا يكلف كذا خيال بئيس طالما أن ما في حياة البادية، كما أتمثلها، ما يفوق السحر والخيال.

*علاقة بنفس السؤال كيف ترى مدن وبؤر الهامش، ودورها في حقن المشهد الثقافي ببلادنا؟
**علينا أن نعترف أولا بأن التمدن لا يعنى السكن بالمدن الكبرى وكفى. إنه مؤشر حضارى ما عادت تحوزه كثير من مدننا التي داهمت أهلها عوائد الريف حتى وهم في كامل شموخهم الزائف. وإلا فبم يمكن تفسير قابلية استيعاب قرية صغيرة كـ”الفقيه بن صالح”، مثلا، أضعاف ما يمكن أن تستوعبه “الرباط” من نسخ روائية أوقصصية أو شعرية… مع أن ساكنة الأولى لا تتجاوز بالكاد حجم حي واحد من الثانية. لاشك أن تنازعا رهيبا بات يشتد بين العواصم والأطراف في إنتاج الثقافة واستهلاكها ببلادنا. لقد بات الرهان اليوم على حيوية الأطراف لإنقاذ المشهد الثقافي والإبداعي من إفلاس التجمعات السكنية المتوحشة المسماة ظلما بالمدن. أو على الأقل فالأقاليم هي ما تبقى من قلاع يحتمى بها المبدع بعدما ضاقت به المدن.

*هناك صوت مجلجل داخل الرواية هو بالتأكيد رؤية مبطنة لسارد عاش الأحداث عن كثب، وحريص على التعليق عليها، تبدو لي هذه التقنية في الكتابة متساوقة مع تنظيراتك للرواية، كيف يستفيد الروائي من الناقد في زريعة البلاد؟ وكبف هو حضور هذا الوعي الكبير بالحرص على حكائية الرواية؟

** كما تحتاج الكتابة إلى وعي بموضوعها تحتاج كذلك إلى وعي بذاتها ككتابة. وليس معنى ذلك أن على الكاتب أن يتحول خلال الكتابة إلى مجرد مطبق لنظريات نقدية. فتقنية “الميتاكتابة” (أو التنظير للكتابة داخل الكتابة) ليست فعلا مفصولا عما هو روائي، إنها إحدى تمظهراته الأطروحية والجمالية. ولعل في تصادم الأصوات والأوعاء والروئ وتعددها في “زريعة البلاد” ما يمأزق كل “الحقائق” وينسبها بما فيها “حقائق” التلقي تلافيا كيلا تستخدم اللغة متكلما استعمالا زائفا لحسابها الخاص.

  • هناك مستويات كتابية ولغوية متنوعة في “زريعة البلاد” . فهناك السخرية اللاذعة، والتراجيدية، والتهكمية والحنينية… كيف استطاع كل ذلك أن يتجاور ويتحاور في هذا العمل؟
    ** المسألة في غاية التعقيد والبساطة في آن. فكما تتجاور وتتحاور اللغات والمسلكيات والأفكار في الحياة فمن المنطقي جدا أن تكون كذلك في الكتابة الروائية ، بما هي فن احتوائي، على أساس أن يكون الوعي بها قائما ومقصودا. أليست الحياة في جوهرها هي هذا الكرنفال التراجيكوميدي الناهض على الشيء ونقيضه دون أن يلغي الأول الآخر وإن كان ما يفتأ ينفيه. ادخل أي سوق شعبي لتجد بائع المواد الغذائية يحاذي بائع سم العقارب والفئران، والواعظ الديني يجاور عازف “هز ياوز” في تواطؤ مازال روائيونا لم يستوعبوه كفاية.
  • في روايتك الأخيرة- ودائما في سياق التعدد اللغوي- توظيف لافت للدارجة إلى جانب الفصحى. لكن الملاحظ هو اتكاؤك على لغة دارجة ذات جذور فصحى. كيف توضح لقرائك هذه الفكرة؟
    ** ألا يكفيني أن أقول لهم أنا من غزية إن رطنت أرطن؟ يبدو لي الأمر كما لو كان خارج نطاق التبرير. فالدوارج – في بدء المطاف ومنتهاه- هي تفريعات لأصل لغوي مخصوص. وحين أختار من بين التفريعات أكثرها غرابة وأكثرها قرابة في الآن ذاته من اللغة الفصيحة فلكي أرد هذا الغصن إلى تلك الشجرة، في معادلة تغضب المتفاصح والعامي كليهما. ليست الدوارج ولا الفصحيات عوائق لمن له رغبة في قراءة الأدب. فهي ما كانت حاجزا دون التمتع بـ”عرس الزين” و”دومة ود حامد” للطيب صالح أو”لبن العصفور” ليوسف القعيد ولا “لعبة النسيان” لمحمد برادة. حتى لا أذكر سوى أمثلة قليلة عربية.
  • خلو الرواية من قصة حب. هذا شيء جديد في الرواية العربية. كيف استطعت الرهان على هذا المعطى؟
    ** أجل هي مغامرة لايمكن كسبها إلا بتقدير خساراتها. لقد دأب كتاب الروايات والسيناريوهات على ابتزاز القراء بقصص الحب، لترويج الضحالة أحيانا. الحب المدسوس في الرواية رشوة صار متعارفا عليها لسد الأعين عن انزلاقات فنية عديدة. وحين ألغيت هذه العادة في “زريعة البلاد” لم يكن رهاني إلا على رد الوضع إلى حالته الطبيعية حيث لا حب في حياتنا المعيشة ولا أنت تحزن. ألم تتعطل كل حواسنا عدا حاسة الكراهية؟ !.
  • “زريعة البلاد” لا يمكن أن تكون إلا محلية، وعمق محليتها ينطلق من خصوبة اللغة الدارجة. لكن المعروف أن هذه الـ”زريعة” قد تكون فاسدة مسوسة كما يمكن أن تكون جيدة. إذا ما استحضرنا مفهوم “الجودة ” كمصطلح اقتصادي وصناعي. كيف يمكن أن نثق في ما ينتج محليا؟
    ** لا تتحدث الرواية عن أغراس وشتائل وبذورزراعية إلا من قبيل التشاكل الدلالي. هي تتحدث عن المرأة الولادة في أريافنا البعيدة. وعن الخميرة المنغرسة في تربة الأرض، على علاتها وإن غلبت. عليها الخموجة. وبما أنه لا يمكن تداول”زريعة البلاد” دونما استحضار لزريعة أخرى”رومية” فإن المفاضلة بين البذرتين لا مناص منها في سياق تعصف به العولمة – تحت يافطة الجودة- بالمحليات والخصوصيات. وما غياب الثقة في “زريعة البلاد” إلا إحدى نتائج هذا الصراع اللامتكافئ. “الجودة” بدورها مصطلح غامض وأحبذ عليه “الملاءمة”. “الجودة “- كالمدينة تماما- قد لا تكون جيدة في مطلق الأحوال. هي علامة تجارية لتسويق ما ليس من إنتاجنا. والدارجة ملمح بسيط من سمات “الإنتاج المحلي”المنخور غالبا.
  • صدر لكم بالموازاة مع “زريعة البلاد” كتاب “الدليل العملي”. هل بمستطاع هذه العينة من الكتب تحقيق نوع من التوازن في ميدان كلفة الطبع بالنسبة للكاتب الناشر؟
    ** بالفعل صدرت لي ثلاثة كتب في سنة واحدة: عمل روائي، وكتاب نقدي (هو في أصله أطروحة دكتوراه) حول أعمال الكاتب المصري جمال الغيطاني، ودليل تربوي (بالمشاركة مع الأستاذ العربي عرفاوي). وهذه الإصدارات كان من شأنها تحقيق شيء من التوازن في عمل المطابع لا في عائد التكاليف. من الأفضل ألا نوقظ الجمل من سباته كيلا يطيش الكلام في بعض الاتجاهات.
  • وصلا بنفس الكلام: حازت روايتكم “أهل الوقت” على جائزة إحسان عبد القدوس بمصر ومع ذلك بقيت دون أن ترى النور. أكيد أنها ليست وحدها بل هناك أعمال أخرى تنتظر منك أن تخرجها إلى الوجود الفعلي. كيف هي علاقتك بالطبع والنشر؟ وما هي المثبطات؟
    ** المثبطات كلمة كبيرة للتعبير عن عدم رضاي عن علاقتي بالطبع والنشر. لكنها كلمة قليلة في حق موقفي من رواج الكتاب ببلادنا. شخصيا لا أضع طبع الكتب ضمن أولويات الكتابة. أقصد أولويات انشغالي الأدبي والفكري. هناك مجالات عديدة متاحة لنشر كتاباتي في منابر صحفية قبل التفكير في الكتب. وأنا الآن عازم على نفض الغبار على كثير من النصوص لأجمع شتاتها في كتب قد تكون من بينها رواية “أهل الوقت”.
  • تمارسون الكتابة في حقول متنوعة ما بين الرواية والقصة القصيرة والبحث العلمي والتنظير النقدي. أين تجدون ذاتكم أكثر راحة؟
    ** تفاديا لسوء فهم غير مقصود أقول أجد راحتي في قراءة الرواية!.
  • رواية “زريعة البلاد” تحتفي بالموت وتستحضره بقوة من خلال امتداداته وتجلياته. فهناك أكثر من فصل مخصص للحديث عن الموت ليس كمعطى حقيقي فقط ولكن كمظهر وجودي وكبعد فلسفي يحف كل ما يدب فوق الأرض، بل يشمل الحجر والأحراش والشعاب، فكان الحديث عن سنوات الجدب والجفاف الذي ضرب المنطقة. كيف هي علاقتك بالموت؟ ولم هو حاضر بقوة في هذا العمل؟
    ** مهما انتصرنا للحياة يظل الموت هو هاويتنا الجماعية والواشي بحقيقة وجودنا الهش. بدونه نظل نكرات وبه نحقق غفلية الكينونة. ما يخيف من الموت – بنظري- ليس الموت في حد ذاته وإنما آثاره الفاجعة في دواخل الأحياء الذين ينتظرهم العدم عند كل منعطف. قد يكون في الاحتفاء بموضوع كريه كهذا تمرينا على الموت بألم أقل، وتخليصا للذات من جروح تكبدتها جراء فقدها لكثير من الأهل والصحاب الذين كانوا يمنحونها باستمرار مبررات إضافية لمقاومة الموت والتمسك بالحياة.

نشر في 25/05/2005 6:50:00

‫0 تعليق