محمد جـزار: فصل في الرمـاد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


نصوص سردية
ماوج المساء بلطف هواءه المشبع بنسائم البحر، الشمس تدنو من مرقدها وتتخفى راء سحابات رصاصية .. حواشيها النورانية تفتح أفقا للسفر في بحر من التأمل.
ريح البحر الرطبة عالقة في الأنفاس الطرية حتى النخاع.
أبدا سيحفزك ضيق التنفس في استسلام إلى بوابة البحر ووجهك مفتون بالحسرة و السؤال.
كان الديك الرومي المتبجح ببذلته الزرقاء و أنفه الطويل قد اختلط عليه الهواء حين انطفق منه عرق و دم و آهات وضاق به إلى حد الفزع. و ذوالعمامة المراكشية الحمراء كان يعرف كيف يسترق ببراعة الورود الجميلة من الأشواك ويهديها لقلب حبيبته الشقراء ..

كان حفيد المفتول الأنف المتطلع بعينيه النزقتين إلى البعيد يخر ساجدا أمام الفجيعة، أن يصبح وطنه وزيعة لذيذة تنهشها الكواسر الجائعة المتعطشة إلى الدم ..
روائحها العطنة تعتصر أمعاءه إلى حد الغثيان. كل قواه خارت بفعل سياط الزمن. الجسد منهك. كل شرايينه الحية اعتصرت في معركة وهمية أسموها البناء. الآن تماما لم يبق مع حفيد سوى عينين متعبتين لا تصلحان سوى للفرجة والبكاء.
أي بناء هذا الذي يرمي ببناءيه إلى قارعة الطريق؟!
كانت الشمس تقترب من أفولها التام و قد تنكه الأفق الخفيض للغروب بالورد والعيون الحالمة. المساء الجميل المكتظ بالحركة والزحام يعرض أشياءه المزركشة في غنج أنثوي عارم.
بأسماله البالية يضيع حفيد بين الأزقة والشوارع. يجرجر جثته في غبن وإحساس دفين بالانسحاق.
الذئاب الأنيقة تستنكر مشهده الضاج بروائح قبر متحرك.
يحفر في الأرض عينيه النهمتين لفاته درهم من جيب سمين. تائها بين الزحام قلما يأتيه جواب مقنع لسؤال دائم و مشتعل.
الأشياء اللامرغوبة تلطم عينيه في عبس. يهز عينيه ناحية أخرى. كل النداءات تشد بتوتر التفافاته في بؤس. إنه الحظ الضائع في جيوب لا يملكها تطلع عليه من كل صوب . ها هو قادم نحوه خطوة أو خطوتان في استعطاف عله يكرمني بدرهم زائد.. قرارة نفسه تعرف أن الناس “التاجرين” ذوو البطون المنتفخة كالطاحونة و الذقون الشحمية و الصلعات اللامعة مهما تهاطلت عليهم الأموال لا يملون من المزيد و الجشع. إنهم جوع من نوع خاص. و مع ذلك فإنه ما تزال القلوب الطيبة معمرة في أرجاء الأرض. هذا أملي الوحيد.
بهمهمة متكتمة يركز فيها حركة يديه أكثر من صوته: ” الله يرحم والديك في هذا اليوم المبارك” كل أيام الله عند المشردين مباركة.

و بنطة عين مشعة بالحقد :

  • أبعد عن سبيلي أيها الوحش القذر.
    تسمر حفيد في مكانه. في انصعاق كبريائه المقذوف وسط ريح مزبلة آدمية. ازور وجهه بالغضب. يداه محطمتان. فمه ثقيل لا يحسن الكلام أو الاحتجاج ..
    كانت الصفحة الوردية للأفق تتلاشى رويدا رويدا، يغزوها نذير سوداوي تتقدمه فيالق من الأمواج الغضوبة و هي ترتطم بعنف على صخور الشاطئ. يتصاعد رذاذها إلى أعلى، تحمله الريح فترش وجهه المغبون بطعمها البارد. أحلى لحظاته حين تسرح عيناه في سفرات النوارس الخاطفة، و هي تنتقل بمرح غريزي هنا و هناك، تتأجج رغبة التحليق إلى البعيد في أحشاءه. بعيدا جدا إلى أقصى نقطة من الأرض، حيث السماء فوقه و البحر يطرب أذنيه بحفيف نسائمه و قيثارة أمواجه الراعشة.
    يتزاحف رذاذ الموج البارد على وجهه، يضطره للإستقياظ من الغياب، ينتابه اشمئزاز صامت. هل للمسرات دوما وجه شبح مدبر؟ في عز خيبته واضطرابه يشتد جموحه الأرعن للقسوة على ذاته. على لماذا الأشياء و الأحلام تفلت من يديه و تتركه يتوجع في مدارات كاذبة…
    كان الشرطي عند بوابة “بار النجمة” يرتب السكارى و السيارات و يتوجس للوجوه التي سيتخالس معها بعض الدراهم النظيفة.
  • ألهذه الدرجة يبتلعني الذل؟ صاح في نفسه. كيف يتكتم في أحشائي المستعرة كل حنقي القاتم؟ لماذا لم أبصق في وجهه المهرول؟ يحني حفيد رأسه في ذل و يرفع عينيه في مذلة أكثر. هكذا من مستنقع الذل يقتات أوساخ الصدف التي لا و لن تشبع نهمه لعطف الإنسان و قلب الإنسان.
    هذا ما يجعله أحيانا يتجاسر على الكحول الرخيص بشهية غول حقيقي.
    ألأنه يرغب في النسيان. في إبادة ذله إلى الأبد. في الهرب بعشيقته المحبوبة: قنينة بيضاء أو حمراء لا يهم، الأهم هو ماؤها المر حين يسري في شرايين عروقه الميتة. يتأبطها بفرح غريزي، و يرتكن بعدها عند صاحب ” البيصرة”(1) ليسد ثقب معدته و رئتيه بحرارتها الدافئة ليغرق بعدها في جنونه الخاص.
    يجب ألا أتعب نفسي في سبر هذا الدرب المحموم. إن تواجده بالقرب من حانة “النجمة” المعروفة باسم صاحبها الإسباني “مولى”، و لكي يتذوق خمرة ألذ و أخف وطأة من مرارة الكول alcool يؤجج فيه نار حامية، و كلما ابتعد به الوقت عن تحقيق هدفه، اشتد سعاره، فيظل يلهث أكثر و باستفزاز وراء أظهر الناس.
  • أن أكون ذليلا لم يعد هذا يهمني الآن. الأهم من ذلك أن أكون ميتا. هذا أفضل. سكران حتى الثمالة في عزالشجاعة لاستقبال خرافة الموت.. هيا إقبلي. تعالي أيتها الجبانة المختبئة في ثوب الغدر. ألفت طلعتك الباردة. أريحيني من هذا الحر الآدمي…
    و يمتلئ الفضاء بصراخه الذي يشبه نباح كلب مريض.
    الرأس مقلوب في فوضى العالم الكثيف بالصراخ. يعتلي حفيد سور “عين شقة” (2) و يفتح أوراقا من دفاتره الممزقة و يخطب في الناس. لا أحد يعيره اهتماما أو ينصت إليه، لأن الخطبة هكذا لا تجوز إلا مرة واحدة في الأسبوع.
    و مع ذلك فإنه يظل يصرخ : من حقي أن آكل و أشرب و أستحم في البحر و أرتكب السيارة و الجنس و الحماقات …لأصلي ركعاتي المحمومة و أرشها بالخمر البحري .. و لينطلق لساني ينشد أهازيج هذا الفقد الطويل .. ! إن القدرة على الصراخ لا تأتيه إلا في لحظات إختماره القصوى، حيث ينقلب رأسه في فوضى يبدو معها الذي في أعلى نازلا إلا الأسفل و يصعد الذي في أسفل إلى الأعلى ، حيث تغشو الرؤية طبقة كتيمة من الضباب و الدوار الحاد يتراءى له جموع الناس خلالها جثتا ثقيلة ذات جماجم ضفدعية تحرضه على التسلي معها و اختراق تنكرها.
    لا احد يصدق آدميته، لأن هيأته الوسخة تجعله يبدو كقرد متوحش طالع من غابة الأمازون.
    في دنيا الليل مساحة الرؤية باردة و الانفعالات مترهلة. كل العيون تمر من قربه تماما دون أن يتحسس أية رائحة تطلع من هذه الكلاب الضائعة.
    الكلاب كعادتها تغازل التلوث و القمامات. تنبح بقوة في وجهه. تستنكر مزاحمته لها. تتطلع إلى هيئته الوسخة. تخشى عصاه الغليظة و هو يهش بها بين الفينة و الأخرى على ذباب جثته.
    هل النهاية المحتومة لكل دورة في الدم أو الحياة أو معركة مجيدة قمامة عطنة ملقية على الأرض في إهمال قاسي.
    حدجه القط بنظرة حادة. استدرك حفيد كثافة التشاؤم المعشش في مخالب القط العاجزة عن التوثب.
    تحت الأعمدة الكهربائية الملطفة قليلا من حلكة الليل، تتلاحق المشاهد و تتناسل في تركيبة مفعمة بالتيه: أحمق يمشي و يجيئ بثيابه الشبه العارية و هو يردد بأعلى صوته كلاما مبعثرا و غير ذي معنى. فأر و قط يتسليان بقطعة تلوث غير مرغوب فيها.
    سيارات فخمة تأوي حفنة من المراهقين و هم يتلصصون عند زوايا الشوارع صاحبات الهوى العابر.
    شباب في عز عنفوانهم أمسى الليل قطعة غير منفصلة عن كيانهم، يغريهم جدا الاحتماء تحت جلابية الليل. قطعة حشيش تذهب عنهم شر اليقظة المهمومة الفجة لتغرقهم في نوع من الليل الداخلي الهادئ الثقيل المزاجي الحالم السارح بالمخيلة إلى أقاصي الدنيا و ما تخبئه السماء من المجهول.
    كانت الأرض بكل مشاهدها توحي بروتينيتها الثقيلة.
    الأعصاب الآن في أتم الاسترخاء.
    نظر أحدهم صوب السماء. تأملها كالمعتاد في صمت كأنه يفحص محرك سيارة قديمة و قال: من يدلني على النجمة القطبية؟ أنظروا إلى هناك. ستلاحظون نجيمات في خط أفقي مائل قليلا، إلى أسفل تقعرت إلى آخرها في شكل مربع مثل قعر la casserole هكذا أصبحت الخمسة نجيمات الأولى كالمقبض. تتبعوا اتجاه المقبض و اصعدوا ببصركم إلى الأعلى في خط مستقيم ستلاحظون نجمة بعيدة لكنها ضعيفة الشعاع. إنها النجمة القطبية و هي توجد دائما عند الموقع الشمالي من الكرة السماوية.
    صاح أحدهم: سبحان الله. لكن في ماذا تفيدنا نجمة الشمال أو الجنوب. أنا لا أعرف موقع يدي من رجلي حتى.
    رد عليه صاحب الفكرة بقليل من الانفعال :
  • و هل تظنني أخرف أو أن الحديث في مثل هذه المواضيع نوع من التسلية. إنه علم حي قائم بذاته و له قوانينه و قواعده المحكمة.
    و كمن ينتصر لرأي صديقه العلمي التوجه، أضاف أحدهم و قد أشار إلى ناحية أخرى من السماء.
    وتلك المجموعة تشكل برج العقرب . تتكون من تسعة نجوم تقريبا يرمز إليها بالخير وهي توجد أيضا في ورقة مائة درهم. كانت هذه النغمة النادرة كافية لتجعل الجميع يتفحصون الجيوب للتأكد من وجود العقرب. لكن لا احد يملك تلك الورقة.

هل الهموم تلاحقنا حتى في ضربة النجوم. !؟
النجمة كائن هلامي متحرك يقرش في سماوات الليل ببريق من الأمل الساطع .ونجومنا كانت مطفأة .لا أمل ولا بريق. ليس من شيم الليل الأمل.
يسود الصمت قليلا…
كانت طيور الليل نائمة وأحلامها مطفأة.
مر حفيد بالقرب من الشبان وهو يجرجر، وفجأة سقط مغمى عليه .هذا مشهد مألوف.
يديه مغموستين وكأنه قطعة من القمامة. ها هو يستسلم أخيرا للتعب ويستغرق في نومته العميقة وقد امتلأ الفضاء من حواليه بالشخير العالي مثل كومة من الرماد قذفتها ريح شيطانية .
بادر أحد الشبان وقد استأثر به المشهد:

  • في فصل الرماد نظمت قطعة شعرية صغيرة أتمنى أن تروقكم:
    كومة رمادات تتملى موتها البارد المقيت
    ثمة احتراقات اندغمت فيها الصرخة بالجسد و تشظت أشلاؤها و تناثرت في عراء الريح. في عشق ذوبانها الجارح في كل شيء .في ثنايا خلايا الحياة التي تمتح من هذا الاحتراق الأبدي أنفاسها و نبضاتها المتجددة .
    كومة رمادات كانت الذاكرة من جوفها العتم توقظ علاماتها في العيون والهمم.
    ثمة شجر عتيق تغني زمان توحشه وتبكي وهو يحشرج مرارة التحول في حطب انضرمت في أحشائه نيران سليطة ..
    وثمة شجر واعد في عنفوانه ينمو ويترعرع
    وآخر تسامق إلى أعلى ينفش في خواء سعفه الأخضر ناحية البحر فلم يتجاوب.
    كان الماء جامدا ومنبسطا..
    هاهو نفسه الشجر يستعطف مناطق الريح لتنفلت من مخابئها ويسري دويها العاتي في الفضاء كقطعة نجم زرقاء انزهقت من ملكوت السماوات ومزقت بعنف سطيحة الموج الناعسة.
محمد جـزار قاص من المغرب

(1) وجبة شعبية مستخلصة من الجلبانة أو الفول المطحون
(2) شاطئ بمدينة العرائش و هو عبارة عن مرتفع يطل على المحيط الأطلسي

نشر في 21/03/2005 5:50:00

‫0 تعليق