يسري الغول: العودة إلى بئر الحرمـان

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!
  • الطائرة تستعد للهبوط، على جميع السادة الركاب التأكد من ربط الأحزمة جيداً، و الامتناع عن التدخين. شكراً
    يتردد صوت المضيفة عذباً من خلف القمرة حتى يكاد يخترق مسامات جسد بدأ يشعر بألم مع اقتراب موعد الوصول إلى مدينة تعج بالفوضى و رائحة البشر.
    يتمايل الرأس قليلاً، أسنده على المقعد الواسع بينما تخترق مخيلتي الميتة تهاويم عالم ضيق يحيط بي، يعاودني كل شئ مضى. تقفز الأحداث فجأة من قاع الذاكرة وردي اللون، يبدأ شريط الذكريات في استرجاع أيام حالمة توالت معي واحدةً تلو الأخرى. تنبثق رائحة عطر يفوح أريجها من أنفاس صديقتي القابعة بجواري كصحراء التيه في بقايا العالم الضائع. تعاود فيّ أيام ألفة و وداد قضيناها سويةً بعيداً عن تضاريس البلدة الضيقة. أتيه في عينيها، أرى فيهما دموع تستعد

للانطلاق، تخترقني نظراتها، تبتسم فتظهر من خلال شفتاها تشققات لم ألحظها هناك، تخبرني بعينيها أنها لم تنس لحظات وديعة قضيناها معاً. أتأمل كل ما فيها، فتدور عجلات الزمن، كيف كنا في مدينة الأنوار و في زمرتنا آلاف البشر، أغمض عيناي، أغادرها، أطيل النظر في النافذة، فتتراءى أمامي المدينة القادمة مع الريح متألقة كعذراء تنضح بالحياة. شئ يهزني بعيداً. أشيح بوجهي إلى مرآة الأفق الساكنة. تنبعث ابتسامة رقيقة من زميلتي مرة أخرى، تعطيني ورقة حصلت عليها أثناء غيابي في عالمي المؤلم. تطلب مني تعبئتها حتى نسلمها حين نصل أرض المطار. تتراكم غيوم في عينيها تحيطني، تطوحني، تعاودني أنفاسها، تلاحقني، تمتص شراييني الملتهبة من رؤيتها القديمة. تشير بإصبعها لي وقتما بدأت تميل الطائرة إلى جهتي قليلاً لنرى العالم بعينٍ واحدة. تنادي بداخلها آلاف المرات، تضحك، ثورة من الضحك. تضج بداخلي صورة ( أحمد ) ذي العيون الناعسة، النائمة. كاد يبكي ساعة أن طرقت باب غرفته الواسعة كبئر القرية. كان حبساً طيلة اليوم ذاته، وقت أن غادرنا جميعاً و أخذنا نهذي بالرحلة الضائعة، حملنا أمتعتنا، و المفاتيح أيضاً. ناداني بصوت أجش ظهرت به نبرات القوة التي ما زالت تحل بجسده. شتائمه تتطاير في فضاء المكان. طلب مني بأن أفتح الباب له، فتبدوا تقاسيم وجهه غريبة لم أعهدها من قبل. تنتابني موجة عارمة من الضحك، ضحك هستيري يتهاوى صداه داخل الطائرة. تضع جميلتي يدها بحنو على فمي خوفاً من أن يلتفت الركاب إلىّ. تنظر في مقلتاي الذائبتين. تتأملني، تمسح الدمع الذي ترقرق. أشعر بشيء يؤرقها، أحاول أن أجذبها نحوي. تحول بيننا يد الكرسي المنتصبة في الوسط، أتمدد متألماً بينما يأتيني صوت المضيفة عذباً مرة أخرى :

  • دقائق و نصل أرض المطار، برجاء الاعتدال في الجلوس و ربط الأحزمة جيداً. شكراً
    آه، دقائق و ينتهي كل شئ، تغادر روحي المكان، تبقى وحيدةً، تشرع في سرد لحظات خلدتها ذاكرتي الهلامية كطيف زقاق مهجور. غادرتهم جميعاً و ها أنا سأغادرك الآن، تسقط دمعة آنما تتشرب كفي القاحلة دموعاً تسقط منهمرة من عينيها تودعني بها، تحدثها نظراتي :
  • أعلم أنك ستجدين هناك أقاربك في استقبالك، سيأتي معظمهم، لا بل جميعهم، و أصدقاءهم أيضاً. تريدين مني أن أحضر معك لأتعرف عليهم. آه، أرجو المعذرة. أنا لست مثلكم، لا مكان لي هنا. أعلم أنك ستبقين أياماً ثم تعودين….
    تتفجر من مقلتيها سيول الجوع البريئة. تخفت شيئاً فشيئاً. تسألينني، أهل سأراك عندما تعود ؟ أحاول أن أقول شيئاً لكنني أشعر بالطائرة التي بدأت بالهبوط. تتعلق بي، تعانق يدها الناعمة يدي اليسرى التي أصبحت نهراً لبكاء قديم، تخترق أصابعها يدي، تشدد قبضتها فيّ. ترتطم عجلات الطائرة بالأرض، يتنفس كل من حولنا الصعداء، يصفقون. أنفض من رأسي تلك الأفكار. أما زلت تريدين مني الذهاب معك ؟! أنا لست سوى مترجم يعمل براتب زهيد و أنتِ ؟ أنتِ المسؤولة عن كل شئ.
    يبدأ المسافرون بالخروج واحداً تلو الآخر. نبقى متأخرين في مقاعدنا ننتظر خروج جميع الركاب. أنتصب واقفاً، تهرب الذكرى الخائنة. أتحرك قليلاً، أحس بأن في عينيك أحلاماً قرمزية. تذكرينني بما جرى مع حاتم و ضحى. قد لا تعرفينهم لكنك ستدركين كيف كانوا في إيطاليا عندما تقرئين رواية ( قالت ضحى ). قد نكون متشابهين، لا أدري.لكننا إلي حد ما كذلك. أرجوكِ لا أريد أن أتذكر، الجميع ينتظر في الصالة، هيا نغادر الطائرة … نغادر الصالة ثم عند الباب أتخذ مساراً آخر، أغلق عالماً قضيته معك حالماً. إلى اللقاء، أراك لاحقاً.تودعينني، آه، أما زلت تعيشين الحلم، انهم هناك يلوحون لك بأيديهم، هيا أذهبي إليهم جميعاً. أما أنا، فهناك سأتعذب كثيراً على الحدود البعيدة، ربما لن أصل لثكنتي اليوم أو غداً إلا بعد أيام اقضيها مع الذباب في ذلك المعبر النتن.
    يسري الغـول
    مصر – معبر رفح
    الثلاثاء 2001
  • نشر في 21/03/2005 5:40:00

‫0 تعليق