تيسير نظمي: الاسم الأول له… الاسم الثاني لـه

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

(لا إله إلا هو) قال سائق التكسي متذمرًا: (من وين أجيب لك فكة خمسة دنانير؟). ظل صامتا و تساءل بينه وبين نفسه إذا كان امتلاك خمسة دنانير شقفة واحدة في يوم قائظ قد يشكل خيانة طبقية. أردف السائق: (لماذا لم تقل لي أنه ليس لديك فكة؟)

ارتبك بهذا السؤال و تحسس بينه و بين نفسه إحساسا ما، بإثم ما، قد يكون ارتكبه سهوا، ثم ألقى على المكان نظرة فاحصة أخيرة من حوله مواجها سؤال السائق بسؤال أخير: (عموما، هل هذا هو العنوان؟) فعاجله السائق: (نعم . بالضبط هو نفس العنوان وهنا ممنوع الوقوف) و لئلا تقع كارثة ما بسببه، قال: (يعطيك العافية). وحالما ارتسمت على ملامحه ابتسامة الطمأنينة، ابتسم السائق بدوره ابتسامته المظفرة شاكرا بملامح كلها تأكيد على انتصاره اليومي وانطلق بسيارته مغادرا المكان. أما هو فتوجه نحو السوبرماركت مطمئنا بعد بحث استغرق منه سنة كاملة عن عنوان محمود أبو الليل، صديق الأوقات العصيبة. فقرأ اسم السوبرماركت من جديد في قصاصة الورق التي بيده وقد اغرورقت بعرق الظهيرة في يوم صيفي قائظ، ثم سار متمهلا في الفتحة المواجهة وشرع يعد المباني حتى وصل لسادس بناية. تفرس في المدخل جيدا متذكرا ذات الأوصاف ومن باب الحيطة والحذر شرع يعد الأدوار، فلما تأكد من حسن اهتدائه للعنوان صعد درجات المدخل مطمئنا أيضا لوجود السيارات في مصف البناية مما يوحي أن الوقت مناسب للاستفسار بعد عودة الناس من أعمالهم. أما كون الوقت هو وقت غداء فهذا ما لم يخطر بباله على الإطلاق. فالمهم أنه أخيرا اهتدى للعنوان، و هذا هو الدور الرابع، و هذا هو باب الشقة المواجهة للمصعد مباشرة. ثم أن كل دور يحتوي على شقتين اثنتين ولا مجال للخطأ. التقط أنفاسه وكتم انفعالا بالغبطة والفرح استعدادا لسماع صوت صديقه. ثم تشكك لبرهة في احتمال عدم عودة صديقه من الخارج فاطمأن، على الأقل، لزوجة الصديق، أم غسان، التي ستنقل خبر اهتدائه لزوجها الصديق، ليصار إلى تحديد موعد آخر للقاء، قبل أن يضغط الجرس فوجئ بالاسم المكتوب على لافتة باب الشقة، الاسم الأول له لكن الاسم الثاني لعائلة معروفة ومعرفة بأل التعريف. فكر، و هل يعقل أن يكتب اسمه الحركي على باب شقة في عبدون؟ هل يضغط بإصبعه؟ لكن إذا تبين أن العنوان خطأ فإن التسكع في هكذا أحياء لتهمة أكيدة لأمثاله. نظر للافتة الشقة المجاورة. الاسم الأول له والاسم الثاني لعائلة معروفة. أي التباس يدور في هذا الدور. عاد إلى المصعد. ضغط على زر الدور الثالث فهبط دورا واحدا للأسفل. فاستنتج أنه حقا كان في الدور الرابع. جال ببصره على لافتة الشقة المواجهة تماما للمصعد في الدور الثالث. الاسم الأول له و الاسم الثاني لعائلة معروفة. نظر إلى الشقة المجاورة. الاسم الأول له والاسم الثاني لعائلة معروفة ( سود الله وجهك يا أبا الليل . أية أسماء تجاورها! وأي التباس ملعون يدور في هذا المبنى الفاخر؟) عاد إلى المصعد مترددا ثم تركه وهرول نازلا الدرج للدور الثاني. ليس ثمة فرق أيضا بين الدور الثالث والثاني. الشقة المواجهة للمصعد مباشرة، الاسم الأول له والاسم الثاني لعائلة معروفة. الشقة المجاورة أيضا وهدوء تام يلف الأدوار والمبنى كله. خطرت بباله فجأة عبارة محمود درويش (عم تبحث يا فتى الأوديسة المكسور؟) عن اسم تغيره؟ لكن اسم أبا الليل اسم جميل لرفيق وصديق فهل يعقل أن يكون هو الآخر، أيضا، قد غير اسمه ؟ لم يبق إلا الدور الأول. و لا جديد. الاسم الأول له والاسم الثاني لعائلة معروفة. عاد إلى المصعد بخطوات حاسمة غير قابلة للتردد هذه المرة وضغط بقوة على زر الدور الرابع ثم بلطف على زر الشقة المواجهة- وجها لوجه – و سمع رنة بيانو الجرس بنفسه ثم سمع بنفسه صوت صديقه الذي لا يخفى عليه يطلب من زوجته أو من ابنته أو من خادمته أن:(شوفي من بالباب في هذه الساعة) فانشق الباب عن أم غسان ذاتها. الملامح المتجهمة لسيدة البيت جعلته في موقع المستفسر بعد أن مضت عشر سنوات طوال دون أن يشاهد أحدهما الآخر. ومن المحتمل جدا أنه هو الذي تغيرت ملامحه في هذا الصيف الحارق. قال مبتسما: (هل هذا منزل صديقنا أبو الليل؟) و باستنكار متلعثم قالت : ( لا نعرف شخصا بهذا الاسم). جاءه صوت صديقه من الداخل مستفسرا من امرأته: (من بالباب؟) فردت: (واحد بيسأل عن أبو الليل) فاستدرك هو مصححا: ( عفوا .. لست واحدا… أنا أبو غضب) فلمح في عينيها نظرة ود منكسر: (أبو غضب!) فجاءهما الصوت من الداخل صامتا مظلما حالكا أن ثمة خطأ في العنوان. وبخطوة حاسمة أخيرة صعد الدرج إلى الدور الخامس، رغم عدم و جود دور خامس، ليقطع الشك باليقين عندما وجد نفسه على سطح البناية ينظر للسماء مرفوع الهامة ليتأكد أن لا ليل في هذا الحي في هذه المنطقة في هذه المدينة في هذا البلد في هذا الكون. الاسم الأول له… الاسم الثاني له… الاسم الأول والأخير: أبو غضب.
تيسير نظمي [email protected]

نشر في 4/02/2005 5:40:00

‫0 تعليق