خلف علي الخلف: الانترنت داخل النص أو الانترنت كـ مؤثر داخلي في إنتاج النص

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أثار مقال (الانترنت بوصفها حياة موازية )(1) عددا من التساؤلات منها هذا التساؤل : (” نفي المكان ” هذا هو بالضبط .. المصطلح الذي كنتُ أبحث عنه لأسم به أدب مجموعة من الشباب – و أنا منهم – ممن تخلق حضورهم الأدبي على الشبكة في البداية أعني .. ألا يعدّ ذلك من خصائص النص ، جزء من تكوينه النفسي و الرؤيوي و الزمكاني .. بالنسبة لمن تفتحت حواسه على عالمٍ يتقوّض و تتداخل مفاصله بشكلٍ مربك ؟! أحاولُ أن أوقظ في نصي أعضاءً ضامرة لفرط (عدم الاستخدام ) بالمعنى الدارويني !!و لكن ..

حان الوقت أن ننظر إلى الانترنت كـ مؤثر في بنية الأدب الداخلية ، و هل يصبّ ذلك في خدمة الجمال حقاً .. أم لا ؟ و هل يصب في جمال الإنسان ، أم لا .. و هل توقف الأمر عن كونه عالماً موازياً ، أم تجاوز ذلك ليتحول إلى عالمٍ بدليل ؟ أم بديلة و أشقاء بديلون و ربما .. عشقٌ بديل و ظواهر كثيرة( !(2) ويثير هذا التساؤل المطروح مخيلة (المتعامل ) مع الشبكة ويربكه خصوصا لذهنية وآلية تفكير تشكلت خارج هذه الحياة الافتراضية (وبمعزل عنها لشخص مثلي مختلط ) فهو يفاجئ بأن احدا يسأل عن الانترنت كمؤثر في بنية الادب الداخلية والسؤال هنا كتلقي من ذهنية سابقة متشكلة خارج هذه الحياة يحيل للدهشة للوهلة الاولى لانه يحيل الى القلم والصحيفة كمؤثر في بنية الادب الداخلية وهو أمر يثير الأستغراب إذا تمت مقايسته بهذه الصورة الحرفية والميكانيكية في النظر والإحلال بين الادوات ، وتبدو المقارنة وآلية الإحلال هذه للوهلة الاولى منطقية ، وتستمد مشروعيتها من النظر الى الانترنت كأداة ايصال وتوصيل ، الا ان التساؤل يخترق هذا المستوى من الفهم السابق لحياة لاحقة ويؤسس لاجتراح مقولات جديدة للتعامل مع النص المنتج (والمقروء ) في ( وعبر ) هذه الحياة
وبقدر ما يفاجئ السؤال بقدر ما يكشف عن ذهنية اخرى تتكشل او لازالت في طور التشكل ( وخصوصا للجيل الذي تفتح وامامه الشبكة قبل ان يخط حرفا بقلم) لها تساؤلات جديدة كليا عن تساؤلات الحياة السابقة (: القائمة)
ان اول ما يثيره هذا التساؤل هو ادراك ان خللا ما بدأ يعتري التضاد بين مصطلحي واقعي / افتراضي
مما يؤشر الى انزياحات بينهما او تبادل ادوار . وقد يبدو الامر للوهلة الاولى مزاحا
إذ أنه يشبه أن نقول : الهامش ينتقل للمتن ويزيح المتن الى هامش . ولا يمكن استساغة هذا الطرح و التفكير به بعمق إلا كأحد الطروحات التي تمتلك مشروعيتها من انها مستقبلية … هذا ما يريد ان يقود اليه هذا التساؤل.
ان التساؤل هذا سيقود الى تفرعات جديدة في الدراسة و البحث لا ادعي انها متشكلة في ذهني او حتى اني قادر على تخيلها او لملمتها ويمكن الخوض هنا في النص الشعري لسهولة التبصر فيه لمن هو داخل هذا المنجز الشعري واللجوء إلى النص الشعري (الانترنتي ) هو مسألة اجرائية يحتمها الاطلاع بشكل واسع على هذا المنجز ، وبكل تأكيد سيكون هنالك تخصصات وتمايزات بين كل ما هو منشورعلى الشبكة وهذا لازال استعارة من بنية حيا ة مختلفة
ان الولوج من باب ( المتابعة (والعيش كذلك في هذه الحياة الجديدة (: كبديل مؤقت إفتراضي وموازي ) الى النص الشعري الذي انتج في حيز المكان المنفي (او الجديد ) يقودني لأن أ دلو ببعض التوصيفات التي تتناول ما هو خارج هذا النص او تقف على حدوده . إذ يمكن ان نلحظ خطوط عامة في النص الشعري الانترنيتي :

القصر :
كف النص المنتج في / ولهذا الحيز على ان يكون معلقة تبدأ ولا تنتهي الا عند اولئك الذي يتعاملون مع الشبكة اساسا بمستواها الأول وما تمثله بالنسبة لهم من انها استبدال للقلم واستبدال لمكان النشر ومكان القراءة ، فقد اصبحت النصوص الشعرية المنتجة في هذا الفضاء(الحيز) تنحو بشكل عام نحو الاختصار . والاختصار هنا يعني حجم النص وليس التكثيف إذ انه مفهوم اخر وهذا فيما يبدو لي انه نتاج الية التلقي عند المتعامل فــ القراءة عبر الشبكة لها خصائص مختلفة عن القراءة الوورقية وتحتاج بحث في هذا المضمار إلا انه يمكن تحديد بعض خصائص هذه القراءة بعجالة هنا ، إذ يمكن القول أنها محكومة بـ النزق ،التوتر ، عدم الاسترخاء ، عدم إنغلاق وقت القراءة اتجاه المحيط(النتي ) بشكل عام ، خصائص طبية تخص ضوء الشاشة وتأثيرها على العين … فلا يمكن هنا تشابهها مع الية تلقي الكتاب او الجريدة ومنتج النص بوصفه متعاملا اساسا مع هذه الشبكة يدرك الية التلقي هذه

إمحاء ظل الرقيب :
يلاحظ القارئ لتلك النصوص غياب الرقيب الخارجي ( والخارجي المعاد تشكله داخلياً) عن هذه النصوص وايغالها في كل ما يريد الشاعر/ة قوله . ودخولها اكثر في هامش البنية النفسية وكذلك الى مناطق كانت مفتوحة نفسيا للشخص الا انها مغلقة بمفتاح الرقيب الخارجي / الداخلي . ولا يدخل هذا فقط في مناطق التعبير والحالات التي المعبرعنها في هذه النصوص بل اصبح اكثر سهولة العودة لاستعادة الالفاظ التي ضمرت لقلة تداولها في النص السابق لهذه البنية ومنها المفردات الدالة على فعل الممارسة الجنسية وكذلك المفردات التي تشير الى الاعضاء الجنسية ومفردات تخص الدين ، مفردات الشتيمة …الخ وكذلك نشطت الشبكة بسبب هذا انتاج النص الايروسي بدون تشذيب واعادة صياغة وتحايل ليتم نشره بكل طزاجته .
كما ان هذا التأثير لإمحاء الرقيب امتد بشكل رجعي إذ يمكن ملاحظة ان الشبكة اعادت واستعادت كل المحظور العربي السابق واعادة نشره واتاحته للمتعامل بشكل لم يكن ممكناً تخيله

البنية الحكائية السردية:
لا يمكن لقارئ ان يتجاهل ان بنية النص الشعري المنتج في/ وعبر هذه الشبكة قد اوجد حيزا رحبا للسرد داخله وكذلك استعارته لبنية الحكاية داخل النص واذا كان هذا موجودا فيما سبق كظاهرة غير عامة في النص الشعري الورقي يمكن القول انه كُرس في النص النتي بشكل واضح ويمكن تأويل هذا بانه نتاج لحظة الكتابة التي تتخيل قارئا قراءا محددين ، أثارتها الخاصية التفاعلية للنشر الالكتروني ، وفق هذا يمكن القول ان لحظة الكتابة هذه تشرك القارئ في انتاج النص عبر استحضاره ومخاطبته حتى في سرد تفاصيلنا الجوانية غير المدركة. ان حميمية هذا القارئ الذي نعرفه تجعلنا نشركه في النص عبر الحكاية والسرد له ، ويمكن ملاحظة أن هذا النص بدأ يحول المشافهة كتابة وإذا كان هذا التوصيف الأصطلاحي قد ولد قبل دخول هذه الشبكة للمتعامل العربي إلا ان النص النتي قد مكن هذا ” المصطلح ” من أن يبدو واضحاً .
وتبدو هذه الخاصية : (كتابة المشافهة ) سمة مكرسة في الحياة النتية إذ أن الحوار في المقهى (في المنتديات ) هو حوار شفهي على الأغلب إلا انه مامن طريقة إلا أن يخرج مكتوباً لكنه لا يتخلى عن صيغته كــ (حكي ) اساساً ، وكذلك تحولت المخاطبة الشخصية عبر النافذة الماسنجرية من كونها خطاب شفهي إلى كونها نص مدون ويمكن الرجوع اليه في أي حين وقد ولدت من هذه الخاصية خاصية أخرى يمكن أن نطلق عليها : تثبيت المشافهة وتدوينها .

تهميش الاعتناء بالاعراب :
يمكن ملاحظة ان النص الشعري لم يعد يحفل بأخطاء الاعراب والتشكيل لاسباب منها انه لا يوجد مدقق لغوي قبل النشر كما في النشر الورقي وكذلك لان بنية هذه الحياة التي يخاطبها النص تتجاوز حدود الشكل وتذهب مباشرة الى حيز المحتوى( الفهمي : كبديل للفكري ) للنص والقارئ

غياب مفاهيم عدة وضمورها :
يمكن ان نلاحظ ان جيل الكتابة الذي لم يألف القلم لمدة طويلة قبل النت تضمر في نصه بعض المفاهيم المألوفة والتي تشكل حيزا رئيسا للنص الشعري الاخر (السابق / اللاحق / المتواجد ) كمفهومي الزمان والمكان فملمح المكان يكاد يكون غائبا في هذه النصوص ويمكن اسناده هنا الى خصيصة ” نفي المكان ” التي جادت بها الشبكة بشكل أولي لكنه بالأصل نتاج الشعور الداخلي لضمور المكان نفسيا وضمور مخيال المسافة لدى الشاعر/ة الذي هو اساسا نتاج بنية العلائق التي انتجتها الشبكة فالعاشق/ة (مثالا) لا يذهب لحبيبـ ته/ بها ولا يتخيل الحديقة التي جلسا فيها ولا الشوارع التي سارا فيها معا ولا.. ولا… لأنها تحضر شعوريا وواقعيا عبر نافذة ماسنجرية او رسالة ، وتاليا يمكن القول ان التعبير عن هذا الحضور لن يستدعي مفردات من قبيل / مشيت اليك/ عندما رأيتك تركضين / ارتعشت حينما لامست يدك (…) ويمكن توصيفها في حال حضورها بأنها تعابير زائفة للعلائق هنا . وهناك علاقات انسانية بكل اجيجها وهذياناتها وعمرها ولدت وماتت في هذه الشبكة دون انتقالها الى الارض لتمشي
كما ان غياب مفهوم الزمن ايضا هو نتاج تقلص الاحساس بشكل مخيف بهذه المسافة \ الحركة التي هي احد ابعاد الزمن وإذا كانت الحياة اصبحت متسارعة وغدا تعبير : نحن في عصر السرعة. تعبيرا شائعا ومتداولا حتى في اقاصي الصحراء يمكن لنا ان نشتق تعبير اخر للحياة التي انتجتها الشبكة لم يتشكل بعد
بل اني ساجازف بالقول ان حواس اخرى بدأت تضمر داخل هذه النصوص مثل حاستي الشم واللمس وبدرجة اقل البصر (…) ويمكن لاخر ان يتعمق ايضا في اختلاف فكرة ومفهوم الموت ( الثيمة الاثيرة لدى الشعراء ) في هذه النصوص وبدء انحسارها كمعادل لقول الذات في الحياة.

حضور بعض المفردات والمفاهيم :
في ظل ضمور بعض المفاهيم والمفردات والتعابير داخل النص النتي السابق يمكن ملاحظة حضور بعض المفردات بشكل مكثف منها ماولد من \ عبر هذه الحياة النتية وأدواتها ومنها ما لايرتبط ولادته بشكل مباشر بهذه الحياة (كي بورد – اصابع – نافذة – مفاتيح – أحرف – شاشة – ضوء – أثير- عزلة … الخ ) إلا أن بعض هذه المفردات تحضر كمفاهيم وأبرزها على الاطلاق مفهوم النافذة وإذا كانت هذه المفردة وموجودة في النص السابق للحياة النتية وكانت تشكل حالة متواجدة لدى في النص إلا انها في النص النتي تغيرت ارتباطاتها فقد كانت سابقا ترد كدلالة على مرور سريع لرؤية الحبيبـ \ة إلا انها في النص النتي وبسبب خاصية التواجد عبر هذه النافذة (الماسنجرية ) مع الآخر فإنها شكلت في النص الشعري النتي زاوية رؤية (ورؤيا أيضاً ) من خلالها يتم مخاطبة العالم الخارجي وانعكس هذا داخل النص إذ اصبح هناك حضورا لإلية هذه الرؤية عبر النافذة داخل النص فيبدأ النص من نقطة قريبة (بؤرة ) ليمتد في البعيد ويبدأ في التوسع والإتساع عبر مشهدية تشبه تحرك الكاميرا ، قائلاً محتواه عبر هذا الامتداد البصري للبعيد.

لا أزعم أن هذه الورقة تحيط بكامل الخصائص التي يمكن ملاحظتها في النص الشعري النتي وهي إذ تخلو مما يؤكدها عبر هو تطبيقي على بعض النصوص ، فإنه يمكن اعتبارها مدخلا لدراسة تطبيقية على النص الشعري (الانترنتي ) (ربما تأتي لاحقاً ) وكتعبير لخصيصة التفاعلية يمكن لغيري ان يقوم بها وكذلك يمكن لاخر ان يضيف بعض الخصائص لما ذكرته او ينسف بعض ما طرحته ويجعلني احرر نصي هذا كما ويمكن لي ان اضيف واعدل على هذا النص المنتج هنا والذي لا يغلق بلحظة نشره ووصوله للقارئ وهذه كانت حلم لأي كاتب.

1- الانترنت بوصفها حياة موازية : خلف علي الخلف – موقع محمد أسليم: www.aslimnet.net وhtt://aslimnet.free.fr ، وملتقى فضاءات: www.fdaat.com/vb
2- التساؤل للشاعرة الكويتية بثينة العيسى، ملتقى فضاءات: www.fdaat.com

نشر في 22/05/2005 8:40:00

‫0 تعليق