هشام فهمـي: جريمة بيضـاء

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أشياء كثيرة تجعلني أثرثر كشاحنة جرّارة
أختار أحيانا لأظافري عناية التخمين في شأن أورام متناسلة.
في النوم أصادف النهار يدقّ رأس اللّيل بقطعة حبّ مسنّنة
دائما أضع مقصّ أظافر في جيب السروال الخلفي
كي أحسّ طوال الوقت بأنّني أدبّر جريمة رهيبة
طوال الوقت أعيش الكتابة كجريمة بيضاء.

“الجمال ليس سوى نتاج الشعور بانحرافاتنا” كما يقول سالفادور دالي
الجمال جثّة زرقاء و باردة .
لا أحبّ أن أتحدّث عن الشعر
وكأيّ شخص متّزن أكره قصائدي، مثلما أكره خالتي زبيدة
التي تُلصق خدّها بالحائط
و تترك لسانها يلعق جيـرَه

صديقتي زينب أحبّها كثيرا
رغم أنها تشبه دمية ضخمة.فهي تتحدّث الى ثيابها مثلما أذيع أنا الآن
هذه الارتجاجات التي تخجل الشعراء كثيرا.

زينب ظريفة جدّا
تحبّ الموسيقى الإلكترونية كفلسفة للضجيج المنظّم
و لها حساسية مفرطة تجاه أحذية BUILDUING الطويلة حتى الركبتين.
زينب تقول لي دائما أن العلب اللّيلية برّاقة ومظلمة كالحياة
وأن الهاتف يقتل الصور
وأن ألعاب الفيديو برامج مستقبلية للعيش في كوكب آخر
زينب تتّهمني دائما بكوني مزعجا
وأنها تخاف الكلاب اللّيلية
ربّما لأنني أصرّح لها ببعض أفكاري اليابسة
مثلا عندما أكون عائدا إلى البيت أتخيّل أن قنّينة غاز
ستبعثره عن آخره ،
وأنني لن أعثر له أبدا على أثر
رغم حبّي لأخواتي الصغيرات و خوفي عليهن من السكوتر
أكثر من رجل عربي.

كل يوم أستسلم لهذا الخيال الحار
متعثرا كل مرّة بأفكار سوداء أقرب إلى شاشات صغيرة بالرّأس
أو إلى خليّة زنابير في حالة استنفار قصوى
كلما عثرت أمي على كمشة أوراق مكتوبة تقول أنّني مازلت أبلع الأزرار
ثمة ضغائن بينها وبين زينب
خاصة أنها تصادف ضحكاتها الحيوانية تتمرّغ في خطم الهاتف
أضطرّ غالبا أن ألعن سلالة أمّي
و أركل الباب في وجهها
أمّا أبي فيحبّ أن يرقص الرّوك مع أخواتي رغم بدانته
و يحبّ أن أناديه PAPA رغم أن ذلك ينكّل بسمعتي في الحومة

أبي يوصيني بالبنات الجميلات
و أنا أوصيه بأمّي فيغضب

هذه التفاهات لا علاقة لها بالشعر
صدّقوني
ليست لها علاقة بالشعر إطلاقا
بإمكاني أن أكتب قصيدة فاشلة
هذا لا يهمّ
لكن أن أفشل في الحياة فهذا أمر لا أستسيغه أبدا

زينب تقضي وقتا طويلا مع الحلّاقة
و أنا أنتظر
زينب و الحلّاقة صديقتان حميمتان منذ مدّة طويلة
لذلك فهي تعبث بشعرها كدمية ضخمة
حتى أصبح يشبه شعر رأسي أو ربطة قُنبّبيط ناشفة
أنا لا أغازل زينب أبدا
الحديقة دائما أطفال يدوسون الورود
لذلك فأنا لم أهدها وردة قطّ
و لم أحدّثها عن الحبّ كعاشق أندلسي
بل أفكّر في العوازل أكثر من أيّ شيء آخر
زينب تحبّ أن أداعبها و أنا أجبذ شعرها
أو أغرز عصا البلياردو في أضلاعها فتنقصف قاعة الألعاب بالضحك

زينب تعتقد أن كل ما أكتبه فيلم مرعب
و أن أجمل ما أفعله هو أنني أكتم عن الأصدقاء
هذه البقعة الوسخة من تاريخي الذاتي

زينب تبهرني كثيرا
مثلما تبهرني الاستعراضات العسكرية
و الحروب الجرثومية
و النساء المونغوليات

أيضا كما تبهرني آخر تقليعات الموت الجديدة
كالعيش بشكل عادي

تبهرني زينب كثيرا
لأنها ممغنطة كالحداثة
و فادحة كغبار ذريّ
و مسمومة كقصيدة نثر تشبه بطّاريات محروقة

أقف طويلا أمام زينب
أتأمّل فيها كما يتأمّل القتلى
الذين يطردون الذّباب عن دمهم المتجلّط في قناة تلفزية جديدة
أشياء كثيرة تجعلني أثرثر كشاحنة جرّارة
كل شيء يتغيّر بسرعة إحساس نفّاث
لذلك :
تحتاج القصيدة حبلا طويلا أقطعه من الحنجرة
تحتاج إصبعا سادسة في عين المخيّلة
تحتاج الخيانة تتجوّل عارية قربي
تحتاج مصيرا يتدحرج كألم مثلّث
تحتاج جريمة بيضاء أروع من حياة تتلكّأ الموت

تحتاج لا شيء
هشام فهمي شاعر مغربي يقيم في كندا www.addoubaba.com

نشر في 16/02/2005 9:10:00

‫0 تعليق