د. هيثم الحاج علي: جدل التأمل والتناص. إعادة البناء في رواية تحت الاحمر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بحوث ومقالات
هي الرواية – مرة اخري- القادرة علي امتصاص أنماط متعددة من الخطابات , واستخدامها بصورة فنية ,قادرة علي استنطاق الواقع بمقولاتها , ولكنها – في هذه المرة لا تستنطق واقعا ,ولكنها تتوازي مع دائرتها الابداعية.

ويبرع ” خالد السروجي” في الاشتباك مع عالم سردي , يتمتع في الغالب بسمة المحدودية مستخرجا من عوالمه المحدودة تلك خطابات أكثر ثراء وتشعبا مما لو اتسع العالم, ولكنه – هنا- يستغل عالما لايمكن – في البداية- وسمه بأنه عالم واقعي, وإذا كانت النصوص السردية في الأغلب الأعم تتوازي مع الواقع , وتحاول جاهدة أن تبين انتماءها له بصورة او باخري , فإن رواية ” تحت الأحمر ” تحاول التملص , ولو علي مستوي الظاهر ,من هذا الانتماء , حيث تبين في أكثر من موضع انتماءها إلي خيال الكاتب المتجسد في صورة شخصية داخل النص, وربما يتكون عالم الرواية عموما من هذا الخيال دون إضافة واضحة , ةهي الإشكالية التي تجعل من فرادة هذه التجربة أمرا حتميا..

وإذا كان مصطلح ” التناص ” قد انتشر بصورة واضحة علي مستوي الدراسات الأدبية في الفترة الأخيرة , فإن هذا قد دل بصورة ما علي رغبة المبدعين المعاصرين في التوقف إزاء منجزات حضارتهم وتأملها , ومن ثم استخدامها في التعبير عن تعقدات اللحظة الحالية , وهو الأمر الذي انتشر في الكتابات المعاصرة حين يستخدم أي مؤلف مقولة ما عنصرا ما او حدثا ما في كنابته, لتصبح هذه العناصر محملة بدلالات جديدة نابعة من وجودها الجديد في نص جديد , وهو ما يمكن ان ندعوه بإعادة انتاج العناصر التراثية , او اعادة تدويرها لتكون قابلة للحياة مرة اخري , محملة بسمات جديدة تتواءم مع هذه الحياة..

وإذا كان الامر كذلك , فإننا بإزاء رواية” تحت الاحمر ” نكون في المواجهة مع نوع جديد من ” التناص” هو ” التناص مع الذات ” حيث يقوم بأدوار البطولة في هذه ” الرواية” مجموعة من ( الشخصيات) التي قامت من قبل بأدوار ( البطولة ) في (قصص) سبق نشرها للكاتب نفسه , في صورة اعادة التدوير التي لاتستكمل القصص السابقة , ولكنها تستكمل هذا العالم الذي صدرت عنه تلك القصص , وهو ما يدعونا الي الإقرار بإن “خالد السروجي” في روايته هذه قد اجتاز وتجاوز حد ” التناص” الي حد بناء عالم يقوم كلية علي العناصر المتناصة.

فالرواية تقوم علي إحياء مجموعة من شخصيات قصصه , وهي الشخصيات التي عانت بصورة ما من وطأة تسلط بوليسي , لتتجمع هذه الشخصيات حول شخص مركزي هو لواء بوليس متقاعد , يعاني من أعراض اكتئاب نتيجة لتقلص سلطاته , في صراع واضح بين هذه الشخصيات التي استمدت قوتها من كونها خيالا , ومن خروجها من حيز نصوصها القصصية , وبين هذا اللواء الذي صار طرفا اضعف بحكم خروجه من السلطة , وإحساسه الدائم بتآمر من حوله عليه, وهو الصراع الذي يتعامل معه ” النص السردي ” بتقنية عالية, يبدو فيها الحس البوليسي واضحا دون ان يطغي علي الفنية العالية المحملة بخطاب مضموني ضد القهر بانواعه كافة.

وتبدو لفكرة التوازي مع عالم متخيل – اذن- ألقها الخاص, لاسيما وإن هذا العالم المتخيل من صنيعة ” الكاتب ” نفسه وهي الفكرة التي تجعل من ظهور ” الكاتب” بوصفه ” شخصية” عنصرا علي درجة عالية من الأهمية , خاصة إذا لاحظنا تلك العلاقة التاريخية المعقدة بينه وبين شخصية اللواء, فكل منهما ينتمي الي قناعات مختلفة , ” الكاتب” بإنتمائه الأبيض , و ” اللواء” بعقيدته الراسخة في الاسود- سنعود بذلك الي تعبيرات سبقت الإشارة اليها في قصة ” الفتي الأبيض ” ذاتها ولكن لافرار من ذلك فالدائرة واحدة , والتعبير عن هذه الدائرة يتمركز في النهاية حول فعالية الشخصية في تطوير دورها السابق عن الوجود في الرواية….

وتبدو شخصية ” اللواء حفظي ” و ” الكاتب” هما طرفي نقيض , طرفا الصراع الأبدي بين خير وشر , ويقع بينهما , بصفتهما فاعلين ايجابيين , تلك الشخصيات التي تعبر بوضوح ,ليس مجرد خيال , عن أولئك القابعين في استسلام في ركن من اركان الحياة, ربما تقودهم أحلامهم مرة , وحظهم العاثر مرة اخري, الي الوقوع في براثن أحد هذين الطرفين او كلاهما, وهو الامر الذي يمنح هذه الشخصيات في الرواية إمكانات غير محددة في الوجود المحايث , فهم بلا ذاكرة ولا تاريخ سوي الاحداث التي عاشوها في قصصهم السابقة, وهي الإمكانات التي تفتح الباب لاحتمالات شتي ,ربما تظهر في بوضوح في الفقرات ” اللازمنية” داخل الرواية, وهي الفقرات التي تعنون بمجموعة من النقاط , علي غير عادة التقسيم من أول الرواية, بما يجعل من هذه الشخصيات عنصرا مسهما في فتح احتمالات ” تشعب” الرواية , واحتمالات تغيير تقنية عرض أحداثها بين الحين والآخر ..

ومما يزيد من ” احتمالات هذا التشعب” مايمكن أن نلاحظه من شبكة العلاقات بين الشخصيات الخمسة المستخرجة من القصص : فهذه الشخصيات هي :” الصبي الذي مات أخوه علي يد رجال الشرطة عند اعتقاله , والشاب ” الفتي الابيض” طالب الطب صاحب النظرة الحالمة التي ماتت – كذلك- علي يد رجال الشرطة, والرجل ” صاحب النجمة” , الذي اتهم زورا نتيجة سوء فهم رجال الشرطة وتوجسهم الدائم ازاء تصرف قد يكون عاديا , و” العجوز” الذي نال علي يد رجال الشرطة ما لايليق به , ولا يتحمله لمجرد انه دخل القسم مبلغا عن اختفاء ابنه , و ” نور” المغني معلم الاغاني”.

فهذه الشخصيات بتجمعها هذا , وإن مثلت كل المراحل العمرية الممكنة , فانها تمثل طبقة لاتتعامل مع الشرطة , ولا تستعديها في الأصل, وليس لديها أي طموحات علي المستوي السياسي , ولكنها تحاول الحياة – فقط الحياة- وهو ما يجعل من مفارقة سقوطها تحت نير الشرطة ” مفارقة ميلودرامية” , احسن ” الكاتب” استخدامها في الاتجاه ” الفانتا ستيكي” , وذلك حين اضاف إلي وجودها , واجتماعها ذلك الحس البوليسي الغامض , الذي يجعل من اجتماعها رمزا لتوحد المقهورين ضد من قهروهم ,أولئك الذين تمثلوا في ضابط شرطة بقهره المادي الواضح لهم , و “الكاتب ” حين قصر وجودهم علي هذا الشكل متجاهلا كونهم بشرا حقيقيين , يجب التعبير عنهم في صورة أكثر حياة , وهو الأمر الذي جعلهم ناقمين عليه , او قل متمردين علي تحكمه فيهم ..

من هنا يمكن لنا ملاحظة الصورة الوظيفية التعبيرية التي ظهرت بها شخصيات الرواية, وهي سمات قصصية ,تتواءم مع كون الشخصيات مستلة من قصص قصيرة ,وهو ما جعلها شخصيات نمطية لا تتغير بتغير الاحداث , ولا تتبدل وجهات نظرها , بل إن التطور الوحيد الممكن ملاحظته يكمن في اتحادهم جميعا , ودعوتهم الي هذا الاتحاد” علي ارض بيضاء وتحت سماء بيضاء وفي اللازمن , حين ينضم اليهم شخصيات اخري مستقلة من روايات – هذه المرة روايات- ” د.زيفاجو”, ” وسرد احداث موت معلن “, ” واللص والكلاب “, وغيرها , حتي يتم الاتحاد ويكون الجو مهيئا حينها لان يتزلزل العالم القائم علي القهر والظلم.

واذا لاحظنا نبرة الخطابة في مثل هذه الجملة , فاننا سنلاحظ – كذلك- مدي مواءمتها لطابع الشخصيات النمطية , الساعية اولا الي الانتقام وثانيا الي تقويض اركان هذا العالم , غير إنه من الضروري – كذلك- أن نلاحظ النظرة الساخرة التي تنظر بها الشخصيات تلك الي شخصية ” الكاتب ” , وكانها لاتريد به أن يستمر في إحساسه بنفسه علي اعتبار كونه خالقا لهم , وهو ما يدعم الشكل ” الفانتاستيكي” كذلك ..

إن المقومات ” الفنتاستيكية ” المميزة لهذه الرواية متعددة, وربما تبدأ من فكرة ” التناص مع متخيل” , غير إن كاتبنا – وهو بالضرورة شخصية تختلف عن شخصية ” الكاتب” داخل الرواية- سرعان ما يدعم هذا الاثر بعدة تقنيات وحوافز علي مدار نصه الروائي .

تتجلي هذه التقنيات والحوافز في رؤية ” حفظي” ل ” العجوز” ….وهو الوحيد الذي يراه ” صاحب العربة الكارو” , ثم ينضاف اليها مجموعة الكوابيس التي تهاجم ” حفظي” , والتي تستكمل تفاصيل عن الشخصيات ليست موجودة في قصصها…وهي الكوابيس التي توضح انفلات هذه الشخصيات من قبضة كاتبها , ثم تلك الأحداث غير المعقولة التي تحدث في المستشفي , والتي تجعل من الدكتور غنيم يلجأ الي تفسيرات ” البارا سيكلوجي” …

ان هذه التقنيات تمنح القارئ استثارة خاصة علي مدار الرواية – علي الرغم من قصرها- وتجعله يقف امام أحجية , ربما تتخذ سمة ” بوليسية” , او ” لامعقولة” , ولكنها لاتعوقه عن تمثل الخطاب النهائي للرواية, خاصة عندما تهجم هذه الشخصيات علي اللواء ” حفظي ” في اثناء نومه من دون أن يمكن لأحد رؤيتهم او الامساك بهم .

وهي امور تتوائم في صورة واضحة مع عنوان ” تحت الأحمر, وفوق البنفسجي ” , الدال علي تلك المنطقة التي يتم رصد الشخصيات من خلالها..

إن جدل ( الواقع – فوق الواقع) المتجلي عبر احداث الرواية هو ما نتج بالتاكيدعن فكرة ( التناص مع متخيل) , كما انه وسيلة مهمة في يد الكاتب – مؤلف الرواية وليس مؤلف القصص- لكي يحاول التعبير عن عالم واقعي متوار خلف فكرة , وهي سمة قصصية – طالما المحنا الي أنتماء كتابة ” خالد السروجي” لمجال القصة القصيرة حتي لو كتب رواية- سمة قصصية يحاول عن طريقها تمثل العالم وهضمه وإنتاجه في صورة فنية إبداعية..

ان هذا الجدل – كذلك – هو نفسه مايفتح الباب لملاحظة العلاقة الجدلية بين ضابط الشرطة والكاتب, تلك العلاقة التي لاتتوقف عند حد نصوصه التي يتعامل الضابط معها في حس بوليسي واضح , فهو يستنطقها بما لا تحتمل, محاولا التأكيد علي عدائه لكل ماهو خارج عن سيطرته,وهو ما يظهر جليا فيما يختاره من قصص وعبارات , يحس إنها موجهه إليه شخصيا..ورده المكتوب علي هوامش هذه القصص , بما يوضح الحس الأمني المتشكك, غير إن هذا الشك يتحول – في جانب من جوانبه- إلي حقيقة , خاصة عندما نري العلاقة ذاتها مسيطرة – بوعي او بغير وعي – علي الكاتب , الذي ينظر بسخرية الي اللواء..” .. ومتي اهتم الجنرالات بقراءة قصصي” .. والذي تتحكم روح عدائية – مبررة طبعا- في نظرته الي هذا اللواء, خاصة ان له تاريخه المحمل بالشرور , فهو ممارس للقهر منذ أمد بعيد , يتمثل في علاقته العدائية السياسية القديمة بخال الكاتب , وهو الذي اسهم في رسوب والد الكاتب في الانتخابات التي خاضها مستقلا. وهي الأمور التي تجعل من وجود الشخصيتين عامل توازن في مجال ظهور الشخصيات الأخري…

وليبقي الدور الثانوي الذي تؤديه باقي الشخصيات مسهما – كل في مجاله- في التاكيدعلي أحجية الرواية, والعلاقات الثابتة لشخصياتها , فهدي ,ود.غنيم, يمثلان محاولةالرؤية العلمية في عقلنة الاحداث غير المعقولة التي تقع في الرواية , حتي مع التأكيد علي نظرية ” البارا سيكلوجي” من ناحية , ومن ناحية اخري فإن فشلهما في الوصول الي حل منطقي لهو ما يؤكد الشكل ” الفنتا ستيكي ” والعلاقات المعقدة بين العالمين …

ومن ناحية اخري يظهر” تلميذ اللواء حفظي ” مؤكدا علي الدور التسلطي الذي قام به الرجل اثناء وجوده في السلطة , كما يؤكد علي الدور الاسئثنائي الذي يقوم به ضابط الشرطة في خرق القانون : ” .. انت عارف انها معلومات سرية ..لكن لأجل عيونك يا باشا …” , ومن ناحية اخري يتوازي وجودهذا التلميذ مع وجود الأب في التأكيد علي الدور الذي قام به ” اللواء حفظي ” في احباط كل محاولات عائلة ” الكاتب” السابقة – تاريخيا – في انقاذ الوطن , وهو الأمر الذي اعطي مشروعية لهذا الكاتب – وإن بلا وعي منه – في وجود عداء خفي مع هذا الضابط بوصفه ممثلا لكل ما هو معيق لأفكاره المثالية..

إن الوجودالمؤئر للشخصيات داخل هذا النسق الروائي المعتمد علي أحداث فجوات زمنية ضيقة المدي , بتلك الصورة المتناصة مع نصوص اخري للكاتب نفسه , قد أسهمت في إحداث حالة روائية علي درجة من الخصوصية تنطلق من خطاب جمعي ضدالقهر , وفي الوقت نفسه هو اتجاه يحلم ” بالحركة الضد ” التي ترغب في محو كل أشكال هذا القهر والتسلط , غير إنه في الوقت ذاته هو ذلك الخطاب العالي الصوت , وهذا من اهم مبررات ” فانتاستيكية” الشكل..

إن ” خالد السروجي ” بتجربته هذه أحدث نقلة نوعية في إطار خطه الكتابي , وهي النقلة التي أزاحت الواقع في تجاربه السابقة لصالح “الحلم” , وازاحت” أحادية” الخط لصالح ” التشعب والتعقد ” , فكاننا بها محاولة للوقوف والتأمل لمراحله السابقة , غير انه في الوقت ذاته مازال اشد انتماء للتكثيف القصصي ولغته التعبيرية الشافة ,وهو ما نراه ظاهرة واضحة في كتابته , ولتبقي في النهاية الإشارة إلي انفتاح النص علي عوالم غير مطروقة من ناحية, وانفتاحه علي نهاية غير مؤكدة , مما يؤكد علي الصيغة التأملية التي اصطبغت بها المعالجة , وليصبح التأمل تأملا للتجربة الإبداعية , وافرازاتها , تأملا للفترة التاريخية وما أنتجته من صيغة اجتماعية بوليسية , تأملا يجوز ان نطلق عليه : محاسبة.
د. هيثم الحاج علي (أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية – جامعة حلوان)

نشر في 13/04/2005 8:30:00

‫0 تعليق