السيد نجم: أدب المقاومة ومتغيرات العصـر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

شاع مصطلح “أدب المقاومة” في الحياة الثقافية خلال النصف الآخر من القرن العشرين, تحديدا بعد معارك 1967 بين العرب و إسرائيل. فكانت الأشعار التي تسربت من الأرض المحتلة بفلسطين إلى عواصم الدول العربية بأقلام محمود درويش و سميح القاسم و غيرهما, لقبوا في حينه ب”شعراء المقاومة”. ولما تعددت الكتابات الإبداعية في أجناس الأدبية المختلفة في إطار النمط المقاوم..كان “أدب المقاومة” مصطلحا جديدا.

بعد مضى كل تلك السنوات, ربما يمكن تقديم محاولة لتعريف أدب المقاومة, الذي هو:
” الأدب المعبر عن ألذات (الواعية بهويتها) و(المتطلعة إلى الحرية)…في مواجهة الآخر المعتدى. على أن يضع الكاتب نصب عينيه..جماعته /أمته, محافظا على كل ما تحفظه الجماعة من قيم عليا.”
لا تعنى “الحرية” هنا معنى الخلاص الفردي, وفى هذا التحديد ما يميز أدب المقاومة عن غيره. كما تعد “التجربة الحربية” من أهم محاور أدب المقاومة. إن عمر الحرب يكاد يناهز عمر الإنسان على الأرض. منذ معركة قابيل و هابيل و الصراع قائم , ولا يبدو زواله, ذاك الصراع الذي غالبا ينتهي بالحرب . لم تكن الفنون التي ابتدعها الإنسان, إلا لبث روح المقاومة في صراعه مع القوى الأخرى التي تهدده و تعرض كيانه للخطر. ما كانت النار, الأعاصير, والصراع, والحيوانات المفترسة وغيرها..إلا قوى شريرة أو حتى نافعة, لكنها قادرة و مهلكة.لقد تعامل الإنسان مع فكرة الصراع.. فكانت الأساطير, الملاحم, و الفنون.
تجربة الحرب ليس لها مثيل. ربما لأن الرجال المشتركين في الصراع يشعرون أنهم تخطوا حاجز الموت.. على الرغم من كل المتناقضات التي عاشوها. ففي تلك التجربة يصبح الفرد وجها لوجه أمام الموت والحياة, الشراسة و الشفقة, الدفاع عن الحياة في مقابل الهلاك. يخوضها المحارب مدفوعا من الجماعة, و التي تبارك موته, بينما جبلت النفس البشرية على حب الحياة. ومع ذلك مهما كانت التجربة كريهة فإنها تكشف عن الأصيل في حياة الفرد و الجماعة مثل الشجاعة والإخلاص والفداء والإيثار, في مقابل الأنانية والغرور والباطل و الظلم.
و الآن ترى ما هي أهم خصائص أدب المقاومة ؟
.. التعبير عن ألذات الجمعية والهوية.
.. انه أدب الوعي والحث على تجاوز ألذات الفردية فترة الأزمات والحروب والاضطهاد.
.. انه الوعي بالآخر العدواني وكشف أخطائه وأخطاره, من أجل المزيد من الوعي بالذات و الهوية.. من أجل مستقبل أفضل.
.. انه أدب إنساني من حيث هو دعوة لتقوية ألذات في مواجهة الآخر, وليس دعوة للعدوان.
.. تتنوع موضوعات التعبير في أدب المقاومة في المتناولات المختلفة منها: تناول موضوعات البطولة في مواجهة الآخر العدواني في الحروب أو في مقابل الظلم, ويتبنى مبدأ الدفاع عن الحياة الفاضلة.
في إطلالة سريعة على معطيات الأدب العربي, تتجسد المحاور المقاومية, في الشعر العربي القديم المسمى بالشعر الجاهلي, سنتخير بعض منها.
.. إن القاري الواعي والمسلح بالفهم النقدي الجديد, سوف يتأكد من مقولة مفادها: أن الشعر العربي القديم لم يكن وصفيا ولا مصدرا للرزق, كما لم يكن على هذه الدرجة من الحدة و الانفعالية إلى حد الدعوة للحرب. فلم تكن البيئة بكل عناصرها إلا عناصر شيد بها الشاعر بذكائه الفطري بناء قصيدته المتأملة المعبرة, ولم تخل من القضايا الكونية التي بدت في الأسئلة التي طرحها, ولا من قضايا قبيلته الأيديولوجية.
لعل قصيدة “زهير بن أبى سلمى” اللامية و معلقته الشهيرة من النماذج التي تكشف عن ذاك الأدب الذي يشارك في هموم قبيلته و أهله مع الحفاظ على القيم العليا. تقع القصيدة في ثلاثة و ستين بيتا, منها هذه الأبيات التي يخاطب فيها المترددين في نبذ الحرب بين قبيلتين من العرب “عبس” و “ذبيان” وقد طالت لسنوات و سنوات فيقول:
“فلا تكتمن الله ما في نفوسكم.. ليخفى, و مهما يكتم الله يعلم
يؤخر, فيوضع في كتاب, فيدخر.. ليوم الحساب, أو يعجل, فينقم
وما الحرب إلا ما علمتم و ذقتم.. وما هو عنها بالحديث المرجم “
على الرغم من تعدد صور أدب المقاومة في الشعر العربي, من إزكاء الثقة بالنفس في حالة الحرب أو الاستعداد لها أو الدعوة إلى الانتماء و التمسك بالهوية أو الافتخار بأيام الانتصارات الكبرى أو الإعلاء من شأن القوة وغيرها.. إلا أن قيمة نموذج قصيدة “زهير” تشير إلى أن أدب المقاومة لا يعنى العنف و الصوت الزاعق لأنه أدب إنساني في المقام الأول.
و قد خاض الأدب العربي تجارب شديدة الوطأة أثناء معارك الصليبيين و المغول منذ القرن الخامس الهجري ولمدة حوالي أربعة قرون.
فكانت قصائد الدعوة للجهاد, والتغني بالانتصارات من أجل المزيد من الجهاد. ولا تخلوا الأعمال الإبداعية من المراثي بما يشعر به العامة من الناس, والخاصة, حزنا على أبطالهم الشهداء.وهناك “القدسيات” التي تتغنى بالقدس المحتل أو المسلوبة.
ربما من المجدي التوقف قليلا أمام تلك النماذج التي كتبت في أدب المقاومة أثناء هجمة المغول الشرسة, فكانت القصائد التي تبحث في طبيعة الصراع بين المسلمين والمغول. فهو في جانب منه صراعا بين الإيمان والكفر, فعبر الشاعر عن ذلك بعد انتصار المسلمين.ت”فى658 هجرية وقال:
هلك الكفر في الشام جميعا و استجد الإسلام بعد دحوضه
وفى رؤية لشاعر آخر, ترجع قوة الغدر القادمة من الشرق إلى ضعف ألم بخلافة المسلمين .وقد عبر الشاعر في ذلك قائلا:
والله يعلم أن القوم أغفلهم ما كان من نعم فيهن إكثار
فأهملوا جانب إذ غفلوا فجاءهم من جنود الكفر جبار
يا للرجال لأحدثت تحدثنا بما عدا فيه أعذار و إنذار
واضح ما يعنيه الشاعر من أن الترف و الملذات أدت إلى غفلة الناس عن حقوق الله,فكان انتقام الله على يد المغول .
وفى جانب ثالث يرى الشاعر آخر أن سبب ما حدث من كارثة هو أن فقد العرب العون فيما بينهم فحلت المصائب. قال “أبو شامة المقدسى” في ختام قصيدته قائلا:
“لم يعن أهلها و للكفر أعوان عليهم يا ضيعة الإسلام
و انقضت دولة الخلافة فيها صار مستعصم بغير اعتصام”
أدب المقاومة إذن هو الكلمة المتأملة الناقدة التي تبحث عن الأسباب و لا تبرر الخطأ بل تدعو إلى تعضيد ألذات في مواجهة الآخر العدواني.
تكثر الأمثلة, و تتعدد الآراء و وجهات النظر, ويبقى أدب المقاومة دوما تعبيرا عن محاولة الإنسان منذ قديم الزمان و حتى الآن.. يبقى صوت الحق في مواجهة الباطل, ليس بتعزيز القدرة على مواجهة الآخر فقط, ولكن بتعزيز ألذات (الجمعية) و تعظيم عناصر قوتها.
………. ……….. ……….
الآن ومع بدايات الألفية الثالثة حاصرتنا “العولمة” و كأننا أمام كائن مفترس غريب يغزو مضاجعنا فجأة. ليس تهويننا من ذلك المصطلح ولا تهويلا, لكنها الحقيقة الجديدة التي يستشعرها العامة والخاصة. وقد بات السؤال: هل نحن في مضمار سباق إلى القاع أم إلى قمة؟! أم نعيش وهما خالصا؟. لعل أهم الأسئلة: ماذا عن الهوية..عن ألذات الجمعية و الانتماء الوطني و القومي..في مقابل هذه الهجمة مجهولة المنبع و المصب؟
أصبح مصطلح “العولمة” على درجة من الشيوع و الانتشار بحيث يكفى الإشارة إليه لتتجدد الأسئلة..هل هي نهاية التاريخ كما يقول “فوكوياما”اليابانى؟ أم هي صدام الحضارات المتوقع كما يقول”صامويل هنتينجتون”؟ ..ولا إجابة إلا القول بأننا نعيش عصرا جديدا, بحيث يجب ألا ننشغل إلا بالبحث في المزيد من عوامل الربط من أجل المزيد من الانتماء بالقبض على قيم الهوية الأصيلة و تشييد البناء من جديد.
أمام بشائر الثورة المعلوماتية وامكانات ثورة الاتصالات الجديدة..اكتشف الإنسان المأزق. عرف أن زيادة السكان على الأرض تنمو بمتوالية هندسية, وأن المعرفة الإنسانية تتضاعف مرة كل 18شهرا, وأن ثورة التكنولوجيات الجديدة تغزو جسده وترسم خريطة دينية تحدد مستقبل إمراضه المتوقعة, كما لو كان “الرجل الأخضر” الشخصية القصصية سوف نصنعها عنوة أو هكذا ظن البعض.عموما شاع مصطلح العولمة بالعقد الأخير من القرن العشرين, خصوصا بعد انهيار سور برلين, وسقوط الاتحاد السوفيتي, وقد شاع من قبل الشعار:”فكر عالميا ونفذ محليا”.وتعمدت في القرن الجديد برسوخ عوامل محركة ودافعة, منها: ثورة التكنولوجيا و الاتصالات, طبيعة السوق الجديدة مع اعتبار المواد الخام والمنتجة كلها ذات طبيعة دولية, سقوط نظرية الاقتصاد الموجه, مع تغير في خريطة ميزان القوى السياسية في العالم.
وبالقدر نفسه تخوف البعض من آثار العولمة, وهى تتمثل في اضمحلال دور الدولة الذي ينحصر في وضع السياسات, التخوف من التغييرات الاجتماعية المتوقعة عن سقوط وارتفاع اقتصاد الدول على حسب قدرتها على مواجهة أو التعامل مع مفاهيم آليات السوق الجديدة, الخوف على شعار بيئة عالمية نظيفة, كما تتبدى بعض المخاوف الأمنية وظهور بذور جماعات إرهابية و غيره.لذا تعد “الثقافة” وعلاقتها أو تأثرها بالعولمة فهو محور الارتكاز هنا, لأن سيطرة التكنولوجيا الفائقة ربما يخلق الانحلال الخلقي, التفكك الأسرى, العنف وأشكال جديدة من الجريمة, وربما الانتحار. ربما بسبب زوال الفاصل بين الواقع الحقيقي و الخيال, وربما لأسباب أخرى.أما وقد نوقشت تعريفات القومية أو الوطن بالمعنى المعاصر مع القرن الثامن عشر نظرا للمتغيرات الصناعية و الاقتصادية, بينما كان مفهوم الهوية و الانتماء مرتبطا من قبل بالنظر إلى الحاكم.. أتسع الأمر في القرن التاسع عشر مع اتساع التجارة العالمية كي يتضمن المفهوم(أي القومية) مفهوم الهوية الوطنية وبالتالي ارتبط بالمصالح الاقتصادية للدولة.
الطريف أنه مع بداية القرن العشرين تنبأ البعض بتلاشي القومية وهو ما جاء نقيضه على أرض الواقع..بل رسخت أكثر عما قبل , خصوصا وقد كانت أحداث الحرب و الاستعمار تعم العالم كله. وعلى الرغم من تعقد العلاقة بين القومية والوطنية, إلا أنه يبقى للوطنية تميزها الثقافي الذي يربط بين أفراد المجتمع المرتبطين برقعة أرض ما, أو بالوطن.. و بالتالي تأتى مفاهيم “الانتماء” و”الهوية” بما يؤكد الجانب العاطفي والشعوري لهؤلاء وهؤلاء.. في الوطن الواحد.
لكن السؤال الآن:هل البحث عن الهوية الآن في مقابل كل التخوفات من العولمة يعتبر نقيض القول والفعل مع المتغيرات.. أو دعوة للانغلاق في مقابل العولمة والانفتاح.الحقيقة أن الانتماء والوطنية هما جوهر الهوية. فالوطنية ثقة بالانا الجمعية, لمجموعة تعيش على أرض مشتركة, يشعرون بالولاء و الانتماء للأرض و الالتزام بمجموعة المفاهيم الرابطة مع استيعاب لذاكرة جمعية تتمثل في جوهر العادات و التقاليد والقيم العامة.كما أن الوطنية ليست التعصب ضد الآخر, ولا الغرور بالذات ولا الانغلاق على ألذات, ولا هي دعاوى باطلة للاعتداء على الأخر.
الوطنية هي محور الارتكاز لاستيعاب الماضي والانطلاق إلى المستقبل…..ولا نتصورها ضد العولمة, بل انفتاح على العالم بلا غرور ولا انبهار أو إحساس بالدونية. وبالتالي انفتاح على الإنسانية بكل مفاهيمها وأننا جزء من عالم أرحب. لذا فالمشاركة مع الآخر وبلا افتعال بالتشدق بمصطلحات أكبر هو جوهر العلاقة بين الهوية والعولمة.
لكن السؤال: كيف يمكننا الدخول في فعاليات العولمة والمشاركة الايجابية معها وفيها؟
لا يتم ذلك إلا بعد التسلح..بالوعي بملامح هذا العالم الجديد, و مفاهيمه وملامحه.. وأن نكون على أرض صلبة وواعية لأمراض العصر مثل الإيدز كمرض بيولوجى, وأمراض السوق الحرة (انهيار الاقتصاديات الصغيرة)كمرض أقتصادى. أن تصبح ثورة المعلومات إلى جانبنا و ليست ضدنا, بالمشاركة في وسائلها التكنولوجية, والتأهيل العلمي والمعرفي لاستيعاب المعلومات والتعامل معها بموضوعية علمية للاستفادة منها بأكبر قدر وليس للوقوف أمامها بالرفض المطلق.نحن في حاجة إلى آفاق للتعامل و للمعرفة قبل أي شيء آخر.. وفى كل الأحوال مسلحون بحب الوطن, بالانتماء الموضوعي الايجابي وليس العنصري, مع الاحتفاظ بمجموعة الثوابت والقيمة العليا, خصوصا القيم الدينية.فليست العولمة و الدخول فيها كي نخسر أنفسنا.. وليست للأضرار والقصر. الهوية الواعية تضيف إلى الأفراد قوة دافعة للمشاركة الايجابية وليس العكس.ولا يبقى إلا البحث الواعي لوسائل التحقيق و التنفيذ..فلا شك إن للتعليم (المعلم و المناهج و العملية التعليمة) دوره, وأن للثقافة العامة و الخاصة (بكل وسائل التثقيف) أهميتها. وفى إطار ذلك تتعاون كل وسائل مؤسسات الدولة المتاحة و الواجب إضافتها.
……. ……. …….
كان التطور الحضاري للإنسان سريعا من أي كائن آخر, إلا أن البعض يرى أننا نعمل بعقل لا يناسب إلا القرن الثامن عشر, برغم كل المنحازات العلمية الهائلة للقرن العشرين. ومع ذلك يحذرنا الكاتب”روبرت أنشتاين”و”بول ايرليش” من خلال السؤال:”كيف نغير طريقة تفكيرنا لنحمى مستقبلنا؟”.(عقل جديد لعالم جديد” الذي صدر مترجما بقلم”د.أحمد مستجير”.)
عموما كان استخدام الإنسان للأدوات سببا في سيادة الإنسان على الأرض.ذلك الذي بدأ بنزول الإنسان من فوق الأشجار والاستقامة على قائمين وتطور جهاز التكيف على ذلك الوضع الجديد. وانتهى بدرجات تكيف هائلة الآن. والحقيقة التي لا يجب أن ننساها أن ثمة عالم شكل جنس البشر على الأرض..من بيئة كاملة العناصر, على الأرض وفى الجو.
بدأ تدخل الإنسان بالثورة الزراعية ومعطياتها. فكان النمو السكاني..حيث تحول الإنسان من كائن يتطور بفعل الطبيعة إلى فعل وصانع. صحيح حلت الخرسانة والصلب محل التراب والشجر.. وأمكن للإنسان توصيل المياه إلى الصحراء وتغيير الأجواء وحرارتها وغيرها.لكن المشكلة أن ذلك كله على حساب التوازن البيئي بين الكائنات الأخرى والإنسان.
أما كيف يتهيأ الإنسان للتغييرات من حوله الآن..فيقترح البعض بتلقين المفاهيم الجديدة للوعي بهذه المتغيرات.
عرض المشاكل على أصحاب القرار والقلم وأهل الفكر في كل البلدان.مع زيادة المتاح من المعلومات بين الجماعات الإنسانية و البلدان.
كما أن البدء مع الأطفال من خلال اللعب وغيرها, لأنهم أصحاب القضية.
يلعب التليفزيون تحديدا دورا أساسيا في هذا المجال, فعرض إحصاء بعدد المرضى المعرضين للموت بسبب التلوث أو الحروب في بلد ما, يقرب الصورة إلى العقول والنفوس.
إذن “الوعي” بكل أبعاده العلمية والثقافية والموروثة, وسيلة هامة للمشاركة, مع تبسيط المعلومات وتوفير طرق توصيلها البسيطة للجميع, ومن هنا يأتي أهمية التليفزيون وغيره من وسائل الإعلام.
…… ……. …….
لعل النمط أو الشخصية الثقافية من أهم محاور “المقاومة” في مواجهة متغيرات العصر..حيث كانت أثينا وإسبرطة أهم دليل لإبراز هذا الجانب. فالأولى تهتم بالنمط الفكري والعقلي للشخصية الإنسانية. والثانية تهتم بالنمط العفى أو بالقوة كشكل آخر لحياة ووجود الإنسان الثقافي. ولأننا في الوطن العربي لم نلتفت إلى النمط الثقافي على ثرائه.. فلا بديلا عن البحث الجاد عنه, بما يعبر عن هويتنا.
ومع ذلك فلا مستقبل بلا ماضي مهما تنوعت الاتجاهات والأفكار. فالثقافة لا يمكن لها أن تنمو بلا تأصيل دائم ومستمر لجذورها, مع البحث عن روافدها التي ترعى كل المستجدات. لذا فالاهتمام بالأدباء والشعراء الأقدمين لا يقل أهمية عن البحث الدءوب على المجدد من الشباب. و لعل الكتاب ووسائل الإعلام مرئية ومسموعة, منوط بها هذه المهمة قبل أية جهة ثقافية وإعلامية أخرى.
ويأتي الوعي بالتفكير العلمي والتناول ثم المعالجة العلمية..وهو مالا يمكن إغفاله ونحن نتحدث عن المواجهة لمتغيرات العصر والتعامل معها. فقد تحول العلم إلى الجانب التطبيقي ودخل إلى حياتنا منذ قرنين من الزمان بعدما كانت النظرة إلى العلم والعلماء, نظرة إلى البعيد. لذا وجب وضع العلم في موضعه الصحيح والثقافة العلمية باتت من أهم الثقافات التي تتسلح بها الشعوب الآن.
…… …… …….
وقفة مع الانتماء والوطن..
يعد مصطلح “الانتماء” من أكثر المصطلحات ذات الصلة بموضوع “المقاومة” وأدبها. ليس فقط للدلالة المباشرة الشائعة, حيث يعنى الوفاء/ الإخلاص/ المشاركة الايجابية..الخ, وكلها ذات مغزى أخلاقي. أما وقد بات المصطلح ذات دلالة سياسية وثقافية..فليس أقل من التوقف مع المصطلح والبحث عن تلك العلاقة الهامة والمباشرة حين البحث في موضوع الهوية/ الوطن…
يعنى الانتماء بداية, انتماء الفرد لجماعة معينة والعمل على تقديم التضحية الواجبة تجاهها إن لزم الأمر. لذا فهو قوة دافعة في ذاته, أي أن الانتماء روح وسلوك لا ينفصلان. كما يتصف الانتماء ب”الالتزام”, حيث تصبح مفاهيم الجماعة وقوانينها وقيمها هي المعيار الذي يلزم به المرء نفسه, دون إجبار.
غالبا ما يكسب الانتماء بعض الصفات للمنتمى, منها التخلص من الذاتية الفردية الأنانية, الشعور بالسعادة حين مشاركة الجماعة وخدمتها, الموافقة المطلقة على أفكار الجماعة وان بدت غير خيرة, وبذلك يصبح الفرد متكيفا مع الجماعة.. وما البطولات الفردية إلا من بواعث روح الانتماء.
وقد فسر الكثيرون الانتماء على أنه فطرى, حيث أن الإنسان ضعيفا بطبعه وفى حاجة إلى الآخر/الجماعة كي يشعر بالاطمئنان. كما أن ألذات الإنسانية لا تتحقق إلا من خلال علاقتها بالخارج حيث الجماعة. كما أضاف البعض أن وجود “قضية” يزيد من الانتماء, حيث يتحول الكل إلى وجهة مشتركة تجمع الأفراد وبالتالي الجماعة حولها.
كما فسر البعض ظاهرة الاستشهاد والتضحية حتى الموت بسبب الانتماء, فتحقق ألذات بالانتماء, والولاء لقضية الجماعة, ويعبر الانتماء عن نفسه بالفناء في القضية أو المشروع العام الجامع لأفراد الجماعة..وليس الاستشهاد إلا أقصى مدى للتعبير عن ذلك الولاء للجماعة والدفاع عن القضية, فتتحول التضحية بالذات إلى تأكيد لها, وتلبية نداء الجماعة (بالاستشهاد) تعبيرا عن قوتها الداخلية.
إلا أنه يلزم الإشارة إلى أن مقولة أن الانتماء فطرى, في حاجة إلى إضافة حقيقة موضوعية, ألا وهى أن كل فطرى في حاجة إلى تهذيب وتوجيه أو إلى “تربية”.. أي أن الانتماء في حاجة إلى الصقل بالخبرات اليومية المضافة والتدريب. فتكون البداية بتحديد قضية/قضايا الجماعة, والتدريب على حب الجماعة وقبولها بكل تناقضنها (إن وجدت), وهو ما عبر عنه البعض بالتدريب على الولاء عند الأطفال أولا. وفى فترة المراهقة يعتمد على الولاء للجماعات الطبيعية, مثل الأسرة والفصل وفريق الرياضة..وهكذا.
وأخيرا فعلاقة الفرد بالمجتمع هامة في تحديد حريته وفى التماسك الاجتماعي نفسه. ولأن مسألة الوحدة الوطنية قضية هامة ومصيرية, فان موضوع “الانتماء” من أهم الموضوعات الواجب تزكيتها دوما في مجال الحديث عن “الوطن” والمواطنة, وبالتالي حب الوطن وحمايته والدفاع عنه إلى حد الفناء من أجله.
لعل نمو وإزكاء روح البطولة لا يتشكل إلا من خلال “الانتماء”, حيث الصراع بين رغبات وشاطحات ألذات الفردية, وحاجات الجماعة ورغباتها, فتتولد روح البطولة أولا من خلال وعى الفرد بتحقيق حريته من خلال جماعته, وفى مرحلة تالية تعبر روح البطولة عن نفسها, من خلال الفناء من أجل قضية الجماعة للتعبير عن الانتماء وقوة ألذات المنتمية.
………. ………… ………
“مراعى القتل”..للروائي فتحي امبابى
..كانوا ثلاثة أصدقاء, جمعتهم “قروانة” الوحدة العسكرية, ومعارك الاستنزاف(ما بين عامى67حتى1970), ثم معارك أكتوبر73. ضاقت بهم سبل العيش (كما أغلب شباب مصر في تلك الفترة) بعد تسريحهم من الجيش. سافروا إلى “ليبيا” حيث الأمل في مصدر رزق جديد في مكان جديد. فكانت الرواية التي تلخص شكوى الاستلاب والتهديد بالموت حتى من أبسط حقوق الإنسان في لقمة تسد الرمق وفى صباح هادئ جديد.
..عالج الروائي فكرته من خلال التوازي والاسترجاع, فلم تكن الحياة قبل التسريح من الجيش أقل أو أكثر من الحياة بعده..في كل منهما التهديد بقنص الحياة, ربما يبدو ذلك مبررا وواضحا لمثل هؤلاء المعرضون لغدر عدو لا يبعد عن وحدتهم العسكرية سوى عرض المجرى المائي لقناة السويس. غير المبرر هو أن يبقى الإحساس نفسه, على الرغم من غور ملاجئ الأعداء إلى أغوار سيناء البعيدة (قبل التحرير الكامل لسيناء).
وقد استعان الروائي بحيلة فنية أضافت بعدا جماليا إلى سخونة الموضوع وأهميته. استعان بأحد النصوص الشفهية (المعاصرة) لتغريبة بنى هلال الشهيرة. وهذا الاستحضار التراثي أضاف إلى الحالة بعدا فكريا يستثير العقل للتأمل أيضا.
يقول فيما قال:
“كنت في جلدي زى بعدى عن ملاحي
وأوثق صدهم قلبي جراحي
فسرت من الهوى قدرا وصاح
ألا يا ليل .. هل لك من صباح..؟”
في البداية نلحظ تكرار الجملة:”الزمن قطر غشيم لا يرجع للوراء”. وهى إسقاطه لمعنى ما يريد الروائي تبليغه للقارئ, مع التكرار نتعاطف ونسأل: هل يعنى القطار حقا أم الزمن؟؟.
أما وقد بدأت الرحلة الغامضة, فلا حيلة إلا اعتلاء الذكرى والتذكر. لم يكن “التذكر” عنا حيلة فنية مقحمة ومفتعلة, كان ضرورة فنية..أما أن يقف “عبدالله” ورفقائه لسؤال المرشد من قبيلة “أولاد على” عن طريق اختراق السلك أو الحدود الرسمية بين ليبيا ومصر, فيقول لهم بتعال وغرور غير مبرر:
” كنك يا تيس يا عرس.. راع تنطق بكلمة ولا نضربك بالنار, عهد الله بنترك فيك هون للديابة”
وفى لحظات الغروب تزداد مشاعر الاغتراب, فليس في لون المياه الزرقاء البعيدة جمال, ولا في غروب الشمس وشروقها على أرض الأفق والصحراء. ويتذكر الجميع أحداث مظاهرات الجامعة بعد النكسة حيث جندي الأمن المركزي يقاتل الطلبة بكل جدية ونشاط!. ولا يبقى أمام القارئ سوى الربط الخفي /الظاهر بين قهر ومأساة المقاتلة على خط النار مع العدو الإسرائيلي, وعدو آخر على خط نار آخر !!
ومثلما كانت مشاهد القتلى والجرحى على أرض المعارك هناك, كانت المشاهد نفسها على أرض أخرى وعدو آخر..لكنه هذه المرة ليس إسرائيليا.. وهو ما يعد تفسيرا ومبررا للعنوان الأصلي للرواية “مراعى القتل”.
كتب في ص47: ” استيقظوا واحدا بعد الآخر, وأمامهم كانت تسبح سبع جثث من المتسللين المصريين الذين جرفتهم سيول الأمس بينما كانوا عائدين, تسد مدخل مخر السيل”.
تتواصل فصول الرواية..ما بين إعادة حوارات وأحداث ما كان بعد معركة 67 وحتى 73, وما هو كائن وممارس فعليا في طريقهم البرى إلى أعماق ليبيا.
وصلوا حدود طبرق, وما زال الغموض يكتنف مصير الجميع, فيأتي الليل..الليل الحقيقي ويأتي معه الليل النفسي المليء بالخوف من صباح جديد, فيقول أحدهم:
“ألا يا ليل ..هل لك من صباح؟؟” ص111
وتعد الرواية من الروايات القليلة التي تناولت موضوع مصير الجندي العائد من الحرب, بالإضافة إلى كونها كتبت بقلم أحد المحاربين, كما أنها كتبت بعد فترة مناسبة من انتهاء المعارك, وهو ما تجلى في وضوح البعد الجمالي الفني, الذي انعكس وعبر عن نفسه بتلك التقنيات الفنية المستخدمة, وبما يمكن أن نطلق عليه “النفس الهادئ” في التناول والصياغة, وهو ما أكسبها مذاقا خاصا.
[email protected]

نشر في 3/05/2005 8:40:00

‫0 تعليق