نسرين مغربي: الزهرة الذهبية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


عادة اتجنب اطلاق الاحكام على ديوان شعري كامل، لاني دائما اتوخى الحذر واحاول معالجة قصيدة مفردة او ربما مقطع من قصيدة، لكني سأغامر هذه المرة وسأحاول الحكم على اربعة دواوين للشاعر محمود درويش، رغم اني في النهاية سأركز على قصيدة واحدة من ديوانه الاخير “لا تعتذر عما فعلت”.

بداية اقول انه لفتت انتباهي مقالة عن ديوان الشاعر محمود درويش “لا تعتذر عما فعلت” بقلم الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين (نشرت في صحيفة الرياض بتاريخ 26/2/2004) ووردت فيها التفاصيل التالية عن الديوان الانف:
“نجد انفسنا امام سبع واربعين قصيدة صغيرة، بوزن واحد، هو الكامل، بنواته العروضية “مستفعلن” وجوازها “متفاعلن” وهي تتدافع او تتلاحق بنسق واحد، رتيب، متماثل، سلس كتدافع مويجات في بحر هادئ او نهر غير صاخب”.
وكانت هذه الملاحظة العروضية هامة بالنسبة لي، نظرا لافتقاري الى ثقافة عروضية لائقة، واعتمد في تحليلي القادم على هذه الخصيصة (على مسؤولية الشاعر شمس الدين!) في محاولة لاعطاء تفسير للسبب الذي جعل الشاعر محمود درويش يختار بحر الكامل دون غيره ليبني عليه جميع قصائد الديوان. واعتقد ان الامر يتعلق بالخيمياء، تلك الصنعة العربية القديمة والتي سعت الى تحويل المعادن الخسيسة الى معدن ثمين – هو الذهب – من خلال الوصول الى حجر الفلاسفة، او اكسير الحياة الذي يمنح الشباب الدائم. وبناء على مقالة بعنوان “شعراء الكيمياء العرب” بقلم احمد فضل شبلول – الاسكندية (وجدتها في احد المواقع على الانترنت)، فان هناك عددا من الشعراء والفلاسفة والصوفيين العرب الذين استهوتهم الكيمياء، يذكر منهم ذا النون المصري، جابر بن حيان، الطغرائي، ابن رشد، محيي الدين بن عربي، ابا يحيى زكريا الرازي وغيرهم. ويقول ان العرب سموا الكيمياء القديمة (الخيمياء) “الصنعة او التدبير، وعُرف اصحابها باسم الصنعويين”. وقد طالعت مؤخرا بعض المواد التي تتحدث عن الخيمياء وخطرت في بالي فكرة ان يكون الشاعر محمود درويش قد جعل آخر اربعة دواوين* له تدور حول مراحل العملية الخيميائية، وهي سبعة: الاشتعال، التذويب، التجفيف، التسامي، الموت، الفصل، وتوحيد الاضداد. وبناء على نظرية يونغ السيكولوجية فان للعملية الخيميائية ابعادا نفسية، فقد اهتم يونغ بالخيمياء كثيرا، وبعد ان اطلع على نصوص خيميائية بتعمق رأى ان الخيمياء تتحدث عن النفس اساسا، فالخيميائيون كانوا يتحدثون عن العمليات الخيميائية، موادها وتمظهراتها بمصطلحات نفسية بشرية زاوجت بين ما يحدث داخل الوعاء الخيميائي وبين المشاعر والاحاسيس التي انتابت الخيميائي، والتي تناقلها الخيميائيون وتوارثوها مضيفين اليها ملاحظات نفسية ثاقبة، الى جانب الاستكشافات المادية الملموسة والتي انبثق عنها فيما بعد علم الكيمياء. وجاء يونغ وجمع هذه الاستبصارات وطورها في اطار سيكولوجيا الاعماق الخاصة به. فالمادة الاولية في العملية الخيميائية تقابل عنده المرحلة البدائية الغريزية اللاواعية، شديدة التناقض وغير المشذبة في نفس الانسان، والمرحلة النهائية – مرحلة الوصول الى حجر الفلاسفة – هي مرحلة التكامل والكمال النفسي والتي يخرج فيها الانسان بفردانيته المميزة والمستقلة. بناء عليه فان لكل مرحلة من المراحل الانفة خصيصة نفسية تقابلها، وسأركز هنا على آخر اربع مراحل لوثوق صلتها بما اريد الاشارة اليه.
مرحلة التسامي – التبخير المادي، ومن ناحية نفسية يتم فيها استبدال الملموس الغريزي بالروحاني والرمزي.
مرحلة الموت – أي تغيير يطرأ على حالة المادة والانتقال من مرحلة الى اخرى تتم الاشارة اليه بالموت. في الحقيقة هذه ليست مرحلة قائمة بحد ذاتها انما تشير الى التحول المرموز بالموت وانتهاء المرحلة السابقة، استعدادا لتحقيق الانبعاث والولادة من جديد. هذا الموتيف يظهر مثلا عند الانتقال الى حالات وعي استثنائية، كما في الاحوال الصوفية الرؤيوية.
مرحلة الفصل – عمليات التقطيع، الغربلة، التصفية وفصل المادة عن اية شائبة لا تخصها، وهي عملية هامة نفسيا لان الفصل يتيح للانسان ترتيب مضامينه النفسية، والحرص على عدم تداخلها وانشباكها ببعضها البعض، ويساعد العلاج النفسي مثلا على القيام بمثل هذه العملية.
جمع الاضداد – ضم المواد المختلفة لتحقيق وحدة مكتملة واحدة، توحيد اجزاء النفس المتناقضة في كل كامل واحد. وفيها – نفسيا – تحدث المصالحة بين هذه الاجزاء حيث يتم احتواؤها باناة وصبر داخل نفس الفرد.
وبرأيي يمكن الحاق ديوان “سرير الغريبة” بمرحلة التسامي، واعود هنا الى الشاعر محمد علي شمس الدين، والذي تحدث في المقالة الانفة عن هذا الديوان قائلا: “واذا كان محمود درويش قد مشى في مراحله الطويلة في صيرورته الشعرية من الخطوط المستقيمة الى الزوايا والدوائر، ومن الاعلان واليقين الى الاشارة والرمز، ومن الاثبات الى النفي، فانه في “سرير الغريبة” تعيينا ومن ثم في “جدارية” انتهى انتهاء دراميا كبطل شكسبيري لم يبق لديه سوى الكلمات.. الكلمات، الكلمات”.
وهذا الوصف هو احد مشتقات مفهوم التسامي النفسي طبعا.
اما ديوان “جدارية” فهو مرحلة الموت الخيميائية بالتجربة المرضية التي مر بها الشاعر ومخاطبته للموت، بل واستفزازه في بعض الاحيان والتشنيع عليه.
مرحلة الفصل – اجدهل في ديوان “حالة حصار”، فالحصار هو عملية فصل واضح، كما ان الديوان يتميز بالمقاطع الشعرية القصيرة والمنفصلة عن بعضها البعض.
واخيرا تأتي مرحلة التكامل وجمع الاضداد في ديوان “لا تعتذر عما فعلت”. وهنا استعين برأي الشاعر شمس الدين بان الديوان مبني على بحر “الكامل” شكليا، واضيف اليه بانه من ناحية مضمونية ايضا يشمل عددا من القصائد التي تدور حول مواضيع نفسية خاصة بمرحلة “لمّ شمل” اجزاء النفس المتناقضة من اجل تحقيق الكمال النفسي والوصول الى الاستقلالية الفردانية في نهاية العملية الخيميائية/ النفسية. ومنها على سبيل المثال:
الجمع بين الوعي واللاوعي، الالهي والبشري، التقدم والتراجع، الداخلي والخارجي، الانفصال والانضواء، الموضوعي والشخصي، المذكر والمؤنث، الخير والشر، الانا والظل، السلبي والفعال.
الكثير من هذه الاضداد منثورة بين طيات الديوان لنأخذ مثلا قصيدة “الظل” التي تتحدث عن الاخر المعتم في نفس الشاعر، لكنه يجمعه به في قالب فكاهي.
قصيدة “هو هادئ وانا كذلك” تعالج الحوار الاخرس بين الانا والاخر (العدو / الاجنبي)، بالتوجس المتبادل بينهما رغم انهما صورة مرآتية لبعضهما البعض، وليست بينهما غير فروق طفيفة.
قصيدة “هذا هو النسيان” والتي ترى ان كثرة التذكر هو النسيان بحد ذاته، حيث يختتم الشاعر القصيدة بقوله:

“هذا هو النسيان: ان تتذكر الماضي
ولا تتذكر الغد في الحكاية”.
او قصيدة “هي في المساء” والتي تعتبر تنويعا لونيا على قصيدة “هو هادئ وانا كذلك” لكن الاخر هنا مؤنث، لذلك فانها تعالج التكامل بين المؤنث والمذكر:
“هي في المساء وحيدة،
وانا وحيد مثلها..

هي لا تراني، اذ اراها
حين تقطف وردة من صدرها
وانا كذلك لا اراها، اذ تراني
حين ارشف من نبيذي قبلة”.

اعتقد انه لا حاجة لاعطاء المزيد من الامثلة فيمكن لمن يرغب التوسع في الامور لوحده، وسأختتم بايراد قصيدة خيميائية بامتياز للشاعر، واجدها طريفة من حيث كونها توقيعا خفيا للشاعر عن طبيعة “صنعته”، ووجدتها كذلك لانها ذكرتني بالرسامين الذين كانوا يدخلون صورتهم كتوقيع شخصي في لوحاتهم، من خلال انعكاس هذه الصورة في مرآة موجودة في تكوين اللوحة احيانا. واعني هنا قصيدة “قل ما تشاء” والتي مهر فيها توقيعه- محمود درويش الخيميائي:

قل ما تشاء. ضع النقاط على الحروف.
ضع الحروف مع الحروف لتولد الكلمات،
غامضة وواضحة، ويبتدئ الكلام.
ضع الكلام على المجاز. ضع المجاز على
الخيال. ضع الخيال على تلفته البعيد.
ضع البعيد على البعيد… سيولد الايقاع
عند تشابك الصور الغريبة من لقاء
الواقعي مع الخيالي/ المشاكس
هل كتبت قصيدة؟
كلا؟
لعل هناك ملحا زائدا او ناقصا
في المفردة. لعل حادثة اخلت بالتوازن
في معادلة الظلال. لعل نسرا
مات في اعالي الجبال. لعل ارض
الرمز خفت في الكناية فاستباحتها
الرياح. لعلها ثقلت على ريش الخيال.
لعل قلبك لم يفكر جيدا، ولعل
فكرك لم يحس بما يرجُّك. فالقصيدة
زوجة الغد وابنة الماضي، تخيّم في
مكان غامض بين الكتابة والكلام:
فهل كتبت قصيدة؟
كلا؟
اذن ماذا كتبت؟
كتبت درسا جامعيا،
واعتزلت الشعر منذ عرفت
كيمياء القصيدة… واعتزلت!

هنا يدخل الشاعر/ الخيميائي الى مختبره الشعري، ويبدأ العملية آملا في الوصل الى ذهب القصيدة. الطريف اني وجدت في مقالة احمد فضل شبلول الانفة نصا شعريا يذكّر متنه بالقصيدة الانفة والتي يعطي فيها الشاعر تعليمات للوصول الى الذهب من النحاس، ويشير الشاعر (هو خالد بن يزيد بن معاوية الاموي) الى لغة الرموز الخيميائية كمادة الزئبق الاولية وهي احدى المواد الاولية المستعملة للوصول الى المرحلة النهائية: اكسير الحياة او حجر الفلاسفة، ويكني عن الذهب او حجر الفلاسفة في القصيدة بالزهرة والخرشقلا او ابن النار. فالزهرة هي نتاج نضج العملية الخيميائية، وترمز نفسيا الى الاكتمال النفسي. اما تسمية “ابن النار” فتشير الى مرحلة الاشتعال الخيميائية ويقول انه يستعملها للتضليل. وتسمية “الخرشقلا” تبدو لي للتعمية واضفاء البعد السحري والرمزي على العملية الخيميائية والتي تميزت بسريتها الشديدة خوفا من اعين وايدي العامة عديمي الكفاءة (الا اذا كان لها معنى اجنبي ذو صلة بالرموز الخيميائية)، وفي نهاية القصية يقول الشاعر ان الناتج هو “تصليح” للنحاس حيث يتم منه الحصول على الذهب الذي يذل كل عزيز. ويخاطب الشاعر من يريد التزود من حكمة الخيميائيين بقوله ان حجر الفلاسفة :

هو زيبق الشرق الذي هتفوا به
في كتبهم من جملة الاشياء
سموه زهرا في خفي رموزهم
والخرشقلا اغمض الاسماء
ودعوه بان النار كيما يصدقوا
عن صنعه بخلا عن البعداء
فاذا اردت مثاله فاعمد الى
جسم النحاس وناره الصفراء
فامزجهما مزج امرئ ذي حكمة
واحكم مزاوجة الهوا بالماء
واسحق مركبك الذي ازوجته
بالجد من صبح الى الامساء
سحقا يفتته وينهك جسمه
حتى تراه كزبدة بيضاء
واجمعه واتقنه ودعه بصِرفه
حتى الصباح وغطه بغطاء
هذا أبار نحاسهم فافطن له
هذا مذل ذوي اللحى النجباء

وعودة الى قصيدة الشاعر محمود درويش اقول انه هو الاخر يخاطب نفسه ليضع المواد الاولية من نقاط وحروف وكلمات، ويمزجها ويشبكها ويحاول ان يحافظ على التوازن في المعادلة الخيميائية الخفية، وبعد ذلك يتساءل : هل وصلت الى حجر اللفلاسفة/ ذهب القصيدة/ القصيدة المكتملة؟ ويجيب بالنفي، ثم يحاول ايجاد نقاط الضعف وتبرير الفشل لكن القصيدة تبقى عصية، وتفلت من يديه دون ان تمكنه منها ومن الوصول الى معدنها الثمين، فما يحصل عليه هو معدن اخس وادنى مرتبة: “درس جامعي”!
نسرين مغربي


  • كتبت هذه المقالة قبل عدة اشهر، ولم يتسن لي نشرها لاسباب خارجة عن ارادتي، لكن في هذه الاثناء صدرت للشاعر محمود درويش مجموعة من دواوينه الخمسة الاخيرة :”لماذا تركت الحصان وحيدا”، “سرير الغريبة”، الجدراية”، “حالة حصار”، “لا تعتذر عما فعلت”، في طبعة واحدة. واعتقد ان السبب يعود الى ان هذه الدواوين هي مجموعة “التجارب الخيميائية” التي اجراها الشاعر ضمن مشروع شعري موحد. وقد اغفلت في مقالتي ديوان “لماذا تركت الحصان وحيدا ” (كان عليّ ان ابدأ من مكان ما!)، وهذا لا يفند ادعائي بالعكس فهذا الديوان هو مرحلة التجفيف التي تسبق مرحلة التسامي (ديوان “سرير الغربية”) وفيه تقف “الانا” على قدميها خالية من الشوائب الخيالية التي تعيق واقعيتها. وفعلا فان الحصان لدى الشاعر هو رمز “للانا” بجميع المفاهيم. واعتقد ان ضم هذه الدواوين معا هو انذار بانهاء هذه المغامرة الخيميائية في شعره والتمهيد لانبعاثه في مشروع شعري جديد كل الجدة بعيدا عن اعين النقاد او الناقدات!
    نسرين مغربي 22 شباط 2005

نشر في 12/04/2005 8:30:00

‫0 تعليق