صالون نون الثقافي بغزة (فلسطين): لقـاء حول النقد الثقافي والنقد النسوي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


من فتحية إبراهيم صرصور- غزة – فلسطين
في يوم الثلاثاء 5/ابريل 2005 اجتمع عدد من الكتّاب والأدباء رواد صالون نون الأدبي في قاعة السنابل بدأت الأستاذة فتحية صرصور الجلسة مرحبة بالضيوف الكرام في لقاء جديد من لقاءات صالون نون الأدبي، هذه اللقاءات المتواصلة والمثمرة بإذن الله. وقالت:خروجا عن النمطية وفي محاولة منا تحديث موضوعاتنا، ومواكبة النظرية النقدية، نتجه اليوم وإياكم نحو صفحة جديدة من صفحات الإبداع باحثين في قراءة من قراءات الأدب المبدع الناجح؛ ألا وهو (النقد الثقافي والنقد النسوي) لماذا النقد الثقافي؟ وهل يكون بديلا عن النقد الأدبي؟ هل في النقد الأدبي ما يعيبه أو ينقصه كي نبحث له عن بديل؟ هذه الاسئلة يجيب عنها الدكتور الغذامي قائلا نحن حين ننسب النقد الادبي الى ا

لأدب، وفي المقابل فإننا سننسب النقد الى الثقافة وهذه لعبة ساذجة لاشك إذا وقفنا عند الحد الذي هو أشبه بتفسير الماء بعد الجهد بالماء. إلا ان استاذ النقد والنظرية يشير في المقابل الى ان المسألة ستبدو أكثر تعقيدا لو طرح سؤال المقصد من مصطلح الأدب ومصطلح الثقافة. ويقول ان أي دارس للأدب وأي دارس للثقافة يعي أن الأمر أكثر تعقيداً مما توحي به الانطباعات الاولية، وما من أحد إلا ولديه تعريف من نوع ما لكل واحد من المصطلحين، غير أن المعضل يبدأ حينما نجرب البحث عن تعريف مجمع عليه، حيث لن نجد تعريفا واحدا يتفق عليه الجميع من أهل المهنة تحديدا، وهذا معناه أننا أمام مفهوم متعدد الوجوه ومتعدد الاحتمالات، وهو لهذا مفتوح وحر، بل هو زئبقي وغير قابل للثبات.
وأضافت قائلة: يقول الغذامي: لقد كان للنقد الأدبي إنجازات كبرى على مر العصور، ويكاد يكون هو العلم الأكثر امتدادا والأعمق تجربة بين سائر العلوم في الثقافة العربية، ولاشك انه هو العلم الذي حقق لنفسه استقلالا نوعيا عن المؤثرات السلطوية، ربما لأنهم كانوا ينظرون إليه على انه علم غير نافع ولقد كان الشعراء يستهترون بالنقاد وباللغويين كما ورد عن الفرزدق وعن البحتري، وبالتالي فهو غير سلطوي، وفي نفس الوقت هو علم يتعامل مع المجاز والخيال وليس مع الحقيقة والواقع، لذالك إن نحن أردنا إن نكون منهجيين في عملنا وفي تصورنا للظاهرة التعبيرية، فإننا نقول إن النقد الثقافي لن يكون إلغاء منهجيا للنقد الأدبي، بل انه سيعتمد اعتمادا جوهريا على المنجز المنهجي الإجرائي للنقد الأدبي.
ثم قالت عليّ ألا أطيل لأترك المجال لضيفنا يحدثنا في هذا الموضوع عبر محاور عدّة يبدأها بالحديث عن مفهوم النقد الثقافي والنقد النسوي ذلك المفهوم القديم الحديث ليلج منه لتأصيل للنقد وشرح علاقته بالمناهج الحديثة والمناهج التاريخية السابقة عن الحداثة.
ثم يتحدث عن علاقة النقد بالواقع وتأثير الواقع على النقد..
ولمّا كنا في صالون نون الأدبي النسائي نناقش ما يتعلق بإبداعات المرأة سواء في مجال الشعر و الرواية أو النقد فلا بد ونحن في غمرة الحديث عن النقد أن نتناول النقد النسوي كتيار من تيارات النقد الثقافي.
هذه المحاور يتحدث عنها الأستاذ خضر المهتم بهذا الموضوع بحثا وتحليلا ودراسة.
إنه الشيخ خضر – كما يحب أن يدعى – الشيخ خضر عطية محجز روائي ويعمل نائبا لمدير عام الهيئة العامة للكتاب بوزارة الثقافة، له العديد من النشاطات في مجال الشعر والرواية والنقد والبحث النقدي.

من أعماله:
ديوانا شعر الأول بعنوان الانفجار ، والثاني اشتعالات على حافة الأرض.
والروايات: قفص لكل الطيور، اقتلوني ومالكا، عين سفينية.
أما الدراسات فله: الجيّة الأرض والإنسان.
وأطروحة الماجستير بعنوان: تقنيات السرد الروائي بثلاثية عبد الرحمن منيف (أرض السواد).
والآن يعمل منكبا على أطروحة الدكتوراة الموسومة بـ(البنية الثقافية في كتابات إميل حبيبي) دراسة في النقد الثقافي.

استهل الأستاذ خضر بالشكر لجماعة صالون نون لجهودها المبذولة في سبيل الثقافة، ثم بدأ بعرض ورقته قائلا :

النقد الثقافي: Cultural criticism
عندما منحت جائزة بولنجتون عام 1949 لعزا باوند، انتقد بعض مثقفي نيويورك هذا القرار بمرارة. ومما له مغزى هنا أنهم لم يناقشوا جماليات شعر عزرا باوند، لأنهم يقرون بها، وإنما رفضوا منح هذه الجائزة له نظراً لاعتبارهم إياه مسانداً سابقاً لموسوليني وهتلر، في الحرب العالمية الثانية. لقد كان طرفا هذه الحادثة الثقافية هما: الجماليات الشكلية البحتة من جهة، والقيم الأخلاقية من جهة أخرى. وبمعنى آخر، فقد فرضت هذه الحادثة على المثقفين أن يقرروا حول وزن كل من الجماليات والسياسة في النقد الثقافي[1].
” فالأدب هو أيديولوجيا ـ كما يقول تيري إيجلتون ـ لأنه أحد الوسائل اتي تستخدمها مجموعات اجتماعية معينة لتمارس وتفرض سلطتها على الآخرين “[2].
يسعى مشروع النقد الثقافي إلى التعامل مع النصوص الأدبية، من خلا إعادة وضعها داخل سياقها السياسي والاجتماعي الذي أنتجها؛ وذلك على اعتبار أن النص علامة ثقافية بالدرجة الأولى، قبل أن يكون قيمة جمالية. وهذه العلامة الثقافية لا تتحقق دلالتها إلا من خلال سياقها الذي أنتجها أول مرة ـ سياق المؤلف ـ وسياق القارئ أو الناقد الذي تلقاها بعد ذلك في سعيه نحو التفسير. فمصطلح النقد الثقافي إذن يوحي بموقف أيديولوجي: إذ يفترض أن تحليل النصوص كان يمر بمرحلة لا تلتفت إلى محتواها الثقافي. وهذه وضعية إشكالية، يسعى النقد الثقافي إلى تحليلها، وصولاً إلى اقتراح الحل.[3]
أول من طرح هذا المصطلح هو الناقد الأمريكي فنسنت.ب.ليتش: (Vincent B.Leitch ) كمشروع نقدي من مشاريع ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، كما يقول د. عبد الله الغذامي. ويدعو النقد الثقافي إلى كشف العيوب النسقية، في الثقافة والسلوك. وذلك من خلال سعيه إلى فك الارتباط التقليدي القائم بين المؤثِّر (جماليات النص) والمتأثر (المتلقي): إذ كثيراً ما كانت الأبعاد الجمالية المحضة ـ التي اهتم بها النقد الأدبي ـ تُشيع قيماً وتؤسس لسلوكيات قبيحة أخلاقياً وحضارياً.
فالنقد الثقافي يدرس الممارسات الخطابية التي تأتي إلينا في شكل أبنية أدبية مرتبطة بالمعرفة والسلطة، ويهتم بالمضمرات الدلالية الكامنة وراء الخطاب الجمالي الظاهر. ولأن هذا الخطاب الجمالي قد صنعته المؤسسة ـ بعلاقات إنتاجها المختلفة ـ فلا بد إذن من إلقاء الضوء على علاقة المعرفة بالسلطة والمؤسسة، وكشف ارتهان المعرفة للمؤسسة، وارتهان الجمالي لشروط المؤسسة؛ هذا الارتهان الذي استبعد كثيراً من الخطابات الفاعلة في المجتمع، وجردها من الاتصاف بصفة الجمالي؛ لأنها لا تستجيب لشروطه التي هي في الأصل شروط المؤسسة. كل ذلك يتغياه النقد الثقافي في سعيه الحثيث للوصول إلى نقد كاشف، يبطل مفعول النشاط المخدر الذي تمارسه المؤسسة على النشاط النقدي.
وإذا كان النص هو غاية الغايات عند النقد الأدبي ـ خصوصاً في مراحله الشكلانية الأخيرة كالبنيوية والتفكيك ـ فإن النقد الثقافي ينظر إلى النص كمادة خام، بحيث لا يُنظر إليه بمعزل عن الظواهر الأخرى ولا يُقرأ لذاته أو لجمالياته فقط، بل يعامل النص بوصفه حامل نسق، وهذا النسق هو الذي يتغيا النقد الثقافي كشفه متوسلاً بالنص في سبيل هذا الكشف. فالنص مجرد وسيلة لاكتشاف حيل الثقافة في تمرير أنساقها. وهذه نقلة نوعية في مهمة العملية النقدية، حيث الأنساق هي المراد الوقوف عليها وليس النصوص. وبمعنى آخر فإن النقد الثقافي يستخدم أدواته للغوص في لاوعي النص، من أجل الكشف عن المسكوت عنه من الإشكالات الأيديولوجية وأنساق التمثيل وكل ما يمكن تجريده من النص.
والنسق System: نظام ينطوي على استقلال ذاتي، يشكل كلاً موحداً، وتقترن كليته بآنية علاقاته، التي لا قيمة للأجزاء خارجها. ويعني: التركيز على أنظمة الشفرات التي تنزاح فيها الذات عن المركز، وتغدو مجرد وسيط أو أداة من أدوات هذا الكل الموحد. والنسق يتحدد بوظيفته وليس عبر وجوده المجرد.
وإذا كان جاكوبسون قد اكتشف عناصر ستة للنموذج الاتصالي، هي: المرسل ـ المرسل إليه ـ الرسالة ـ السياق ـ الشفرة ـ أداة الإتصال. فإن عبد الله الغذامي يقترح إضافة عنصر سابع هو النسق، لتغدو وظائف الاتصال بعد هذه الإضافة ووفق الترتيب السابق: الوظيفة الذاتية ـ الوظيفة الإخبارية ـ الوظيفة المرجعية ـ الوظيفة المعجمية ـ الوظيفة التنبيهية ـ الوظيفة الشعرية ـ وأخيراً: الوظيفة النسقية. وذلك على اعتبار أن كل اتصال إنساني يُضمر دلالات نسقية تؤثر في كل مستويات الاستقبال: في الطريقة التي بها نفهم، والطريقة التي بها نفسر.
وبهذا يتميز مصطلح النسق ـ وفق الغذامي ـ بطبيعة دلالية تضاف إلى نوعي الدلالة النصية: الدلالة الصريحة، الدلالة الضمنية. وذلك على اعتبار أن الدلالة الصريحة تحملها الجملة النحوية، والدلالة الضمنية تحملها الجملة الأدبية، أما الدلالة النسقية فهي بحاجة إلى جملة ثقافية.. وهي الجملة التي تشير إلى تضمن الخطاب مضمرات تتدخل في توجيه الأفكار والسلوك، وتنسخ ظاهر الخطاب وتنقضه. وليست هذه المضمرات كلها من انتاج المؤلف، بل هي إلى جانب ذلك من انتاج المتلقي والمجتمع. كما أن هذه المضمرات ليست بالضرورة مقصودة في إنتاجها، لأنها في الغالب تكون كامنة في اللاوعي، سواء منه الفردي الخاص بالمؤلف والمتلقي أو الجمعي الكامن في طبيعة الثقافة، وطبيعة علاقات الأمة بالمنتج الثقافي عموماً والمنتج اللغوي على وجه الخصوص.
وبهذا يصبح المؤلف مؤلفين: مؤلف فرد له خصوصية شخصية، ومؤلف آخر ذو كيان رمزي هو الثقافة التي تصوغ بأنساقها المهيمنة وعي المؤلف الفرد ولاوعيه على حد سواء. ويمكن قول مثل هذا في المتلقي، باعتباره متأثراً بنفس هذه الأنساق المهيمنة[4].
وإذا كان النسق ـ الذي هو من إنتاج التاريخ والثقافة ـ هو المقصود من وراء هذه المادة الخام (النص)، فإن مفهوم النص بهذا المعنى لم يعد يقتصر على ما هو مكتوب، أو الذي تعترف به المؤسسة، بل امتد واتسع إلى اعتبار كل الممارسات الإنسانية نصوصاً ذات دلالات ثقافية، خصوصاً الشعبي منها والمهمش بشرط أن يحظى بالانتشار.
وإذا كان النقد الجمالي لا يلتفت إلى التاريخ، بوصفه أمراً خارج النص، فإن النقد الثقافي يعتبر التاريخ جنساً من أجناس التعبير، وجسداً نصوصياً واستراتيجية قراءة تعين على فهم وتقييم النص المرغوب تفسيره، ذلك لأن النقد الثقافي نظر إلى منتج النص باعتباره بشراً، مثل غيره من الناس، الذين ما زالوا يتعرضون لعملية إخضاع تصوغ طرائق صناعتهم للأحداث، وأهم من ذلك أنها تضعهم في شبكة اجتماعية وفي منظومة علاماتية، تفوق قدرتهم على إدراك فعلها بهم، وتتعالى على سيطرتهم. ولذا لا يكون التاريخ مجرد حقائق وأحداث تقع خارج النص، بل هو علاماتية ألسنية تجعل كل شيء خارج النص مؤثراً في تلقي وإنتاج النص[5].
إذن فالنص ـ في النقد الثقافي ـ ليس معزولاً عن علاقات إنتاجه (التاريخية)، ولا عن نسقه التأثيري (مضمرات الخطاب): فهو فعل إنساني تاريخي متأثر بالمجتمع، ومؤثر فيه. الأمر الذي يتيح لنا القول بأن علاقة النص ـ في النقد الثقافي ـ بالمجتمع، هي علاقة دياليكتيكية منتِجة ومنتَجة في آن: فالنص يشارك في انتاجه المجتمع، ويشارك هو في إعادة إنتاج المجتمع (القيم والسلوكيات).
وقد لاحظنا كيف أنتج المجتمع في مراحله الأخيرة، نوعاً من الأغاني الهابطة ـ في عرف المؤسسة ـ وهذه الأغاني بالطبع كان المجتمع هو منتجها، وفق علاقات إنتاجه المتشابكة (اقتصادية ـ اجتماعية ـ نفسية ـ سلوكية) ولولا الرواج الذي لاقته هذه الأغاني لما تم تكريسها، أو استمرار إنتاجها، ولما تحولت إلى ظاهرة. ثم إن هذه الأغاني ـ بما تحمل من قيم وسلوكيات لا تعترف بها المؤسسة، على اعتبار أن شرط الجمالي المؤسسي غير متوفر فيها ـ سوف تعيش على الهامش وفي الهامش، من وجهة نظر مؤسسية بحتة. الأمر الذي سوف يؤدي إلى وضع العراقيل أمام انتشارها، ومحاولة الاستمرار في رفض منحها الشرعية، لكن هذه الأغاني ـ بانتشارها في أوساط الهامش ـ تعيد تشكيل قيم المجتمع رويداً رويداً، ومن جديد. وبذا فإنها سرعان ما تشكل وعياً ضاغطاً يؤدي في نهاية الأمر إلى اعتراف المؤسسة بها، ومن ثم تعميمها، ليتقبلها المجتمع آخر الأمر، ولتساهم في ترسيخ هذا التشكيل الجديد للوعي.
ونظراً لاهتمام النقد الثقافي بلاوعي النص، أو مضمراته الدلالية، فقد تولت كل جماعة من جماعات النقد الثقافي التبشير برؤيتها التفسيرية، والمساهمة بها في هذا التيار الجارف: حيث تولت جماعات الدفاع عن حقوق المرأة مهمة تفسير النصوص من وجهة نظر المرأة، فيما سمي بالنقد النسوي. وتولت جماعة المهاجرين إلى بلاد المركز، مهمة نقد النصوص من وجهة نظر المهاجرين القادمين من بلاد الهامش، فيما سمي (ما بعد الكولونيالية). وكذا تولت جماعات السود قراءة النصوص من وجهة نظر السود في أمريكا، على اعتبار أن كل قيم المجتمع المؤسسية والسلطوية ينتجها الرجل الأبيض… وهكذا.

النتيجة:
لقد عزلت البنيوية ومشتقاتها النص عن سياقات إنتاجه، وعلاقات مجتمعه، الأمر الذي أدى إلى انشغال النقد طوال مرحلة الحداثة بمحاولة تحليل هيكل البنية الكلية للنص المفترض وجودها، تمهيداً لتحليل العلاقات الشكلانية التي تجعل ـ في نظر البنيوية ـ من أي نص قيمة جمالية قائمة بذاتها ولذاتها، فيما يشبه امرأة عارية تقف أمام المرآة، منشغلة عن كل ما حولها بجسدها. الأمر الذي لا يمكن نعته إلا بالنرجسية والشكلانية المفرطة، التي تحوّل النقد إلى مجرد أدوات وصفية لا تتعدى الشكل بما هو قائم، ودون اعتبار لكيفية قيمه. أي أن البنيوية انشغلت بالدال عن المدلول، واغتنت بالكلمة عن الدلالة. ولعل هذا هو ما حذا بناقد كبير إلى اعتبار كل هذا سرقة للمشار إليه وضياعاً لسلطة النص التي لا تتحقق إلا بالدلالة والمعنى والتفسير[6].
لقد كان هذا الإهمال المتعمد لتاريخانية النصوص هو السمة الظاهرة لكل مرحلة النقد الحداثي حيث سمعنا المانفستو الأشهر (لا شيء خارج النص) ثم تلاه المانفستو المنافس (موت المؤلف) كل ذلك للتأكيد على استقلالية الشكل الخارجي للنص في سعيه الحثيث نحو التحرر من ربقة المناهج التاريخية السابقة، التني شاءت الحداثة وصفها بالتقليدية.
أما في النقد الثقافي، وفي مرحلة ما بعد الحداثة ـ أو إن شئت مرحلة ما بعد البنيوية ـ فقد بدأ النقد مرة أخرى يتجه إلى التفسير، سعياً وراء إلقاء الضوء على ما وراء النص وما بعد النص. الأمر الذي حدا بناقد كبير بحجم عبدا لله الغذامي إلى إعادة قراءة المانفستو السابق (لا شيء خارج النص) قراءة جديدة، حولته إلى ما يشبه أن يكون (لا شي ظل خارج النص) بكل كل شيء في الداخل: فكل ما يساهم في تفسير النص في حالة الانتاج وفي حالة التلقي هو من النص: فالتاريخ نص والنص تاريخ[7].
وبذا يعود النقد في مرحلة ما بعد الحداثة إلى مفهوم تاريخية النص. ولقد تنبه كثير من الباحثين إلى هذا التطور في المسار النقدي، ومن ثم فقد صرنا نسمع بتوجهات من مثل: التاريخانية الجديدة ـ الماركسية الجديدة…
والآن يمكن أن نحاول في هذه العجالة، إضاءة مصطلحين مهمين، طالما اعتُبرا من انتاج النقد الثقافي، أو اعتبر كل واحد منهما منهجاًُ من مناهج التفسير النقدي القائم على أساس ثقافي، وهما: النقد النسوي، والنقد ما بعد الكولونيالي.

النقد النسوي
اهتم النقد النسوي بنشر عدد من المصطلحات الجديدة من مثل مصطلح الجنوسة: Gender: ويعني: وحدة النوع البشري ـ الرجل والمرأة ـ من حيث أنهما يجتمعان معاً في مضمار ثقافي واحد، ويحملان سوياً متاعب المسار التاريخي في تطور الحياة والرقي بها، وذلك رغم اختيار المرأة للقيام بمهمة التواصل البشري ـ الإنجاب ـ دون الرجل.
ويترتب على هذا، ضرورة التفرقة بين الجنس (sex) والجنوسة (Gender)، لأسباب تاريخية، تعود إلى حقيقة أن الرجل هو الذي أعطى مصطلح الجنس معناه الشائع الآن: ذلك المعنى الذي يحمل دلالات تحط من قيمة المرأة كإنسان، تهبط بها إلى مستوى البهيمية؛ حيث رفضت الحركة النسوية هذا المصطلح (الجنس) مفضلة عليه مصطلح (الجنوسة)، باعتبار أن الجنوسة أقدم من الجنس. فالجنوسة ـ حسب هذا القول ـ تمثل فعل الحياة الأول، عندما كانت المرأة مساوية للرجل تماماً، في الحقوق والواجبات: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين. فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حيث)[8]. كل ذلك قبل الهيمنة الأخيرة للرجل، تلك الهيمنة التي حولت المرأة إلى مجرد أداة للجنس وفعل الإمتاع.
وقد أدى الجدل حول ثنائية الجنس والجنوسة، وفاعليتهما، في الإبداع النسوي، إلى الخوض في غمار موضوع (الاختلاف) وهو مصطلح آخر أريد به الإشارة إلى اختلاف الكتابة النسوية عن الكتابة الذكورية، الأمر الذي أدى إلى ظهور نوع من الكتابة النسوية، يهتم بإبراز الخصوصية الإبداعية للمرأة من جانب، وخلخلة المفاهيم القارة التي ثبتها الرجل عن المرأة، طوال التاريخ، وذلك من خلال كتابة نسوية إبداعية وتاريخية. الأمر الذي أدى إلى الالتفات إلى خصوصية المرأة: إن في الإبداع، وإن في التفسير. ففي الإبداع تم الالتفات إلى الكتابة النسوية بوصفها كتابة خاصة، تنطلق من ذات خاصة، بمشاعر خاصة، فيما أحب بعضهم أن يطلق عليه مصطلح: كتابة الجسد.
وكتابة الجسد: مصطلح أطلقته جوليا كريستيفا، عام 1974، في كتابها ” ثورة اللغة في الشعر ” ويشير هذا المصطلح إلى تلك الكتابة النسوية المنطلقة من الجسد، حيث يتحكم في فعل الإبداع مستويان: سيميوطيقي ورمزي.
أما المستوى السيميوطيقي: فيمثل المستوى التحتي من المعنى، الذي لا تفصح عنه اللغة ذات الدلالة. ويعبر المستوى السيميوطيقي عن الانفعالات الخاصة بالمرأة (الغضب ـالرفض ـ القهر…) وذلك وفقاً لمفهوم كريستيفا عن السيميوطيقا؛ باعتبارها اللغة الشاردة المتمردة التي تتحكم فيها الأصوات والإيقاعات، لا المعاني والدلالات.
أما المستوى الرمزي: فهو الحامل للخطاب ذي المعنى المراعي لمنطق اللغة في التركيب والقواعد.
وعلى الرغم من أن معجم المستوى الثاني (الرمزي) في الكتابة النسوية، لا يختلف في جوهره عن المعجم الذكوري، إلا أن اجتماع المستويين ـ السيميوطيقي الانفعالي والرمزي القواعدي ـ في لغة الكتابة الإبداعية النسوية، سوف يؤد غلى تفاعل من نوع خاص، ناتج عن انعكاس كل منهما على الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى تكثف الدوافع الداخلية الأنثوية، وانطلاقها في سورة كتابة مختلفة عن الكتابة الذكورية. وكأن جسد الأنثى ـ كما تراه الأنثى ـ هو الذي يقوم بفعل الكتابة عن نفسه، لا كما كان الحال في الماضي عندما كان الرجل يكتب عن جسد المرأة، كما يراه هو من الخارج.
وأما في التفسير فقد تم إطلاق مصطلح النقد النسوي: Gynocritics على يد الناقدة النسوية إيلين شوآلتر ( Elaina Showalter )، ويعني: تحليل النصوص من وجه نظر المرأة. والدافع إليه ما تستشعره الحركات النسوية من إهمال الرجل المتعمد لمجمل إنتاج النساء الإبداعي وعده إياه أدبا من الدرجة الثانية. لذلك فقد كان هدذ النقد النسوي هو الرفع من منزلة المرأة في المجتمع.
والمصطلح يوحي بموقف أيديولوجي مسبق؛ من حيث افتراضه أن وضعية المرأة ـخصوصاً في المجال الإبداعي ـ هي وضعية إشكالية، أو حتى دونية، تحتاج إلى جهد نضالي لإعادتها إلى الحالة السوية، التي لا تتحقق إلا بالمساواة التامة في كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإبداعية…

مابعد الكولونيالية Post colonialism:
وهو مصطلح يشير إلى حقل من حقول الدراسات الثقافية، التي نشأت في زمن ما بعد الحداثة، على أنقاض البنيوية وشكلانيتها المتطرفة. وقد أسست الدراسات ما بعد الكولونيالية دعائم مذهبها على دراسة المحتوى الثقافي لأدب مرحلة الحداثة، خصوصا في تجلياته الإمبريالية.
والمشترك في كل دراسات ما بعد الكولونيالية هو ذلك الاهتمام، لا بانقضاء الحداثة الأدبية، بل بإعادة تحديد موقعها الثقافي، وإلى جانب من هي تقف، في ذلك الانقسام المريع مابين القوة والحقيقة. كما أن احد الاهتمامات الأساسية لما بعد الكولونيالية (شأنها في ذلك شأن كل الدراسات الثقافية) هو إلقاء الضوء على محاولات الحواف والهوامش ونضالها من أجل إعادة تحديد المركز وتشكيله ـ أو إلغائه كما يروم هومي بابا ـ في مراجعة غير مسبوقة للحكم على الأشياء من موقع خارج عن نطاق ثقافة المركز: مراجعة لا تنظر إلى اللاغرب على أنه مجرد آخر للغرب، أو موقع يجري تعريف تاريخه وهويته وفق صياغة غربية قامت بها حركة الحداثة، طوال العقود السابقة.
ومع ضرورة التأكيد على الهوية الدنيوية، لدراسات ما بعد الكولونيالية، تجدر الإشارة إلى رفض هذه الدراسات سلوك سبيل الأصولية الثقافية أو القومية أو الدينية، حيث تؤكد ما بعد الكولونيالية على هويتها الإنسانية الأوسع، في طرحها لمفهوم التلاقح الثقافي، الذي عبر عنه مترجم كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق) بمصطلح (الهجنة): ذلك المفهوم الرافض لمبدأ الهوية النقية، باعتباره (أي مبدأ الهوية النقية) مفهوما قام بصناعته الغرب، ومن ثم فلا يجدر بالثقافات الاخرى استيراده وتبنيه من منطلق رد الفعل.
إذن فوظيفة النظرية النقدية – في مدارس مابعد الكولونيالية – لا تقتصر فقط على دراسة الإطار الشكلاني وزركشته الخطابية، بل ولا تكتفي حتى باستكناه العمق ضمن هذا الإطار: إن وظيفة النظرية، هي أولا وقبل كل هذا ، تتحدد من خلال نشأتها، حيث يجب أن تنشا النظرية من البداية، في مواجهة مشكلة ما، فتكون استجابة لهذه المشكلة، وتصديا لها بروح من التمرد والعصيان والخروج عن الضوابط والأنظمة السائدة، بطريقة تستلهم جميع فروع المعرفة من خارج إطار علم الأدب.وبذلك تصبح الذات المفسِرة في مكان آخر وزمن آخر، يتم فيه إعادة النظر من جديد في كل ماكُتب إبان حقبة الحداثة، التي لم تكن إلا استعمارية. ومثال ذلك ما تطرحه مابعد الكولونيالية من ضرورة أن يتقبل العالم الغربي رواية المهاجرين واللاجئين اللذين أتوا إليه من المستعمرات السابقة، على إنها رواية أصلية نبعت من داخل هوية الغرب القومية الحديثة، وتأكيدا على تقبل الغرب باندماج هذه الأقليات داخل بنيته الاجتماعية، ومشاركتها في تشكيل هويته القومية التعددية الحديثة. وكثيرا ما تكون رواية هؤلاء المهاجرين منطوية على إعادة قراءة للمرحلة الاستعمارية السابقة، بعيون الشعوب المستضعفة، التي تؤسس الآن لإعادة كتابة التاريخ من جديد.
وقد تم اعتبار كل من إدوارد سعيد وغاياتري سبيفاك G.C.Spivak وهومي.ك.بابا Homi.k.Bhabha، الثالوث المقدس لنظرية ما بعد الكولونيالية، بحيث يمكن تلمس معالم هذه النظرية في كتاباتهم المتعددة، خصوصا كتابي إدوارد سعيد (الاستشراق) و (الثقافة والإمبريالية). وكون هؤلاء الثلاثة هم من المهاجرين إلى أمريكا من بلاد الهامش، يلقي الضوء على بعض العوامل الأساسية من وراء ظهور هذه النظرية، المحتفية بالهجنة المتمثلة في عالم جديد يرتادونه ويبحثون عن صورتهم فيه، بديلا عن ثقافاتهم الوطنية، فيما يمكن انتقاده بأنه إعلاء متصل للمثقف المهاجر، باعتباره مالك الحقيقة ومّجمع كل الثقافات، على نحو يحرره من روابط الجنس والعرق والطبقة والموقع السياسي والثقافي المتعين[9].

  • بعد أن أنهى ورقته فتح باب النقاش الذي كان مادة دسمة أثرت الموضوع وفتحت قنوات اشتبك فيها النقد الثقافي بالنقد الأدبي والنسوي، بدأ الناقد خليل حسونة بمداخلة بدأها بشكر لهذه الوجبة الطازجة التي أثرى بها الأستاذ خضر، وشكر لهذا الحضور الجميل، ثم قال: أعتقد أن الدلالات النصية للنقد الحديث ومنه النقد الثقافي يحمل في أتونه لغة التهشيم التي تحمل اللاوعي في الوعي على قاعدة أن غياب المعنى المباشر هو المعنى، والنقد الثقافي نقد معرفي مشحون بكتلة معرفية شمولية، يجمع بين شكل النص وجوهره ..الخ هذا النقد هو نقد التفجير تفجير النصبمعنى القبض على شفرات النص من خلال النص ثم تطويعها، من هنا تظهر جمالية النقد الثقافي، من خلال النص وعبر التشابك بين شظايا هذا النص المعتمد على حالة تصالحية بين الكاتب/ المُبدِع، والمتلقي/ المُبدَع إليه، والنص المتداخل مع ذاته.
    والسؤال المطروح هو: هل النقد الثقافي هو جزء من كتلة تاريخية للحالة المعرفية هنا أي من تقليدية لحداثة إلى ما بعد الحداثة؟
    هل هناك نقد رجالي ونقد نسوي، بمعنى لو كان لدينا رجل كتب عن المرأة فهل هذا يعتبر كتابة ذكورية أم هو كتابة نسائية؟
    إلى أي مدى يمكن أن نؤصل للمفهوم النسوي مستقبلا؟ فإبداع نوال السعداوي وأحلام مستغانمي وغادة السمان كيف تصنف؟
    المهندس عمر الهباش تسائل: كيف يكون النقد الثقافي من خلال السياق الاجتماعي؟
    الكتابة الشعرية من اللاوعي هل بالضرورة أن تعكس حالة اجتماعية؟
    أما الأستاذ يحيى رباح فبعد تقديم الشكر للقائمات على صالون نون وللضيف ثم قال إن الجماهير العربية تعشق ما تفهمه فعندما يقف محمود درويش ويسأل الجماهير العربية من الشرق للغرب عما يودون سماعه سيقولون دون تردد (سجّل أنا عربي) لأنها بسيطة ومفهومة وتصل إلى الناس.
    نحن في الوطن العربي نعاني من مشكلة تسمى حرق المراحل وحرق المدارس، يجب أن نبدأ في المدارس من بداياتها، نعيش في مستوياتها ونرحل من مستوى لآخر، ففي حياتنا فراغات لأننا نقفز لمدارس نحن لم نستوعب أولوياتها.
    وأضاف إن النص الأدبي والنص الفني وجميع الفنون الأخرى هي من إنتاج المجتمع، وتعيد صياغته والتأثير فيه فهي صانعة ومصنوعة.
    الأستاذ عبد الوهاب أبو هاشم أضاف على ما أورده المداخلون قوله إن النقد الثقافي ظاهرة، فرابعة العدوية نموذج والأغاني الهابطة نموذج آخر وكل منهما له معجبيه، ثم تسائل عن الفرق بين النخبة المؤسساتية وبين الشعبيين؟ وقال في اعتقادي أن النقد الثقافي مشروع لم يكتب له النجاح تبناه الغذامي ولكن يظل كغيره من المشاريع له مؤيدوه ومعارضوه، الغذامي يرى أن النقد يبحث في العيوب وينصرف عن الجماليات، وهو يقول إن النص يُنظر له عبر القرون أي من الشعر الجاهلي وحتى اليوم، لكنني أرى أن العلاقات الثقافية واضحة في الشعر لتغيُر الثقافات والبيئة.
    أما السيدة رفيدة الشيخ علي فتقول إن النماذج الواردة في ورقة الأستاذ خضر جميعها غربية وبالتالي فهي ليست بحاجة للجنوسة، كما أنه يظهر المرأة العربية سلبية وغير مشاركة وينحصر دورها في الجسد.
    في الختام كان للأستاذ خضر تعقيبا قال فيه: ليس بالضرورة أن يكون عرض المذاهب يعني تأييد المناقش إنما هي قضايا موجودة وتفرض نفسها فلا بد من توضيحها، لو فتشنا في شعر نزار قباني المحسوب على أنه شاعر المرأة نرى أن المرأة عنده مستلبة، فهل نعتبر هذا شعرا حداثيا؟ بالطبع لا، إنما هو شعر جمالي يركز مفاهيم قبيحة، وأضاف أن الشعر نسق ثقافي عربي من شعر عمرو بن كلثوم إلى اليوم. والغذامي يعلن موت النقد الأدبي وقال: إن الشعر في حصن حصين من النقد الجمالي، لذا فهو يريد أن يحل محله النقد الثقافي ليبرز جماله ويظهر قبحه. وعن علاقة المدارس النقدية في الحياة فيقول: ليس لدينا تطور حضاري فلم نكن دولة إقطاعية وتحولنا لاشتراكية، نحن على نفس النمطية الإقطاعية من البداية للنهاية، لذا نحن نحرق المراحل. أما القبح فلا يعني قبح أخلاقي فقط، إنما هناك قبح أخلاقي، وقبح عقلي، قبح فلسفي، ولأني أنطلق من منطلقات ثقافية أنبذ القبح لذا فإن النقد الثقافي يخدم ثقافتي الإسلامية، والنقد الثقافي سيكشف الأنساق القبيحة وفي الوقت نفسه لا يلغي النقد الجمالي.
    وعن خروج الكتابة عن السياق الاجتماعي، قال نعم الكتابة لا تخرج عن السياق الاجتماعي فالكتابة من اللاوعي تعكس الحالة الاجتماعية.
  • انتهى اللقاء بتسجيل رغبة الحضور في عقد ندوة أخرى يشرح لنا فيها الأستاذ خضر نماذج عربية ويطبق عليها النقد الثقافي، ونماذج أخرى لموضوع تناوله رجل وامرأة وقراءة مدى تدخل الأنوثة والذكورة في نقد كل منهما.
    فتحية إبراهيم صرصور (غزة – فلسطيـن)
[email protected]

هوامـش
[1] انظر: فنسنت. ب. ليتش. النقد الأدبي الأمريكي. ص: 107.
[2] انظر: ألفين كرنان. موت الأدب. ص: 93.
[3] انظر: د. نبيلة إبراهيم. النقد الثقافي في إطار النقد النسوي. ص: 261.
[4] انظر: د. عبد الله الغذامي. النقد الثقافي.
[5] انظر: د. عبد الله الغذامي. النقد الثقافي. ص: 47.
[6] هو فنسنت ب. لتش. أنظر: د. عبد العزيز حمودة. الخروج من التيه. ص: 49.
[7] أنظر: د. عبد الله الغذامي. النقد الثقافي. ص: 46 ـ 47.
[8] البقرة.36 ـ 37.
[9] انظر: إدوارد سعيد. الاستشراق وانظر: إدوارد سعيد. الثقافة والإمبريالية وانظر: هومي بابا. موقع الثقافة ص 51.

نشر في 6/04/2005 6:50:00 

‫0 تعليق