المترجم مصطفى القصري: الترجمة شرط من شروط التواصل واللحاق / حوار: د. محمد الداهي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تمنع المسؤوليات والمهمات الإدارية التي اضطلع بها مصطفى القصري من إدمان القراءة وافتراش مدر الترجمة الأدبية.وشاءت الأقدار أن يكون عمله – في إحدى محطاته المهنية- هو الترجمة بشقيها ( تعجيم خطب المغفور له الحسن الثاني وتعريبها) . وقد كان له الفضل الكبير في تعريب قلائد الشعر الغربي والتعريب بأصحابها المفلقين. ومن بين الأعمال التي عربها نذكر على وجه الخصوص :

الفلك الضيقة لسان جون بيرس (الدار التونسية للنشر،1973) ، ونرجس لبول فاليري(مطبعة الأنباء 1980) ، وتأبين توفيل غوتيي لستفان مالارميه(مطبعة الأنباء1991)، زهور الألم لشارل بودلير(رسم 1998)،..إلخ. وله إسهامات أخرى مفرقة في الملاحق الثقافية و المجلات الأدبية. ورغم كبر سنه ومعاناته مع المرض فقد تحمس لإجراء حوار معه منضبطا لمواعده وطقوسه، ومستخفا بما يمكن من تعب وإرهاق.
لم تمنع المسؤوليات والمهمات الإدارية التي اضطلع بها مصطفى القصري من إدمان القراءة وافتراش مدر الترجمة الأدبية.وشاءت الأقدار أن يكون عمله – في إحدى محطاته المهنية- هو الترجمة بشقيها ( تعجيم خطب المغفور له الحسن الثاني وتعريبها) . وقد كان له الفضل الكبير في تعريب قلائد الشعر الغربي والتعريب بأصحابها المفلقين. ومن بين الأعمال التي عربها نذكر على وجه الخصوص : الفلك الضيقة لسان جون بيرس (الدار التونسية للنشر،1973) ، ونرجس لبول فاليري(مطبعة الأنباء 1980) ، وتأبين توفيل غوتيي لستفان مالارميه(مطبعة الأنباء1991)، زهور الألم لشارل بودلير(رسم 1998)،..إلخ. وله إسهامات أخرى مفرقة في الملاحق الثقافية و المجلات الأدبية. ورغم كبر سنه ومعاناته مع المرض فقد تحمس لإجراء حوار معه منضبطا لمواعده وطقوسه، ومستخفا بما يمكن أن يسببه له من تعب وإرهاق.

س: ماهي الأسباب التي حفزتك على ممارسة الترجمة؟
ج: هناك اسباب كثيرة ، أذكر في مقدمتها سببين أساسيين : أولهما العقم الأدبي الذي كنت أعاني منه لما كنت محررا بجريدة الرأي العام ، وثانيهما الحاجة إلى ضمان لقمة العيش. وولجت ميدان الترجمة الرحب بتعريب الأخبار. و شملني عبد الهادي بوطالب بتشجيعاته المتواصلة. ولا يمكن لي أن أنسى موقفه الإيجابي من إحدى مقالاتي التي فندت فيها ادعاءات المقيم العام الفرنسي كيوم. وقد خلف إطراءه في نفسيتي إحساسا بالثقة وحفزا على افتراش مدر الكتابة ومواصلة اختراق مغالقها ومساربها الضيقة. وإلى جانب أنني مارست الترجمة كممارسة ثقافية ، فقد كانت جزءا من أعمالي المهنية. ويصعب في مسار حياتي الفصل بين الجانبين ، لأنهما يشكلان وجهين لعملة واحدة. فلما اشتغلت بالديوان الملكي ، ترجمت خطب الملك الراحل الحسن الثاني ، وجميع خطب سيكوتوري. ولما استغلت بديوان المدير العام للإسيسكو عبد الهادي بوطالب ، ترجمت بعض الوثائق المتعلقة ببرامج التعليم وأشرفت على بعضها الآخر.

س: معروف عنك أنك كلف بعالم بودلير. ما هو السر في ذلك؟
ج: جاء الميل إلى بودلير مفاجئا. بينما كنت ألعب الورق بمقهى، كان أحد أصدقائي منهمكا في قراءة قصيدة لبودلير موسومة ب” جلاد نفسه*. ولما أطلعني عليها ، اكتشفت فيها عالم الغرابة والجمال. فهذا الحدث البسيط ، حفزني على اقتناء دواوين بودلير والتمعن في أسرارها. فوجدت نفسي في امبراطورية الجمال التي لا حدود لها أو بعبارة الصادق مازيغ في ” الفردوس المفقود الذي ما تنفك تتضوع نفحات من عبيره ويشع الق من بهجته من خلال رؤى الشاعر وأهازيجه”. أقدمت في بداهة مشواري على تعريب ديوان زهور الألم ، وصدرت الترجمة عن الدار التونسية مصدرة بمقدمة للصادق مازيغ أحد مترجمي القرآن الكريم.
س: كيف وجدت نفسك في عالم الترجمة الملتبس والمضطرب؟
ج-أحكي لك حدثا يوضح جانبا من هذا اللبس. لما كنت أعمل في وزارة الاتصال ، ذهبت يوما أبحث عن ترجمة كازيمرسكي للقرآن الكريم. وهي على حد علمي ترجمة جيدة. ففاجأني الكتبي بأنها مدرجة ضمن اللائحة السوداء. فاتصلت بالكاتب العام لوزارة الأحباس(المرابط) أستفسره عن منع هذه الترجمة رغم أهميتها وملاءمتها. ولم أتوصل منه بأي جواب. مع العلم أن الترجمة التي كان من اللازم سحبها من الأسواق هي ترجمة بلاشير لتضمينها للآيات الشيطانية . وقد أثير موضوع الآيات الشيطانية في القرآن الكريم. يقول الله تعالي في سورة الحج الآية 52:” وما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكي الله آياته والله عليم حكيم”. وأسباب نزول هذه الآية هو أن الرسول محمد(ص) قرأ بمكة فلما بلغ في سورة النجم ” أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى”ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا. وبيت القصيد من هذا الكلام أن ترجمة بلاشير تضمنت هذه الآية الشيطانية دون تعليق واكتفت فقط بالإشارة إلى وجود التكرار والتتليث. ويمكن للقارئ أن يعاين هذه المسألة بنفسه من خلال هذا المقتطفات من ترجمة سورة النجم (ص561، ميزون نوف 1956).


19-Avez-vous consideré al-lât
et al-ozzä
19-et Manât , cette troisiéme
autre?
20 bis Ce sont les sublimes Déesses
20 ter et leur intercession est certes
souhaitée
21-Avez-vous le mâle et
la femelle.


فهذا الحدث البسيط البالغ الدلالة يوضح أن قضية الترجمة لا تثير فقط مشاكل تقنية متعلقة بالجودة والأمانة ، وإنما تثير قضايا بالغة الحساسية بفعل الإضافة أو الحذف. وقد عاينت في الترجمة العربية للقارئ في الحكاية لإمبرتو إيكو حذف عبارة مدرجة في النسخة الأصلية( comme la miséricorde d’Allah p251) . ولا أعرف هل تدخل الناشر لإقصائها مخافة أن تثير قضية أخلاقية قد تؤثر على مبيعات الكتاب أو تعصف بدار النشر نفسها.
س: ما يلاحظ على ترجمتك أنك تقابل الملفوظات الأجنبية بملفوظات مستوحاة من التراث العربي الإسلامي إلى درجة قد نتوهم أن المترجم لهم متأثرون به.
ج: هذه المسألة مفروضة علي ، وهي لا تدخل في إطار ظاهرة التأثير أو التناص ، وإنما تندرج ضمن ما يصطلح عليه بالفطريات الإنسانية. وقد أشاد بها بعض العارفين الحذاق. مؤخرا سلمني ابني عبد الكريم مؤلفا ضخما عن ” سانت جون بيرس والموسيقى لدانييل أرانجو” يطري ترجمتي، ويبين أصالتها وخصوصيتها، ويثير ما قلته بصدد توطيف اللغة التراثية أو المقدسة. فمن خلال قراءتي لبعض الشعراء الأجانب ألاحظ بأنهم يعبرون عن قضايا مشتركة. والحالة هكذا تقتضي أن نورد العبارة التي تفي بذلك. وسأعطيكم مثالا توضيحيا يبين مأ أقصده من كلامي. فهذا السطر الشعري:


Tu es née marquée de l’étalon divin

لم أجد ما يقابله إلا هذا الملفوظ المقتبس من القرآن الكريم: خلقك ربك فسواك. وفي السياق نفسه ترجمت السطر الشعري التالي:


Rouge d’orsin les chambres de plaisirs

على النحو التالي المحيل إلى الحديث النبوي الشريف:كالتوتيا غرفات العسيلة الحمراء. فالمرأة المسلمة المطلقة طلاق التثليث لا تحل لزوجها إلا بعد أن تتزوج رجلا غيره ، فيذوق من عسيلتها وتذوق من عسيلته. ويمكن أن نسترسل في إعطاء مزيد من الأمثلة المحيلة إلى الشعر العربي . فليس هناك تعبير يوافق هذا المثل الفرنسي ( qui se ressemble se rassemblent) إلا المثل العربي ( وافق شن طبقة) .فكما قلت فالمسألة لا علاقة لها بظاهرة التأثير والاقتباس ، وإنما هي قيم كونية تتقاطع في مختلف الحضارات . وكل فرد يعبر عنها بطريقته الخاصة المشروطة بالظرفية التي تؤطرها. و لا تتوقف المسألة عند حدود الأفكار والخواطر والأهواء ، وإنما تشمل كذلك الاكتشافات. والأهم في نظري هو الحفاظ على القيمة التواصلية. وقد نحوت في تعريب أشعار سانت جون بيرس ما نحاه هو نفسه في اقتباساته ، فهو عندما يقول :
mes dents sont douces sous ta langue إنما يستوحي نشيد الإنشاد التي يقول نصها الفرنسي :Tes yeux sont deux colombes sous ton voile ، فأخذت الجملة الأصلية ، وهي “عيناك يمامتان وراء نقابك “، وحورتها إلى : “ثناياي عذاب تحت لسانك”
س: تعترفون بأن (زهور الشر) ترجمة مثيرة ومعبرة، لكنكم ثؤثرون ترجمة أخرى ، وهي زهور الألم. فلماذا لم تسايروا الحس السليم؟
ج:إن لفظة (le mal) تحوي معان متعددة: الداء، والشر، والألم. اخترت لفظة الألم لأنها تلائم حالة بودلير الشعورية ، فهو متورط في شرك القبض ( بتعبير المتصوفة) أو غارق في وادي الدموع ( بتعبير المبدعين). ولما يتخلص من القبض ، يحس بنشوة الارتفاع والتسامي. وفي هذا السياق أستحضر جملته الشعرية التي يقول فيها : تناولي يا أماه هذه الزهور المريضة. لقد كان يعاني من داء عضال كدر عيشه ونغص حياته ، وجعله يتألم من ذاته ومما يحيط به. وقد حاول التخلص منه بإدمان الحشيش والأفيون والخمر. لكن لم يزده ذلك إلا قبضا مضاعفا.
س: لكنكم بما تبررون ترجمة le mal بالشر في هذا الجملة الشعرية:
L’oreiller du mal = وسادة الشر.
ج: فعلا الشر متضمن في الديوان ومتجل في مظاهر متعددة. لكن المهيمن هو الألم. لكن في الجملة التي أشرت إليها نجد معنى الشر واضحا . وهو الشر المترتب على الروح الشيطانية.
س: نلاحظ في ترجمتكم إضافة النعوت ( libre/ الحر الطليق) والكلمات(l’orgueil de la maison/ فخر المنازل والبيوت) وتعريب كلمة بعبارة(tu chériras la mer/ شمط حب البحر فيك) ، وتحويل الإيحاء إلى تقرير(Tu te plais à plonger au sein de ton image= يعجبك أن تشاهد صورتك على سطحه) ، وإضافة كلمات غير واردة في السياق (Comme un réve de pierre= كحلم عبقري في الحجر). فكيف تبررون هذا النوع من الاتصال اللغوي؟
ج: ما قلته موجود ، وأنا أتقصده أحيانا. وحتى أعطي للقارئ المفترض نظرة عامة عن منظوري للاتصال اللغوي ( contact de langues)، سأتناول كل حالة على حدة. أتوخى من إضافة الصفات والنعوت إحداث تموجات إيقاعية منسجمة وبنية اللغة العربية الواسعة على نحو اللباس العربي التقليدي. فلا يستقر مقام الميزان الشعري إلا بإضافة كلمات ذات رنة إيقاعية وموسيقية. وهذه الظاهرة اللغوية موجودة عند طه حسين لأسباب تعليمية ، وعند التوحيدي لبواعث دلالية ولغوية ، ومشخصة في القرآن الكريم بطرائق بلاغية وأسلوبية وفنية في منتهى الروعة والجمال.” إن الله كان عليما حكيما”. أنا أعي بأن ترجمة الشعر تستدعي الحرص على الحفاظ على بنية الجملة الشعرية من حيث إيحائيتها وإيقاعها. وهذا ما يمكن أن تعاينه في ترجماتي برمتها . لكنني أحيانا – نظرا لاتسام الشعر بالتجريد والتكثيف- أحرص على المعنى وعدم معاكسته ، وهذا ما يقتضي التضحية بأشياء أخرى. ولعل المترجمين واعون بمثل هذه المصاعب التي تعترض سبيلهم كلما وجدوا أنفسهم أمام بنيات لغوية معقدة أو متضمنة لتثمينات ثقافية خاصة. أما فيما يخص إضافتي لكلمة “عبقري” غير الواردة في الجملة ، فهي مضمنة في السياق ، ولا يكتمل المعنى العربي إلا بإثباتها. أما فيما يخص تعريب لفظة بعبارة ، فأنا لم أجد تعبيرا يفي بالتعلق الشديد( chérir) إلا في العبارة التراثية التي أوردتها(شمط الحب فيه).
س: ترجمتم قصيدة ” التأبين ” لستيفان ملارميه ، واطرتم ظروفها وملابساتها في كتاب( 1991). لماذا هذا الميل إلى هذه القصيدة بالذات؟
ج: لم أترجم هذه القصيدة فحسب ، وإنما ترجمت ما ينيف على سبع عشرة قصيدة للشاعر نفسه ، ونشرتها بالملحق الثقافي لجريدة ” العلم”. وما شدني إلى قصيدة التأبين ، هو أنها تؤبن الشاعر الفرنسي ثيوفل غوتي الذي كان أستاذ جيله بلا منازع في ميدان صياغة الشعر وقرضه ، وتعد من القصائد الغلقة وضمنها في ديوانه الصغير في حجمه ومبناه ، العظيم في محتواه ومعناه. وإذا أردنا تقريب هذه القصيدة إلى المتلقي العربي، فإن الأمر يقتضي تبيان ظروفها وضبط المعجميات الملارمية. وكعادتي أقدم النص الأصل والنص الهدف متقابلين حتى يقارن القارئ بينهما ، ويدرك ما تتمتع به كل لغة من خصوصيات في التركيب والمبنى، ويتأكد من وجود مشاعر موحدة ومشتركة رغم وجود اختلافات ثقافية وحضارية. فلو قرأ ملارميه لأبي تمام سيكتشف فيه أخا يعبر عن الأحاسيس نفسها رغم اختلاف الجانب العقدي والإثني.
س: يستخدم سانت جون بيرس الرمز والإيحاء والتجريد والأسطر الشعرية الطويلة والمكثفة. كيف ذللتم هذه الخصائص الجمالية في ترجمتكم؟
ج:أستحضر هنا ما قاله محمد مزالي في تقديمه الرائع لترجمة “الفلك الضيقة” إلى اللغة العربية ( بحث عن الديوان وبدأ يقرأ) :” والواقع أن عمله ليس ترجمة عادية بل هو خلق جديد للنص الفرنسي إذ وفق أيما توفيق في أداء المعنى بأمانة ودقة، واستمد من تشبعه بالقرآن الكريم وعشرته الطويلة للآداب العربية القديمة ما مكنه من تأدية النص الفرنسي في إيقاعاته وتفعيلاته واسترسالاته ونفسه الشعري، وأكسب الترجمة هالة من القداسة والرهبة والرنة الغنائية “. فهذا المقطع يلخص جانبا من تجربتي في مجال الترجمة. فالترجمة لا تلزم المترجم بتتبع مسارب النص الأصل حرفيا ، وإنما تترك له هامشا للإبداع. وهذا ما يميز مترجما من آخر. كل واحد له مؤهلاته وتصوراته الخاصة. لكن ما يجب الالتزام به وعدم التفريط فيه، هو تأدية المعنى بأصالة وعدم معاكسته. وفي ترجماتي أحرص على الاهتداء إلى التعبير الملائم الذي يكلفني الوقت ، وإيجاد إيقاعات وتموجات موسيقية مناسبة للنص الأصل بتوظيف ضروب التكرار والترديد(reprises) ، واللازمات (refrains)، والأسجاع، والمقابلات ، والقوافي. ويقول فارك Farque ” إن أكثر الشعراء استعارة هم أكثرهم استخداما للموسيقى”. وهذا ما يستصعب ترجمة الشعراء ذوي الموهبة الخارقة. لكن ما قلت إن كفاية المترجم وأسلوبه يلعبان دورا حاسما في تقريب الشعر الأصيل إلى الحضارات الأخرى.
س: كرستم جهدكم لتعريب الأشعار العالمية، ولم تخصصوا للأجناس الأخرى إلا حيزا ضئيلا من اهتماماتكم. لماذا هذا الانجذاب والميل إلى الشعر؟
ج: إن ترجماتي متنوعة الروافد والمجالات. فقد ترجمت “الأمير الصغير” لسانت كزيبوري في طبعة أنيقة مزدانة بخط الخطاط معلمين ولوحات محمد بنعلال، ثم كتاب الورد، ثم حكم لابرويير..إلخ. فأنا أترجم تبعا لما تمليه علي قناعتي، وما يرضي ذوقي، وما يمكن أن تنجم عنه فوائد جمة. وللأسف الشديد لم أجد نقادا وكتابا ينتقدونني ، ويرشدوني -عند الاقتضاء- إلى الصواب، ويتعاونون معي لتطوير الممارسة الترجمية إلى الأحسن والأفضل. والقليل من يتجشم مقارنة النص الأصل بالنص الهدف للتوقف عند مكامن القوة والخلل. وفي هذا الصدد أشيد باضطلاع بعض الكتاب التونسيين بمقارنة ترجمتي بترجمة أدونيس لشعر سانت جون بيرس.
س: يرى بعض علماء اللغة ( همبولت ، ويالمسلق، وورف) أن كل متكلم يقطع العالم على طريقته الخاصة ، وأن كل لغة تحض رؤية جماعة لغوية ما إلى الوجود. أيمكن للترجمة أن تنقل هذه الخصوصيات الفردية والثقافية ، وتشخصها كما هي ؟
ج: المسألة معقدة شيئا ما . لكن المترجم مدعو إلى الاستئناس بتصور صاحب النص وثقافته ، والاطلاع على مؤلفاته ، ومعرفة ظروفها وملابساتها. فمثل هذه المعطيات الخارج-نصية تسعف المترجم على الكشف عن بعض الأسرار وفك بعض المغالق والقبض على رؤية صاحب النص إلى الوجود. وهذا هو المنحى الذي أنحوه . فأنا لم أضع ترجمة ” زهور الألم” إلا بعد قراءة الديوان بتؤدة وأناة ، والاطلاع على حياة بودلير وفلسفته . والمترجم – هو الاخر- يسم النص بميسمه الخاص دون الإخلال بالمعنى. وهكذا تلاحظ أنني أقتبس من الثقافة العربية الإسلامية ، ولي طريقة خاصة في التقديم والتأخير المراعيين لخصوصية اللغة العربية ، كما أحرص على موسقة النص المترجم. ففي نص “الشرفة” وضعت قافية شبه موحدة (السيدات ، الواجبات، اللمسات، الأمسيات، السيدات ، الجمرات، الضباب، روحي، الكلمات، الظلمات..). وما يزكي كلامي أن نصا واحدا ( على نحو بحيرة لامرتين ورباعيات الخيام) اضطلع بترجمته إلى اللغة العربية مترجمون كثر. فكل واحد له طريقة خاصة في الترجمة ، وكل ترجمة تكاد لا تشبه أختها. لكن ما يسترعي الانتباه هو أن المترجمين حرصوا على تأدية المعنى نفسه. وللقارئ الحق في الإعجاب بهذه الترجمة أو تلك . فأنا تعجبني ترجمة توفيق مفرج لرباعيات الخيام لجمالها وانتظامها في إيقاع تقليدي. وفي هذا الصدد أذكر أن من بين مترجمي البحيرة طه حسين. ولما نعود إلى ترجمته نجدها حافلة بظاهرة الترادف التي أشرت إليها سابقا.
س: هناك من يعتبر الترجمة فنا وهناك من يعدها علما. أي طرف تراه موفقا؟
ج: إن سؤالك مستوحى من قراءتك لكتاب جورج مونان ( قضايا نظرية في الترجمة). لا أجد بونا بين الطرفين ، فهما يمثلان وجهي العملة نفسها. فالترجمة تستدعي في الآن نفسه الطابع العلمي والفني حتى تستنده على الوجه الأحسن.فمن جهة، ينبغي للمترجم أن تكون له كفاية معرفية وثقافية ولغوية ويكون ملما بنظريات النص ( الإحالات ، الاتساق ، الانسجام ، الخلفيات المعرفية) ؛ ومن جهة أخرى يتوجب أن يتسم بقدرات فردية أسلوبا ورؤية. إن التفريط في أحد الوجهين يستتبع مظاهر مستبشعة. ولا يتسع مقامنا لا ستعراضها وتبين ملامحها. ويكفي أن أذكر أمثلة عنها. فأدونيس- باعترافه- أفسد العوالم التخييلية لسانت جون بيرس بدءا من العنوان نفسه. فاللفظة الفرنسية Amer تعني معلمة أو صوة ، فهي تشمل كل الأشياء الثابتة والمرئية التي تستخدم في الشاطئ كمعالم وصوى. في حين أن أدونيس ترجمها بترجمة لا تفي بمقصودها ، وبعيدة كل البعد عن السياق( منارة). كما أساء المترجمون نقل فكر عبدالله العروي إلى اللغة العربية. فكيف يمكن أن نفسر الضجة التي أثيرت حوله مع بداية السبعينات قبل أن يفهم ويتمثل في مظانه؟ ولما نعود إلى هذه الترجمات نجد أشياء فظيعة تبين بالملموس أن أصحابها لا يفقهون اللغة الفرنسية. وهذا ما حفز العروي على تعريب مؤلفاته مع التنبيه إلى ما لحقها من تشويه وتحريف ومعاكسة المعنى. وعاينت في تعجيم الدروس الحسنية الظاهرة نفسها ، فترجم الحديث المرسل ب expedié ،في حين أن اللفظة العربية تتضمن معنى اصطلاحيا عند الفقهاء. وأخطر من هذا ما لا حظته في ترجمة إحدى الجامعات المصرية لكتاب ” أدب الدنيا والدين” للماوردي. فالجبن الذي يعني الخوف ترجم ب le fromage ، والنكاح الذي يعني الزواج ترجم بلفظة ((le coït التي تفيد الجماع.
وينسحب هذا المثال المخجل على أمثلة كثيرة لا تقل عنه فظاعة وبشاعة. وهذا ما حفزني على إبداء موقفي للأسيسكو بعدم نشر الترجمة لكونها فاسدة ولا ترقى إلى ما كان مؤملا منها.
س: يحرص المترجمون على أمانة المعنى وعدم معاكسته ويتغافلون أحيانا عن الحفاظ على المبنى ( الإيقاع ، البنية البصرية، التشكل السيميولجي). ما هو تعليقكم؟
ج: كل لغة تستلزم ترتيبا معينا وتشكلا سيميولوجيا مناسبا لبنياتها. إن ترجمة الشعر – إلى جانب أمانة المعنى وإيحائية الجمل الشعرية وإنسيابها في إيقاع معين- تتطلب الحفاظ على بنيته البصرية. لكن المماثلة لا يمكن أن تتم بنسبة مائة في المائة. فجملة شعرية فرنسية من سبع كلمات قد تقابلها جملة شعرية عربية من العدد نفسه أو أكثر أو أقل منه. فكما قلت لك إن المترجم يحرص على القيمة التواصلية وأمانة المعنى ، وله كامل الحرية في نقل الملفوظ الأجنبي بالتعبير الذي يرتضيه ويلائم السياق العام. كما أن بنية كل لغة تلزم المترجم بترتيب وتراتبية محددين. وهذا ما يمكن أن تلاحظه في ترجمتي فأنا – في أحايين كثيرة- لا أقابل كل جملة بما يعادلها، وإنما أحرص على أن يكون التعبير عربيا وهذا ما يقتضي التقديم والتأخير. فالجملة الشعرية الثانية في قصيدة ( ولكن لم تشبع غلمتها) أصبحت هي الثالثة في ترجمتي . لكن المعنى والسياق يظلان هما أنفسهما. أما إذا أردت أن تحافظ على المبنى كما هو ، فستجد نفسك تنهض بترجمة حرفية. وهذا ما يقع فيه مترجمو القرآن. يعتقدون أن ترجمة كل جملة بما يلائمها يقيهم من معاكسة المعنى أو تحريفه . ولكنهم – من حيث لا يدرون- يضحون بأشياء جوهرية في القرآن الكريم . قد تتجاوزهم لما يتمتع به القرآن الكريم من أسلوب معجز. وسأعطي للقارئ المفترض مثالا. فأنا لما أقرا سورة المدثر، أستحضر دور الراء التي تثير الخوف والرهبة. فلما سمع الوليد بن مغيرة هذه السورة أسلم وتاب. يقول الله تعالى :” يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر… إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا قول البشر، سأصليه سقر، وما أدراك ما سقر” . وأكتفي بإيراد هذه الترجمة الفرنسية :


« ….IL a réfléchi , et il a décidé , qu’il périsse! comme il a décidé… ensuite il a regardé , et il s’est renfrogné et a durci son visage , ensuite il a tourné le dos et s’est enflé d’orgueil , puis il a dit ceci n’est que magique apprise »

كما نعاين هناك ترجمة حرفية ، لم تنقل ما تتضمنه الآيات من معان عميقة ودلالات غنية ، ولم تستطع أن تجد مقابلا للسجع الذي له وظيفه نفسية ودلالية. إن المسألة تبدو في ظاهرها بسيطة وهينة ، لكن لم نتغلغل في أعماقها نجدها تيهاء ومعقدة . وهذا ما يستلزم من المترجم إلماما بنظريات النص حتى يعي كل ظاهرة خطابية من جوانبها المتعددة. إن وعي بعدم القدرة على تشخيص بعض الظواهر اللغوية والإيقاعية في الترجمة لتلاؤمها مع بنيات لغة الانطلاق ، هو ما يحفزني على إيجاد ما يلائمها في لغتنا العربية. فبما أن قصيدة ” الغياهب” لبودلير مشحونة بالحزن والخوف والاضطراب ، فقد وضعت لها قافية حرف الراء الشامل على ذلك كما ألمعنا إلى ذلك في سورة المدثر:
في اقبية الحزن البعيد الأغوار
حيث أنآي المصير.
حيث لا منفذ لأي شعاع وردي مستبشر.
حيث أنا وحيد مع الليل: هذا المضيف المكفهر.
كرسام ابتلاه إله ساخر
بالرسم على الغياهب للقدر.
س: بالإحالة إلى المناظرة التي جمعت بين سعيد السيرافي المنتصر للغة العربية ونحوها وبين أبي بشر متى بن يونس المتحمس للمنطق اليوناني نقر بأن الترجمة تلعب دورا حضاريا في تقارب الشعوب وتفاهمها أو العكس. والحالة هكذا ما هو رأيكم في الترجمات الفاسدة التي يعتمد عليها في المناهج الدراسية والتعليمية ، والتي تقدم صورة معكوسة ومشوهة عن حضارة الآخر وثقافته؟
ج: إن الترجمة هي قطب الرحى في القرن الحالي بحكم أن العالم أصبح قرية صغيرة ( تطور وسائل الإعلام ، الأنترنيت ، العولمة) ، لهذا ينبغي أن تعزز أكثر حتى تسهم في تقدم مسيرتنا الثقافية ، وإبراز جوانبها الإيجابية ، وتلعب دورا كبيرا في التعرف على الحضارات والثقافات الأخرى دون تشويه وتحريف. فلما يريد الغرب التعرف علينا يتجند لذلك بجدية ومسؤولية . في حين نحن نستخف بالمسؤولية ، ونقفز من كاتب إلى آخر ، ومن فكر إلى آخر دون أن يتأسس ذلك على خلفية نسقية. ويظل مشروع المأمون – في هذا الصدد- نقطة مضيئة ودرسا مفيدا في حضارتنا العربية، لأنه وعي بالأهمية الحضارية والثقافية للترجمة ، فأسس بيت الحكمة لتعريب التراث الفلسفي اليوناني. فبدون الترجمة يستحيل أن يكون هناك تقارب بين الشعوب وتفاعلها. فلا يمكن أن تتواصل مع أي كان دون أن تفهم لغته ويفهم لغتك، وتوصل له أفكارك ويوصل لك أفكاره. لكن الخطر الأكبر يكمن في انتشار الترجمة المشوهة الفاسدة التي تغذي جامعاتنا ومدارسنا ونوادينا ونقاشاتنا المتداولة بأفكار محرفة لا علاقة لها بمنابعها ومظانها. والحالة هكذا، كيف يمكن للترجمة أن تلعب دورها الحضاري في تواصل الشعوب فيما بينها وتقاربها؟ وإذا كانت الأمثلة في الوقت الحاضر كثيرة ، فأسلافنا أيضا لهم نصيب في ذلك . فلما اضطلع عبد الرحمن بدوي بترجمة كتاب الشعرية لأرسطو، تبين بالملموس مدى معاكسة تلخيصات الفلاسفة العرب ( الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد) لمعاني الكتاب في كثير من الأوجه والجواهر. والغالب أنهم لم يتعاملوا مع النص الأصلي ، بل تعاملوا إما مع ترجمة أبي بشر متى من السرياني إلى العربي وإما مع ما نقله يحيى بن عدى، ويقال أنه منحول إليه. وما يهمني أن أغلب المصادر والمراجع أجمعت على أن ترجمة أبي بشر كانت رديئة . وما يبين أن الفلاسفة العرب كانوا واعين بهذه المسألة انهم لم يجاروا هذا النص في تمامه ، بل كانوا يعتمدون على مصادر أخرى للتنقيح والتصحيح والإضافة . ومع ذلك أضلتهم ترجمة متى وجنت عليهم. فاختلط الأمر على ابن رشد مترجما التراجيديا بالمديح والكوميديا بالهجاء ، فخال له الأمر كما في الشعر العربي.
س: هناك من يعتقد أن الترجمة هي تأويل وخيانة؟
ج: أومن بفكرة التأويل من حيث هي إبداعية المترجم وأصالته دون أن يخل بالمعنى. وقد سبق لي أن أشرت إلى المآزق التي لا يتخلص منها المترجم إلا بطرائقه و حيله الخاصة. أما الخيانة التي تتجانس في اللغة الإيطالية مع الترجمة ، فأنا أرفضها . فالمترجم الخائن هو الذي يحرف المعاني ويفسد النص الأصل ، أما المترجم الأصيل ، فهو الذي يقدم خدمة حضارية جليلة في تقارب الشعوب وتواصلها. وما يعقد من ظاهرة الترجمة هو ترجمة نص ليس في لغته الأصلية بل منقولا في لغة أخرى. فهل يعني هذا أن المترجم خائن مضاعف. وهذه الظاهرة من الاتصال اللغوي تعني بعض ترجماتي. فأغلبها يتعامل مع نصوص شعرية فرنسية ( بودلير، ملارميه ، وسانت جون بيرس..) . لكن بما أنني أعجبت بالشاعر الهندي رابندرانا طاغور، بادرت إلى محاولة التعريف به، ونشر نماذج من انتاجه الفكري والأدبي في صفوف الأجيال الصاعدة التي نشاهدها –عاجزين- تصل في متاهات الأدب السخيف. وبما أنني لا أفق شيئا في اللغة البنغالية أو الهندية ، فلا مر من الوساطة. لكنني لا أثق إلا بوساطة المترجمين الثقاة. اعتمدت في ترجمة قصيدة القربان المرتل على ترجمة أندريه جيد الذي ترجمها بدوره عن الإنجليزية. وعودتي في بداية التسعينات إلى طاغور هو تنبيه الأجيال الصاعدة إلى الأدب الرفيع ،ودعوته إلى السباحة في الأجواء السليمة واستنشاق الهواء الطاهر. وقد نشرت قصائد عديدة للشاعر طاغور في الملحق الثقافي لجريدة العلم. وأتمنى أن تتاح لي فرصة جمعها في مؤلف يمكن أن تجني منه الناشئة فوائد جمة وتطلع على تجربة مثيرة في أصالتها وعمقها الإنساني والحضاري.


*”(l’heautonimoroumenos)

MUSTAFA EL KASRI
HOMME DE LETTRES MAROCAIN – PRIX ANDRE MALRAUX
 TRADUCTION DU FRANÇAIS A L’ARABE DE CHARLES BAUDELAIRE (LES FLEURS DU MAL), SAINT-JOHN PERSE (AMERS), PAUL VALERY (NARCISSE), STEPHANE MALLARME (TOAST FUNEBRE), ANTOINE DE SAINT EXUPERY (LE PETIT PRINCE) …
 TRADUCTION DU FRANÇAIS A L’ARABE DE POEMES DE RABINDRANAT TAGOR.
 TRADUCTION DE L’ARABE AU FRANÇAIS DE POEMES DE NIZAR QABBANI
 REALISATION DE LA GRANDE ENCYCLOPEDIE DU MAROC AVEC HASSAN SQALLI.
 REALISATION D’UN GUIDE BIBLIOGRAPHIQUE DE LA VILLE DE FES (AL KASHSHAF AL BIBLIOGRAFI LI MADINAT FAS)
 DIVERSES COLLABORATIONS EN ARABE ET EN FRANÇAIS DANS AL ALAM, ASSAHRA, AL ITTIHAD AL ISHTIRAKI, LES TEMPS DU MAROC….
 TRADUCTIONS DES TEXTES RELIGIEUX POUR LE COMPTE DE L’I.S.E.S.C.O. ET DU MINISTERE DES HABOUS ET DES AFFAIRES ISLAMIQUES

نُشر بالإصدار الأول للمجلة في 22/09/2004 6:00:00

‫0 تعليق

اترك تعليقاً