أنيس الرافعي: أفق التجريب في القصة المغربية الجديدة : جماعة الكوليزيوم نموذجا.

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بعد انصرام ست سنوات ونيف على ظهور جماعة الكوليزيوم كتيار أدبي طليعي من ضمن شو اغله المركزية وضع الحجر الأساس لمرحلة <<الجيل الثاني من التجريب القصصي بالمغرب>>. ست سنوات وما يزيد، استنفر فيها أعضاء الجماعة كامل جهدهم المعرفي وبطارياتهم الإبداعية لمناقشة سؤال التجريب في القصة المغربية الجديدة، انطلاقا من محاولة صوغ مقتربات جوابية لأرضية نظرية وجمالية لم تخرج في كل الحلقات الدراسية الوطنية التي نظمتها الجماعة وفي كل النقاشات التي نشبت بين مدبري شؤونها عن الأسئلة الخمس التالية :

1- ما المفهوم الذي يمنحه كل قاص كوليزيومي لسؤال التجريب باعتباره <<أثرا أو حدثا ما بعد حداثيا>> – حسب تعبير الناقد الأمريكي نيك كاي – ينتج في المستقبل عن إواليات خاصة تنشط كاستجابة لعدد من التوقعات المعينة ؟
2- ما هي مكونات وإبدالات وطرائق تبنين هذا التجريب الممارس للعبة << القميص المفتوح >> مع أجناس وأنواع أخرى أدبية أو غير أدبية ؟
3- ما هي الخصيصات الفارقة التي تميزه عن التجريب الدائري للأجيال السابقة التي تعيد اجترار نفسها ، وكيف السبيل لدفع القاص الكوليزيومي لكشط جلده باستمرار ودهنه بمراهم من مختلف الصنوف والمرجعيان لتطوير واثراء وتثوير نصه القصصي ؟
4- ماهي الآفاق والتخوم و الإستخطاطيات المستقبلية لهذا التجريب المغامر في إطار تعالقه مع مدينة الاتصالات الحديثة والمستجدات المتسارعة والضارية لزمن العولمة ؟
5- التجريب ، هل هو مشروع فردي ، نرجسي يؤسسه كل قاص على حدة داخل مختبره أو ورشته الخاصين ، أم هو وعي جمعي ومشروع جماعي متضافر الرؤى والاجتهادات داخل تيار أدبي معين ؟

وبصدد هذه الإستشكالات الخمس – إذا صح التوصيف – التي كانت طيلة المسافة الزمنية المشار إليها نهبا للسجال والمطارحة الشرسين ، سيكون من الطبيعي جدا والموضوعي بامتياز التساؤل عن الحصيلة وجدوى الإستمرارية ، خاصة بعد الإنزلاقات الغضروفية الكاسحة التي مست عميقا العمود الفقري للجماعة ، والمتمثلة – حسب تقديري الشخصي – في القسمات و << النوازل >> التالية :

أ – عدم الإخلاص لكتابة القصة القصيرة وعبث القفز على الحواجز بين الأجناس الأدبية ، مما شكل خيانة فاجرة للكيان الجمالي والجوهر الفلسفي المميزين للقصة القصيرة عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى . فالإنتقال الصاعق لبعض أعضاء الجماعة للكتابة ضمن أجناس مغايرة –دون إدراك لمدى خطورته – كان انتقالا أكروباتيا من كيان أصلي إلى كيان مزيف و من جوهر ثابت إلى جوهر مخاتل. إنه طراز باعث على الرثاء من <<الإنتحار الأجناسي >> ( قياسا على << الإنتحار الطبقي >> ) ، الذي يفضي إلى ضياع الكينونة الإبداعية وولوجها إلى نوع من العماء والكاووسية المضرين بالرؤية الفنية التي يحملها كل << خالق صغير >>. كما يسميه موريس بلانشو – تجاه العالم . فما هكذا تورد القصص ؟ إذ لا يمكن بتاتا أن تكون روائيين لأننا لانؤمن بالتاريخ والمجتمع . وليس بمستطاعنا أن نصير على الإطلاق شعراء لأننا لا نستسيغ أن نكون رؤيويين أو طوباويين . وبما أننا << كجماعة مغمورة >> – استنادا إلى المفهوم الأوكونوري – على طرف نقيض مع كل رؤية توافقية تجاه العالم ، فقد كان من الضروري أن نكون قصاصين وقصاصين فقط أوفياء دائما وأبدا لكتابة القصة القصيرة لاغير.

ب – مفارقة السند المرجعي المأمول أو الملوح به للمنجز القصصي الفعلي . فالأضمومات القصصية التي أطلقها أعضاء الجماعة في سماء النشر لم تستطع إلا فيما نذر تفجير الميراث القصصي الكلاسيكي من الداخل ، مما لم يمكنها من تأسيس النص المضاد الذي يتجاوز ولا يتجاور . نص لايرتهن إلى مقاس أي أنموذج دوغمائي جامد . نص يغير في نظام الأشياء ونظام النظر إليها . نص قلق وصاخب وملبد ومتوتر ومشوش ومتموج كفكرة الدوائر المائية دونما إمكانية لتصنيفه . نص يستمد صلابته التخيلية من طبيعة مكوناته ومصادره الذاتية ، التي تغذي و ترفد استرا تيجياته النصية وتضاعف من طاقاته الدلالية. نص على قدر غير يسير من المباغتة والمراوغة و الإيهام ، لأنه ينتقل بالحكاية من أضرحة السرد بسواكنه الإنفعالية ، الخطية، التقليدية ، الفطرية ، العمودية ، المطمئنة ، والمعيارية إلى براري << ما بعد السرد >> بمتغيراته المتطلعة ، المنفلتة، المتحولة ، الدينامية ، المحدثة ، المربكة ، والمزعجة .

ج – عجز البيانات الثلاثة للجماعة ( الغاضبون الجدد – الرماديون – القصة التجريبية ) على تحقيق البوثقة الإندماجية والتحايثية المرجوة ، التي كان معولا عليها بشكل حيوي لرسم الخط البياني لمسارات التجريب الكوليزيومي القادر على تجاوز المؤتلف نحو المختلف والثابت صوب المتحول في مظان هذه البيانات ، وكذا القادر على نحث << وصفة مفترضة >>أو مفهوم خاص ونسبي لتصييغ قصة قصيرة تجريبية ذات متعينات جمالية ومستندات نظرية واعية بتشييدها لبلاغتها الخاصة . لكن ما تجلى بشكل شاخص من محصلة هذا السجال المكعب بين هذه << الصرخات الثلاث>>، أن هذه << الوصفة المفترضة >> المزعومة لاتعدو أن تكون مجرد فكرة في رأس الهواء . يحوزها القاص أو قد لا يحوزها بعد مسار غائر وممتد في الكتابة ، وليس بواسطة الزعيق وإطلاق فوهة الشعارات الطنانة في شتى الإتجاهات الممكنة وغير الممكنة. البيانات لاتبتكر على الإطلاق أدبا حقيقيا . إنها كالألعاب النارية سرعان ما يحرقها النسيان في صباح اليوم التالي ، أو بالأحرى إنها فقط مثير تحريضي ، تماما مثل الوسيط الكيميائي في التفاعل . فإذا أردت أن تعرف ما هي العناصر التي تؤلف سائلا أو محلولا ما ، تضيف إلى الأول سائلا آخر ، عندها قد يصبح لون المزيج أزرق ، أو قد يغلي أو يتغير جذريا معطيا ناتج التفاعل. وهذا الناتج هو كواليس، رسيمة ( شيما )، وصفة الكتابة المفترضة للقصة التجريبية ، لكنه لا يعني بالضرورة وبأي حال من الأحوال الإنجاز الفعلي لها .

د- عدم استيعاب الأعضاء لمفهوم وجوهر هذا الكائن المشاغب ، المسمى :<< جماعة أدبية >> ، والذي يقع دائما في الجهة الأخرى والقصية للمؤسسة برمزيتها الخانقة للحرية والإبداع. إن الرغبة في تحويل << التيار >> إلى << جمعية قانونية >> هو بمثابة << قفزة الموت >> حسب العبارة المشهورة لكارل ماركس . المعادل الموضوعي للإنتقال من << ملجأ صوري >> إلى << قبو إجباري >> . انحدار من مرتبة الصقر إلى درجة الأرنب . فنفر الإنقلابيين وعصابة العصاة وسلالة الرافضين وزمرة المتمردين لاينغمسون أبدا في التيار العام ولاينضوون تحت أي لواء أو يافطة ، لأنهم – كما يقول هنري ميلر – << فلتة من فلتات الطبيعة >> . إنهم مثل سمك السلمون قدره أن يموت مباشرة بعد المبيض . فالجماعات الأدبية الحقيقية والمحترمة ( كما هو الشأن بالنسبة ل << ميكروب >> ، <<الأربعائيون >> ، << جماعة البصرة >>، << الحرافيش >> ، << تحت السور >> ، << الرغبة الإباحية >> . . . إلخ ) جاهزة للموت بامتياز ، ولاتبتسر على الإطلاق ذاتها بالاخصاء الطوعي. إنها تحل نفسها وتفكك مفاصلها من تلقاء ذاتها مباشرة بعد انتهاء مشروعها الجمالي الذي نادت به لأول وهلة . إنها بالتأكيد تصيب سويداءها بطعنة نجلاء وتحكم على كينونتها بالقضاء المبرم إن هي جازفت عبثا بتلميع السقوط وضخ الأوكسجين في جسد ميت سلفا.

و – وأخيرا ، امتداد التهابات وبثور الزعامة المتورمة والفاشية على طول النخاع الشوكي للجماعة ، والرغبة الإكلينيكية والفصامية لبعض الأعضاء في التحول بقدرة قادر بين ليلة وضحاها إلى مايشبه – على حد تعبير الروائية الهندية أروندهاتي روي – << آلهة الأشياء الصغيرة >> . مما أدى إلى انبثاق << نظرية المؤامرة >> واستشراء أخلاقيات الذيلية والذنبية والتبعية المقيتة ، و أفضى بالتالي إلى تبخر الصمغ الرمزي للصداقة والتواطؤ الجميل الذي كان يلحم نفوس وذوائق أعضاء الجماعة من الناحية الإنسانية والفنية . وهكذا وكما النمر في إحدى حدائق حيوان بلغراد أثناء قصف الناتو ، شرعنا في أكل أطرافنا قطعة فقطعة . انتقلنا – للأسف الشديد – من تعاقدات استراتيجية حول الجماليات النوعية للتجريب إلى تعاقدات تكتيكية حول الجماليات الكمية لرداءة أحوال الكائن .انتقلنا – بمزيد من الأسف – لممارسة نفس غباء المنطق الإقصائي والدسائسي ، الذي طالما حاربناه داخل ردهات مؤسسات العاهات الأدبية المستديمة .

وعليه ، وبناء على الهنات و المثالب الملمع إليها أعلاه ، والتي أدت إلى انسداد الشريان التاجي للأفق التجريبي داخل الجماعة . أجدني – باعتباري مهندس فكرتها وضميرها النظري – مضطرا ولو على مضض لإطلاق رصاصة الرحمة على جمجمتها، معلنا للمشهد القصصي الوطني عن الموت السريري للجماعة الأدبية التي كانت توسم ب << الكوليزيوم القصصي >>. و إنا للتجريب ( في إطار<< ما بعد الكوليزيوم >> ) و إنا إليه ذاهبون.
حرر بالبيضاء في: 01/04/2005 (مقهى فضاء الساحة)
أنيس الرافعي: قاص من المغرب

نشر في 6/04/2005 8:30:00

‫0 تعليق