مرزوق بنعلي: ثلاثية البحر ثلاثية الزرقة / II. سمـاء تضيـق

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!
  • 1 –
    تحت مطر الصيف أنتظر الخريف.
    سماء تضيق في حدقة العيـن وتسحب جلالها القديـم من زفرة الغيـم إلى شهقة السديـم.[ السماء بَهْو الملكوت والسديم بستانه السري]. وأنا في انحجابي السحيـق أكشـف رمـادي لشعـَث الجـهات؛ للمـوج وقد آصَر موسـم العري وآخى فلـول الضباب؛ للرمـل وقد توهَّج بألـقٍ خفـِيّ وارتمى في حضـن الفراغ. [ رمادي تَحِلّة لأيمان وُلدتْ في الظلمة وماتت في النور].

أُراجِع الظلمة بالنـور كمن يراجع الرحابة بالضيـق، وبانخلابـي العميـق أَعْهد للخريف بصمت الفراغ. [ الفراغ فراغات؛ جميعها تتولانا بالموت، في سحر الحياة]. بالفراغ أُفَتِّتُ سُجُوف الوقت وبالصمت أرفو جِراح المكان. أَستَلُّ من الغيم زرقتي ومن مرايا الهجير أستعيد تباشير وجهي القديم.[ الزرقة ظَنّي، بها لا أَعْدم الوصول ]. أُهدهدُ مَجَرّتي بكامل طقوسها وأنا – في ركني القَصِيّ – أَردّد: لو بِمُكْنتي، يا فاطم، لأحرقتُ العالم بشواظي كي أمحو خارطة الوقت من مسالك الظلمة وأُعَلِّق على جدرانها قناديل المعنى .أنفخ في صَمِيمها من روحي لأَبْعَث من رَمِيمه الربيع الذي كنتُ قد سَبكتُ.[ الوقت موتٌ متجدد على صدر الظلمة] .أُحلِّق، خارج الوقت، في الظلمة، حيث تشرئبّ أنواري جهة الحُلم.[ الظلمة، هي أيضا، نور خامد]. أُساوي النـور بالظلمـة في صيـف ضبابـي يُداهِم الزرقـة بالبياض ويكتسح العمـر حتى آخـر الخريـف. [ الزرقة حلُمٌ يانع والخريف أنشوطة الفصول]. أعانق الزرقة إذن وأنا على الكرسي الصيفي، في الظلمة، قبالة البحر، حيث يسحبني الرمل بالرُّوَيْداء إلى شاطئ النور. أَكُلُّ هذه الوحشة لي؟! هذه الظلمة المسفوحة على وجه النور؟! هذا الخريف الملفوف بالصيف؟! هذه السماء المنقوعة في الرماد؟! هذه الشمس المذبوحة على هيكل الضباب؟! هذا السكون العامر بالضوضاء؟!…
أُوَطِّن نفسي على النسيان وأصرخ في ظلمة النور، لعل المدى يدنو مني، أنا القابع في نور الظلمة. [ الظلمة سوادٌ نوراني والنسيان لغة المحو]. أَستظلُّ بوجه الله وأحتمي من الخريف بالصيف تحت ضباب أسطوري مطير. [ الظل حارس الضوء. سَفرٌ في الغياب. وطقسٌ أزلي لاستراحة المحارِب]. ( في الشتاء سأنتصر لخساراتي وأُوهِم الدخول بالخروج. البرْد بدفء الحنايا. الضباب بريح تجيء. والمطر بسماء تنفرج ). سأَعْبر ليل السلالات معفَّراً بغبار المسافات لأُولِج الظلمة في النور وأُولِج النور في الظلمة، سارداً على ضباب هذا الصيف تفاصيل هذا الفراغ.
مَرَدّي إلى الظلمة، فيها أدفن أنواري حتى تبزغ شموسي أو تََََسِيح حُمْرة دمي على سوادها المضيء.

  • 2 –
    تحت مطر الصيف أنتظر الخريف.
    غيمٌ وارمٌ دُونَه تنبلج الزرقة. تَؤوب الشمس إلى مُستقرّها والسماء تََرْبأُ بأن تضيق.[ الزرقة افتتان سماوي بكيمياء النور]. أَعُود إلى الظلمة بحنين ماضوي والبحر – في خَفْر مَوْجِه – يغيب في دُهْمة الغيم.[ الغيم تشويش رمادي على فراديس الزرقة]. أَفترضُ الرمل وطناً والشمس، من وراء حائل، سراجي في الدُّكْنة. وما بحوزتي الآن من كُلومٍ شقوق منها ينبثق النور في مرتع الظلمة. [ النور ظلام منير والظلام نور مظلم]. أَخرجُ إذن من كوابيس اللحظة التي أثارت زوابعي إلى موتي الافتراضي على جدائل الفراغ، صادحاً بالظلمة وهي تَلُفّني بالنور، مُترَعاً بالشمس وهي تغمرني بالظلمة.[ مَرْفِقي وسادة الظلمة وإيهابي نُورها]. أَتقلّدُ النور وأسافر في الظلمة، مُوعِزاً للماوراء، أنني باقٍ، هاهنا، تحت مطر الصيف أنتظر الخريف.[ الخريف نور خافِتٌ به تَسترِدّ الظلمة أَلَق المحو]. من مَفْرِقي ينهمر النور حتى يتوارى في الظلمة. اللحم البشري مُسجى على رمل الشطآن. الخليج الـمَرْتِيلي تََعْتَوره الصفرة. البحر يَلِد الشمس ليغتالها الضباب، فيما بعد، قبل أن تئدها الجبال. والكثبان هي هي، تقترب من شَفْط الذاكرة في ليل باخُوسي نافِذ. في صيف ضبابي لافِح. في صمت حالِكٍ بالضجيج. في وقتٍ فالِتٍ لا يَني يَشحذ هسيسه اللامرئي جهة العزلة.[ الظلمة ليلٌ ناجِز والصمت سيادة البياض]. أُراوِغ العزلة بالصمت ثم أفتح سِجلّي الرملي على موج هادِر. [ ليس المحو سوى كتابة ثانية]. أُخالِف مشيئتي وأغلق الوطن على عَجَل. أرمي بالصيف صوب الخريف وبالظلمة أُناهِز منطوق النور. أُأَرْجِح العمر الذي تَشَرّبَ صفرة الخريف في زرقة الصيف وساقني إلى النور المضمَّخ بالظلمة. أَغُوص بِدوري في ثَنِيّات الظلمة وأنا مخضَّب بالنور لأُعَدِّل من ارتجاف الوقت في كنف الفراغ. [ الظلمة مَجازٌ للعبور إلى خالص النور]. أَفلحُ في اعتناق الصمت وأنا مُسربَلٌ بالبرْد داخل مَدارات العزلة. [ الصمت بلاغة المحو والعزلة صَوْلة الفراغ ].
    سأموت في الظلمة وأنا أُمسِكُ بيدي خيط النور.
  • 3 –
    تحت مطر الصيف أنتظر الخريف.
    بحرٌ يَندَحِر. يتراجع إلى نَحْره في فضاء ضبابي يغتال كل الجهات. حاضناً نوارسي أتقوقع فيه حتى يأخذني الضباب وإيّاهم إلى آخر الظلمة. [ آخر الظلمة أول النور]. هو بحرٌ يباهي بِفِضّته تواشيح النور. يصفو حتى تشرق تفاصيل الزرقة في مهرجان الألوان. الصَّدفات انتشاء رباني ببهاء التفاصيل. والرمل انفتاح السماء على أرض وماء. ( البحر فضة مهروقة؛ مرآة يُطَعِّمها النور وتَحفُّها الظلمة) كان. أُرَتِّق الظلمة بالنور وأنا أَنْزل إلى تقاسيم وجهي القديم، مُطَوَّقاً بالشمس وهي تمهد الأرض لخطواتي، محفوفاً بالبحر وهو يتدبر مقاليد الزرقة؛ كل خطوة نور. كل التفاتة يناعة يبعثها الوميض. كل تلويحة شهقة في الزرقة. كل ارتماءة فتحُ جديد. أَسْمَرُّ حتى يأسرني البحر من لوني العقيقي كنتُ. [ البحر صراطي إلى الزرقة والزرقة ابتهاج اللون بين بحر وسماء]. أُشَبِّهُ البحر بالظلمة. [ الظلمة رديف الشساعة]؛ الزرقة بالوميض الخفي لحدائق البهجة. [ البهجة نور الداخل والوميض انفلات النور من إِسار الظلمة]؛ والعمر بسماء تنفرج. [ العمر خَفْق جناح لطائر الزرقة. قَبْض ريح يُطْريه السراب في ضُلوعه جهة الغياب]. أُعاكس وُجومي، هذه المرة، لأبدو مثلئذٍ كما لو أنني عاشق مفتون بيواقيت الزرقة، أَحلُم بشمس ماياكوفسكي وأُتْبِع الكأس بالكأس. الصهيل بالضفيرة واللحم البشري برمل الخلجان. أَعْقد النور بالظلمة. مرجان القيعان بذهب الأعالي ثم أَدَعُ الضباب يَسْتقلّ متْن الرياح لأفتح أشرعة الصحو على فَهارس الزرقة سأكون. [ الحلُم نورٌ اسوَدّ]. أَترنَّح في مَسْعاي الأورفيوسي وأنا بَعدُ في منتجع الضباب تحت مطر الصيف أنتظر الخريف. أتهاوى على رملٍ يَرشَح بزمهرير الظلمة ورماد يَسّاقَط لِتَوّه من قعْر السماء. [ الرمل زجاج منثور/ شظاياه تسافر في دمي]. ( وأنا حيال ذلك البهاء الصيفي الذي تَعاقَبَ على انخلابي حتى صرتُ كل حَوْلٍ إليه أعُود، كنتُ إلى مَوْجه القريب أفيء كي أطفئ حرائقي المتعاظمة). [ الصيف مَحَجّتي إلى الخريف حيث في الظلمة أنغمس وفي النور أذوب]. وأقول لها قبل مَغيبي: أيتها البهية في القرب والبُعد، دعيني أموت على سواحل غُبْني. أُهاجر إلى ظلمتي ونوري حتى تطويني في أعطافها أمواج العزلة أو أنسحق على أعتاب هذا الفراغ.
    في القُرب سأكتفي بالبُعد
    أحتفي بالظلمة وأختفي في النور
    ويكُون مَهْدي في لَحْدي
    وانبعاثي في موتي
    أَنا العاشق المرهون بِطَوِية البحر
    مَفَرّي ضباب
    ومَرتعي خريف.
  • 4 –
    تحت مطر الصيف أنتظر الخريف.
    شمس تموت قبل أن تُولد. الأديم في ذروة انمحائه والضباب يلغي حظوة المكان. ( كنت سأقطف الشمس، من سويدائها، قبل موتها اليومي، لأَسْترسِم بِسَناها بهاء هذا المكان. أَستردُّ الزرقة اَلْـتُومِضُ في سوادٍ هو بؤبؤ العين وأهتف بالعشق حتى آخر الطريق). الجلال القديم سأدفنه في سماء تضيق. في غيم وارم. في بحر يتراجع. في شمس تموت. في فراغ يتشقق.
    أَندلعُ كالحرائق لأُضيء مَغَبّتي. أَضِيع في الرونق المغربي، شمال القلب، وعلى الباب الجنوبي لفراديس النسيان يُطوِّقني الافتتان. ( سأَظلُّ تائهاً في الضباب، مُجَندَلاً بالغيم، مُمزَّقاً بين الظلمة في العين والظلمة في القلب. بين النور الذي وهبني للظلمة وبين الفراغ السرمدي موئلي في العزلة). أُسافر في مكاني الغائص في الظلمة مُرتَفِقاً جلاء أنواري، معلِّلاً جنوح سَجِيَّتي بجلوس لا يعرف الوقوف وضباب تََواصى بالبحر حتى مُختَتم الصيف. [ هذه الظلمة ستَكْسِف أنواري. هذه الظلمة ستَُعَلّمني كيف أَغِيب]. ( في الظلمة لا تُعْوزني الإشارة. في النور أَذُوبُ من فرْط وَجْدي). لكني سأَقتصُّ من غُنوصية المكان وأُسْبلُ على كتائبي جدارة الطعن. صراخ التمزقات ونَفْتالِين الجنون. أُراوِدُ الضباب بِمُسحة الريح وأَرتشِفُ النور من مُرُوج الظلمة. ( أَذْكُرُ أني بعبيرها ضَوّعتُ خلجاتي وبوجهها الأمومي عَوّدتُ عيني على النَّفَاذ). سأتكفّل بالصمت الذي أَوْرثَنِيه هذا الفراغ. أَتغافَـى بآلامي في أوقيانـوس الرغبـة مُجيزاً للسوانـح أن ترتطم بِحِيطانـي. [ الزرقة فرحة إلهية بها أستسيغُ خلاصي]. أُلَمْلمُ فواصلي من نصّ شريد وَارَاهُ الضباب في صيف خريفي مطير وأُغادِرُ قلعة الظلمة من باب النور.
    سيكون عليّ أن أَتلفّع بالظلمة وأنا أَنْدَسُّ في مراتب النور. [ النور نور البَعْد والظلمة ظلمة القَبْل]. أن أَعْزو للرمادي نكستي في صيف ضبابي مطير. أن أُصْطلَى بنار الشوق في صيفٍ خريفٍ. وأن أبوح لها بموتي الافتراضي على مشارف هذه الزرقة كأنني أستردُّ ظلمة القَبْل ونور البَعد. ( القَبْل بُعْد والبَعْد قُرْب وأنا بينهما يهصرني الـمَتاه).
    وسيكون على البحر أن يخذل شأوة الضباب ويُشْرِع أروقته لشمس تتلألأ في سماء الزرقة. أن يُفاتِح الرمل بدفء الحنايا وصدرٍ على نَهْده تندلع يقظة الحواس. تشتعل في سماء النور حتى تتلعلع قبل أن تخبو في سواد الظلمة. وأن يُجْهِز على وجهي الجديد بوجهي القديم ويُسْرِج خيول العزلة في خندق الفراغ.
    بلا زرقة أَرْتَبك.
    بلا زرقة تتصدع مراكبي
    تحت سماء الخريف.
    تَشِيخ تفاصيلي حَذْوها
    وأتلاشى في تجاويف هذا الفراغ.
  • 5 –
    تحت مطر الصيف أنتظر الخريف.
    فراغ يتشقق. يَقُولُني مضاعَفاً بالصيف وبالخريف. أَجُرُّ هزائمي التي أَوّلُها النور وآخرها الظلمة. [ النور ظلام حتى وإن سَطَع، والظلام نور حتى وإن قَطَع]. الفراغ، هو الآخر، عتمة مضيئة، وشقوقه منافذ غيبية يُطَرِّزها النور وتُوَشِّيها الظلمة. أَحارُ في ولوج تقاويسها المفعمة بالرهبة. [ النور↔ لباس ↔ الظلمة ]. أَفْترشُ النور وأتدثّرُ بالظلمة. من شرفة المساء أرقب غروب الصيف بين سماء تضيق وفراغ يتشقق. أَتضوَّعُ نورًا حتى تغمرني غشية الظلمة في البرزخ الصيفي. أُغالبُ عطش النور بعطش الظلمة وأُجاهر بأصابع فاطمة؛ هي التي كانت تمسح ظلمتي بالنور. تُفْرد لي جناحيها لأحلِّق في سماوات الخضرة؛ الفراديس المزروعة بالنور، على مَسْرح الظلمة. [ بجغرافية الظلمة أُسَوِّدُ تضاريسي التي أَبْهتَها بياض النور]. أُرَمِّمُ ما تبقَّى من جسدي المنهار، في عزّ الصيف. وأقول للخريف: طوبى لك بكل هذه الصفرة. أنت الذي لا تَفْعَل سوى الانتظار مِثْلي أنا المحفوف بالضباب تحت مطر الصيف أنتظر الخريف. وأقول للصيف: سيأتي اليوم الذي أُصَفِّق فيه للخسارة وأَنْفَح رَوِيّتي العجلة. كلُّهم راحوا؛
  • العابرون تحت الجسر، صوب غَمْر آلامهم.
  • الراحلون في الغيم، دونما عطش ولا رواء.
  • السالكون في العتمة، على مَضض، وِفْق شريعة المحو، مثل أجدادهم ليذوبوا في وَهَج النور.
  • الذين ضمنوا الخضرة حتى قضوا في الصفرة، عند قَدَم الرب.
  • والمارقون أيضا، جَوّابُو التاريخ ورافضوه. الخارجون عن السرب، مثلي أنا تماماً، تحت مطر الصيف هاأنذا وحدي أنتظر الخريف.

مرزوق بنعلي (شاعر مغربي) / مرتيل/ أوائل صيف 2003

نشر في 9/05/2005 9:30:00

‫0 تعليق