سعدية بيرو: قراءة في الفن البدائي / الجزء الثاني

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


فن الكهوف:الحافز، النمط و الجمالية
هل تنطبق مفاهيم الفن على تلك التشكيلات الكرافيكية التي خلفها إنسان ما قبل التاريخ؟
ألسنا بصدد إضفاء قراءات بعقلية القرن الواحد و العشرين على تصوير يتراوح عمره بين 10000 و 77000 سنة؟ أليست المعايير الجمالية التي نستعملها في قراءاتنا حائدة بالنسبة لتلك المخلفات البدائية؟

الأسباب التي دفعت هؤلاء البشر إلى إنجاز تلك الأشكال و الألوان لازالت مجهولة، و النظريات تتوالى و تتضارب دون أن تنال واحدة منها قبول الجميع. لكن، و بكل ما يوحي إليه كل ذلك الإرث الشاسع في الزمان و المكان، لا يسعنا إلا أن نتكلم عنه و نصنفه على أنه فن، بل و في نظرنا هو أب الفنون.
إذن يتشكل الفن البدائي من تلك التمثيلات “الصورية” المنقوشة أو المرسومة على سند جداريَArt Pariétal أو صخريArt Rupestre أو فن منقول Art Mobilier مشكل من عظام أو طين أو حجر أو عاج . وهذه التمثيلات يمكن اعتبارها التجلي الإنساني الثقافي الوحيد الذي استمر بدون انقطاع ما يزيد على سبعين ألفية (حسب آخر الاكتشافات) ليصل إلينا على أشكاله المختلفة و بكميات هائلة غطت مجموع الكرة الأرضية . فذلك العدد الهائل من المواقع الأركويلوجية المكتشفة و الخاصة بالفن البدائي لم ينحصر في مكان بعينه ولم يقتصر على عنصر أو قبيلة أو لون من الأجناس البشرية؛ بل هو خاصية ميزت الإنسان العارف Homo sapiens كأهم عنصر ثقافي لازمه و انتشر معه ، من أقصى شمال اسكندنافيا إلى أقاصي جنوب إفريقيا، من اسبانيا إلى سيبريا مغطيا آسيا و أمريكا ومنتشرا في أقيانيا وبصفة متميزة في استراليا إلى جزيرة الفصح… وتعد المواقع الأركيولوجية الخاصة بهذه الآثار بالملايين و تتفاوت أهميتها الفنية و التاريخية حسب تأريخها و طبيعتها و حجمها و كذا مدى الاهتمام الذي تلقاه من طرف الدول التي تتواجد بها هذه الآثار ومن طرف المجتمع العلمي الدولي لأجل الحفاظ عليها وصيانتها.
اكتشفت آثار فن ما قبل التاريخ لأول مرة عن طريق الصدفة في اسبانيا أواخر القرن التاسع عشر، وكان ذلك الاكتشاف بمثابة الصاعقة للباحثين في هذا المجال آنذاك. فأمام جداريات فنية حقيقية كالتي اكتشفت بكهف الألتميرا Altamira سنة 1879 من طرف طفلة ذات الخمس سنوات كانت ترافق أباها و هو مزارع مولع بالبحث في الآثار يدعى ساوتيولا Marcelino Sautuola والذي أعلن اكتشافه هذا سنة 1880 و لم يتلق سوى ازدراء و استخفاف علماء المتحجرات، والسبب هو أن الأمر كان يبدو شيئا غير منسجم مع ما تصوروه عن عقلية و معارف أولائك البدائيين.

عجل لاسكو. من كهف لاسكو الفرنسي

و قبل أن يعترف العلماء بتواجد شيء اسمه فن ما قبل التاريخ، استهزئ الكثير منهم ممن حاول التنبيه إلى أهمية تلك الاكتشافات، بل و منهم من نعتهم بالاحتيال و الغش كما جرى مع ساوتيولا الذي أمضى بقية حياته محاولا جلب الاهتمام إليها ، و لم يرد الاعتبار إلى اكتشافه إلا بعد عشرين سنة من وفاته، أو خوان فيلانوفا Juan Vilanova y Piera الجيولوجي الشاب الذي حاول الدفاع عن ملف ساوتيولا دون جدوى إلى حين اكتشاف كهف لاموط La mothe سنة 1895، ثم توالت الاكتشافات في أوروبا و خصوصا في فرنسا، ثم في ستينيات القرن العشرين بشمال افريقيا و الصحراء و غيرها .
وعلى إثر اكتشاف كهف لاسكو Lascaux بفرنسا سنة 1945 ، تسنى الوقوف على أقدم الآثار المكتشفة حتى ذلك الحين فبادر علماء المتحجرات إلى وضع تسلسل تاريخي على ضوء ما تواجد لديهم من المعلومات. كما انبثقت عن ذلك العديد من النظريات لتصنيف الفن البدائي:
1- نظرية الفن لأجل الفن، l’Art pour l’Art وهي تٌصور البدائيين “كمحبين للجمال” كان همهم اقتفاء الحسن، و المتعة. لكن تواجد “الأروقة ” في جحور مظلمة و على بعد مئات الأمتار من مداخل المغارات يجعل تصور رسم تلك الجداريات لهدف زيني أمرا باهتا.
2- نظرية الطوطمية Totémisme leو مؤداها أن كل عشيرة يقابلها حيوان طوطمي يكون محط تحريم و حضر غذائي بالخصوص و في بعض الأحيان يخص بالعبادة و التقديس. و يَشْرِك هذا الطرح العديد من الحيوانات المختلفة التي لا تتطابق و المكتشفات الأركيولوجية. و من جهة أخرى هناك العديد من الرسوم تمثل حيوانات و هي مصابة بحِرَب أو حاملة لجروح، الشيء الذي يتنافى و مسألة تحريم الحيوانات الطوطمية. و هكذا تبقى هذه النظرية متخلفة بسبب تنافر و تباين “أحكامها”.
3- نظرية القدرة السحرية، le Pouvoir Magiqueوتفترض أن تمثيلات الحيوانات أو مشاهد الصيد كانت كفيلة بمساعدة إنسان الكهوف في البحث عن قوته. و ذلك لظنه أنه بإسناد قدرة خارقة إلى الصور يستطيع أن يطرد الأرواح الخبيثة و يضمن بذلك صيدا وفيرا. هذا الافتراض يتناقض و تواجد العديد من تمثيلات لحيوانات و عناصر و أشكال لا علاقة لها بالصيد.
4- النظرية البنيوية، le Structuralismeو هي نظرية فتحت منظورا جديدا بسمات “بنيوية”؛ و تذهب إلى أن وراء الفوضى الظاهرة في الفن ألجداري l’Art Pariétal للكهوف، هناك نسق و بنية يمكن إظهارها بالإحصاء. و انصرف المنظرون إلى أن هناك بنية للكهف في مجمله بتمثيلات مدخله و قعره، وتنظيم الجدارية بتشكيلات مركزية و أخرى محيطة و خصوصا ازدواجية أساسية ” ذكر/ أنثى” و المتمثلة بالزوج الرمزي “بيسون – ثور بري /حصان. ولقد استرسل الكثير من الوقت دون أن يتم استنتاج بداهة البنية تلك.
5- الشًّمَانية، le Shamanism، وتَعْتبر الكهف مكان اجتيازٍ بين عالم البشر و العالم الموازي. بهذا المعنى تكون المغارة بمثابة المحراب الذي يقوم فيه “الشامان” بالدخول في”حضرة” أو”حِلم” لأجل إنعاش الانسجام بين الإنسان و الطبيعة. وبذلك تذهب هذه النظرية، التي تضفي بعدا روحانيا على فن الكهوف، إلى أن تلك التمثيلات تخلق محيطا عجيبا أشبه منه بالديني.
وتبقى هذه النظرية جد منتقدة من طرف بعض علماء ومؤرخي عصور ما قبل التاريخ الذين يرونها عبارة عن خيال طافح. لكنها أيضا النظرية الأكثر جدالا اليوم، و الأكثر رد اعتبار لدور الفن كحافز اجتماعي و نتاج إنساني اكتسى صبغة كونية على مستوى ” رموز الأفكار ” Idéogrammes و التقنيات و الموضوعات.
ظهور الفن ألجداري l’Art Pariétal هو الحدث الرئيسي لفن العصر الحجري القديم، و حسب النظريات الكلاسيكية، بدأ هذا الفن منذ 35000 سنة ليتطور شيئا فشيئا إلى حدود 13000 قبل الآن ليبدأ بعدها في الانحدار ثم الانقراض تماما قبل 8000 سنة. فطلقوا العنان لتصوراتهم المتأثرة بنظرية التطور، وذهب بعضهم إلى أن هذا الظهور كان بداية انطلقت من الصفر وكانت عبارة عن خربشات و رسومات ساذجة و موجزة . و قد بقيت هذه النظرية تؤخذ بعين الاعتبار و تغذي كل ما يدخل في نطاق تصور لثورة فنية أوروبية لإنسان الكهوف. لكن الأمر سينقلب تماما عند اكتشاف كهف شوفي Chauvet سنة 1995 الذي يحتوي على جداريات ورسوم هي من أقدمها على الصعيد الأوروبي ، و من أكثرها إعدادا و تقنية؛ الشيء الذي سيوضح تماما أن إنسان الكهوف قبل أكثر من 35000 سنة كان يمتلك تقنية كبيرة في تخطيط الرسوم و إعدادها. ثم سيأتي اكتشاف بكهف بُلُمْبُسBolombos بجنوب أفريقيا سنة 2002 لكُتلتين من مادة مُغرة ، نقشت عليها خطوط هندسية منحدرة و متوازية يعتقد أن تاريخ نقشها يرجع إلى قبل حوالي 77000 سنة ، الشيء الذي يحتم إعادة النظر في أطروحة الثورة الأوروبية الرمزية و الفنية. بل و هناك اكتشافات أخرى تبقى مخفية بين غموض السرية و شجار الباحثين من ذوي الاتجاهات المختلفة، فقليلا ما سمعنا مثلا عن ( منحوتة طان طان) التي لا ندري كيف خرجت من المغرب دون علم أحد من ” المسئولين المغاربة ” في هذا المجال. و يقول من يؤمن بأنها منحوتة أصيلة، كروبير بدناريك Robert Bernarek رئيس الفدرالية العالمية لمنظمات الفن الصخري ( IFRAO ) ، على أنها قد تكون أقدم تجسيد بشري لأن تاريخها يتراوح بين 500 000 و 300 000 سنة .
صور إنسان الكهوف بيئته، و بالأخص الحيوانية منها؛ كما شكل رموزا و علامات ملغزة. و تنقسم المواضيع التي تطرق إليها في الفن ألجداري إلى ثلاثة أصناف:
-1 جماعات الحيوانات، وتشكل أغلب التمثيلات التي أبدعها فنان الكهوف و قد أخص بها الحيوانات التي كانت تحيط به و ليس فقط تلك التي كان يصطادها أكثر؛ و على العموم فمعظم هذه الحيوانات و الأكثر ها شهرة و أحسنها إتقانا وتنفيذا الحيوانات آكلة العشب. هناك الحصان و البيسون، ثم الماموث و الثور البري فالأيل, و نادرا ما رُسمت حيوانات كالأسود و الدببة؛ ونادرا جدا الأسماك و الطيور. و في بعض الأحيان شكلت أشياء تثير الدهشة، بل وتثير تحفظ العلماء في الإعلان عنها كالرسم الذي يمثل أحد الديناصورات في مواجهة مع ماموث بكهف برنفال بفرنسا Bervifal ؟ ويلاحظ أنه قليلا ما رسمت مشاهد مكتملة كقطعان في مشهد طبيعي مثلا. كما يوجد بعدد جد ضئيل رسوم لحيوانات خيالية قارن Licorne، أو أخرى خرافية نصف حيوان نصف إنسان مثلا.
2- التمثيلات البشرية، وهي جد قليلة، ومن الملاحظ أن رسم الإنسان قد تم في الغالب بطريقة موجزة، ودائما بمرافقة حيوانات أو مختلطا بها. و ما يمثل أكثر العنصر البشري من رسومات إنسان الكهوف رسم الأيادي عن طريق طليها بمادة صابغة ثم طبعها على السند ألجداري، أو بوضع اليد على الجدار ثم نفث سائل ملون من حولها عن طريق الفم، للحصول على شكل سلبي لليد.
أعدت هذه الرسومات في أغلبها بتقنية عالية، توحي في عمومها لنمط معين يمكن أن يكون قد بلور قواعد في التكوين وتقنية المواد و الأدوات المستعملة، تختلف حسب الحيز الجغرافي و الزمني.
3 – رموز وإشارات وعلامات، نِقط، خطوط منحدرة أو مستقيمة أو عشوائية، أشكال هندسية أو تجريدية من دوائر و مستطيلات و تعرجات، غطت كل حقب ما قبل التاريخ، رسمت أو نقشت أحيانا إلى جانب حيوانات، أو منفردة و تغطي أحيانا مساحات مهمة قد تصل إلى بعض المترات المربعة. وهناك العديد من الهيئات التجريدية من “رموز أفكار” Idéogramme قد تكرر تشكيلها بصفة جد متشابهة في أكثر من منطقة في العالم رغم فارق الزمن و المسافات… وقد أهمل الفنان البدائي كل ما يتعلق بالبيئة النباتية لأسباب لا يمكن الإحاطة بها.
أما فن النحت و الحفر فقد تطرق لنفس المواضيع المذكورة مع بروز كبير لتماثيل ما يسمى بالفينوسات و هي تماثيل أنثوية في هيئات جد متباينة.
ويطفح سجل الفن البدائي بأشكال وألوان من التقنيات والإبداعات المختلفة من رسم و نقش وحفر و نحث و تجسيم، استعملت في إعداد هيئات فنية شتى من جداريات ضخمة إلى مجسمات صغيرة جدا مرورا بحلي و أسلحة و مصابيح…
و قد استعمل الفنان البدائي مواد خام و ابتكر أدوات و وصفات في إعداداته الفنية المتنوعة. فلكي يرسم كان عليه أن يحصل على مواد ملونة، ثم بعد ذلك كان عليه سحقها ثم خلطها بمواد سائلة مثبتة؛ و كان عليه إعداد أدوات قاطعة لحفر و شق الحجر و العظم أو أخرى لتحديد الشكل و طلي المواد الصابغة…
هذا و مم لا شك فيه أن وراء فعل الفن البدائي يكمن وعي بهذا الفن، وذلك يظهر على أكثر من مستوى، من الناحية التقنية و ما تتطلبه من إعداد للمواد الخام و الأدوات و اختياره للسند الملائم و استغلاله لنتوؤات أو تصدعات لإظهار نوع من البروز للهيئات التي مثلها كانت رسما أم حفر . ثم على مستوى الأشكال التي عبر من خلالها عن مخيلته، ولكي يعبر الإنسان عن مخيلته، لابد أن يكون واعيا بهذه المخيلة.
تٌكمن أهمية الفن البدائي في كونه الفعل الحضاري الوحيد الذي وصلنا حاملا معطيات ثقافية تخص المجتمعات الإنسانية الغابرة، وهو لا يعطينا صورة عن محيط وبيئة تلك المجتمعات فحسب، بل يخول لنا و بقدر كبير تصوُرَ مفاهيم و طريقة الإنسان البدائي في تعامله مع تلك البيئة وذاك المحيط. فكل ما نشاهده من تمثيلات و رسوم و نقوش و حفر و نحث … إنما هي رموز، وكما يبين تاريخ الفن و الأنتروبولوجيا، فإن أي تجسيم لا يطرح بالصدفة، فشكل حصان أو بيسون ليس بالضرورة مرآة للشكل الواقعي بقدر ما هو مفهوم “تشكيلي” لما يمثله ذاك الحصان أو ذاك البيسون، في بيئة معينة ألا و هي بيئة الإنسان البدائي. إنه حدث ثقافي حضاري، نمط إبداعي تجلى في استغلال “المادة” و” الأداة” في حيز التشكيل لأجل التعبير عن موطن الخيال، و بهذا المعنى تشكل تلك المنجزات الشكل الوحيد الذي وصل إلينا عاكسا “إيديولوجية” اجتماعية، خاصة بإنسان الكهوف. و من تم دليلا قاطعا على عالمية الإبداع و إقناعا على أن عمر هذا الإبداع من عمر الوعي الإنساني.


نشر في 28/04/2005 8:30:00

‫0 تعليق