عبد الحميد الغرباوي: شامــة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بكت ليلى كثيرا..
ثم ضحكت ضحكا هستيريا..


… و رأت ليلى … ،
رأت نفسها مطوقة برجال يؤمنون أن الأنثى ، تولد و تكبر ، و حين تنضج كتفاحة ،
في بيت أبيها ، تظل تنتظر..

تنتظر اللحظة التي يأتي فيها ذكر يحملها إلى بيته..
تجلو أوانيه ، و تصبن ثيابه ، و تطهو طعامه ، وتحتضن نطفته داخل رحمها كلما
أراد، لتنجب له أولادا و بنات ، إلى أن تذبل و تصفر و تسقط كورقة خريف…
و عرفت ، بحدس المرأة ، أنهم ، و هم يطوقونها ، لا يفكرون سوى في شيء واحد، شيء
واحد يحرك دواخلهم ،
سواكنهم ،
و يخرجهم عن طواعيتهم ،
فجمعـت من ريقها و من صدإ قلبها ، بصقة كبيرة ، قذفت بها في وجوههم…
بحثت ، في زحمة الرجال ، عن وجه أبيها فلم تجده ، و عن وجه أخيها فرأته يقف
خلف عمودين بشريين ، يختبئ محاولا عدم الوقوف أمامها ، وجها لوجه ..
صاح واحد منهم:
ـ هذه الفاسدة ، لا مبرر لوجودها بيننا بعد اليوم..
و دفعوا به إلى وسط الدائرة…
صرخت الحناجر، و ارتفعت الأيدي إلى السماء ملوحة، مهددة..
الصراخ و ارتفاع و نزول الأيدي، أصاب الأخ بهيجان ، فأخذ يشد على ثيابه ، يحاول
تمزيقها، يصرخ ، مثلهم، يرفس بقدميه الأرض المتربة ، و كأنه ثور هائج ، و كل
ذلك، و هو عاجز أن يصفعها أو يشدها من شعرها الأسود الغزير الطويل ، و يلقيها
على الأرض، يجرجرها ، و يمرغ وجهها في التراب..
و كلما التقت عيناه بعينيها ، ترميه بنظرات تنطق بالكثير من الكلام ، فيرتد
بصره وتتجمد الكلمات في حلقه …
أ ليست، هي أخته، التي احتفظت بالسر، سره مع بنت الجيران ؟ …


كانت ، ذلك اليوم، قد عادت ، من الثانوية ، في وقت لم يكن مقررا لها فيه أن
تعود ، لو لم تتغيب أستاذة العلوم..
سمعت صرخة مكتومة ، فأسرعت إلى بهو الضيوف، نظرت خلسة من خلف الباب الموارب،
فرأته يربت على كتفيها ، شبه عارية، دامعة ، يطمئنها ، متوسلا إليها أن تستر
الفضيحة ، و تصبر إلى حين تخرجه من مركز التكوين المهني ، و يدفع بطلب العمل
إلى أكبر فندق في المدينة ،..
و يصبر ،..
يصبران ،..
ينتظر ،..
ينتظران ،..
ليحظى طلبه بالقبول و يعمل فيه طاهيا ، و بعد ذلك يعقد قرانه عليها…
و حين نجح أخوها في إبعاد الفضيحة من قلب الدار، وجدها ، هي أخته ، تقف
أمامهما ، معلنة عن نفسها كشاهد شافَ ، لكنْ ، و لأنه أخوها ،
طمأنته ،طمأنتها ، طمأنتهما،أنها شاهد “ما شافشي حاجة… “


… و امتدت يد مشعرة،..
مكنت أخاها الحائر، الدائخ، من خنجر معقوف، كلما ضربت فيه خيوطُ الشمس الحارقة،
انبعث من حوافه القاطعة ، بريق يعمي..
كانت الشمس ، شمس صيف خانق …
و ارتفعت الأصوات تحثه :
” كفاك صراخا كالنساء، و أسرعْ إلى غسل العار..
ألا ترى ، أن مكانها أصبح بيننا مستحيلا..”


بكت ليلى كما لم تبك من قبلُ..
ماذا لو حدث كل هذا؟…
و من الطابق الخامس لعمارة في طور الاكتمال، لم تعلق بعد على بوابتها الكبيرة
الألواح بأسماء المالكين، و من داخل غرفة ، من غرف شققها الفارغة، أطلت من
نافذة عريضة لا تزال تنتظر إطارا و زجاجا يزينها …
كان الشارع صاخبا، يعج حركة…
انتاب ليلى، شعور بضآلة الأشياء…
بدت لها دمى صغيرةً ..
مدت ليلى يدها من النافذة ، و شرعت تلعب بالدمى كما تحب و تشاء ، تنقلها من
مكان إلى آخر ، تسد عليها الطريق بأصابعها ، فتراها تحاول البحث عن ممر آخر، و
ترغمها على الإسراع مرة و مرة على الإبطاء فلا تقوى على مجاراتها فتسقط
متعثرة..
و رأت ليلى امرأة هيفاء ، لا يني رجل ، عن ملاحقتها و معاكستها ،..
أخذت ليلى يد المرأة و نزلت بها صفعا على خديه فولى هاربا خائبا مطعونا في
كبريائه…
ابتسمت ليلى..
و استهواها أن ترى البشر و الشجر والآلة، أصغر وأضأل ، فخفت صاعدة إلى أعلى
العمارة …
اقتربت من حافة السطح ، و أطلت دون رجفة أو خوف، ثم جلست، و تركت ساقيها
تتدليان متأرجحتين في الفراغ..
و لأول مرة تكتشف أن أدخنة عوادم السيارات، و الموتوسيكلات ، لا تسود جدران و
أشجار المدينة فحسب ، و لكن قسما كبيرا منها يصعد إلى السماء ليزرع في حناجر
العصافير أوراما تخنقها و تجعلها عاجزة عن التغريد ، و أكيد أن النجوم ما عادت
تنير السماء ليلا ، بسبب هذه الأدخنة، فهي التي تحجبها عن ملاقاة عشاق الليل و
النجوم و القمر…
و تذكرت أغنية تتغنى بالليل و النجوم و القمر، وشرعت تدندن بلحنها ، غير مبالية
بفستانها و قد رمى الهواء به إلى ما فوق الركبتين العاجيتين ، فبدا بياض
الفخذين متألقا…
التقطت أذنٌ، شديدة الحساسية كردار، دندنات ليلى..
كانت الأذن ، لمخبر أحيل على المعاش، غير أن تجربته الفذة في مجال التصنت ،
جعلت الدوائر المختصة تحتفظ به إلى حين إصابته بالصمم التام و البكم الشامل و
العجز الذي لا ينفع معه إصلاح أو ترميم..
رفع المخبر رأسه، فشاهد ليلى تجلس على الحافة…
أثاره عريُها ،
و رغم العلو الشاهق، لحست عيناه ما تحت الفستان..
” إلهي..”
صاح متلمظا و كأنه يلحس قشدة…
و أصابه دوار ، فكاد يصدم عمود ضوء..
وقف..
” أ لم تجد هذه البلهاء مكانا أصلح للجلوس من ذاك المكان الخطر ؟..”
قال في داخله..،
و فكر لحظة في ما يمكن أن يحدث لها إذا ما هي فقدت توازنها …
و مر شابان من أمام المخبر الحائر، الذي لا يزال رافعا رأسه..
نظرا حيث ينظر..
ابتسم الأول:
ـ أكيد لونه أسود
ـ و كيف عرفت ذلك؟
ـ غالبيتهن يفضلنه أسود
ـ هذا هراء .. أنت ما زلت غرا، و لا تجربة لك مع النساء..
ـ أعرف ما لا تعرفه أيها الأحمق..
ـ و كم من النساء عرفت؟ لتخرج باستنتاجك الغريب والمدهش هذا؟..
و كاد الشاب الأول أن يخرج عن طوعه ، و يفقد السيطرة على لسانه ، و يقول له”
إنهن كثيرات و أحلاهن أختك ..”
لكنه أحجم عن القول في آخر لحظة ، إذ تذكر، و هو يلثم شامة كبيرة خضراء على
فخذها الأيسر،نصيحتها له بأن يكتم السر و إلا حدث لهما ما لا تحمد عقباه…
لكن المخبر سمع ما راج في صدر الشاب فصرخ في وجهه ..
” أ لم تستحي ؟..
أ هذه هي الصداقة؟…
كيف يسمح لك ضميرك خيانة صديق والكشف عن عري أخته؟..
سمع الشاب الثاني كلام المخبر ، فوقف شعر رأسه ،..
كاد يجن ..
جن..
و في اللحظة التي امتدت يده لتطبق على عنق صديقه الذي لم يبد أدنى مقاومة، هز
الفضاءَ صراخ جارح، و صوت ثقيل مكتوم لجسد يرتطم بسطح سيارة رابضة على الرصيف..
هب الشابان و المخبر إلى الجسد المسجى على سقف السيارة..
كانت ليلى تلفظ أنفاسها الأخيرة و الدم ينزف من أذنيها و فمها و أنفها ، …
حاول العجوز ستر العري الذي كشفت عنه السقطة، فبدت له شامة خضراء تتوسط فخذها

الأ….

عبد الحميد الغرباوي قاص مغربي
[email protected]

نشر في 14/03/2005 5:40:00

‫0 تعليق