محمد أمنصـور: تسونامي في ممالك القـص

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لطالما تم الحديث في أكثر من مناسبة عن تحولات القصة المغربية القصيرة بالمعنى الإيجابي للكلمة حتى بات معنى التحول مرادفا لمعنى التقدم ! .. وهو الأمر غير الصحيح، طبعا، ما دامت دلالة مفهوم التحول قابلة لكل الاحتمالات. لنتحدث، إذن، في هذه العجالة عن التحول بالمعنيين، الإيجابي و السلبي.

أول ما يمكن أن نتحدث عنه في سياق ما نعتبره إيجابيا ضمن تحولات القصة المغربية القصيرة ، نجاحها – رغم قصر عمرها و محدودية تراكمها وعدم انتظام وتيرة إنتاجها – في إيجاد أب شرعي لها من داخل نظامنا الثقافي ، وتحديدا ، اكتمال صورة الأب مع القاص الكبير محمد زفزاف. هي حقيقة قد لا يدركها من جايل زفزاف أو تعقب خطواته بمسافة عقد أو عقدين من الزمن ، لكن سيتمثلها ، بهذا القدر أو ذاك، الجيل الذي سيشرع في كتابة القصة القصيرة بعد موت” الكاتب الكبير”. فهذا زفزاف بقامته القصصية الفارعة يملأ أخيرا تلك الخانة الفارغة للمعيار القصصي المغربي منذ اللحظة التي نجح ، هو ومن مشى في ركابه، في القبض على النغمة المغربية في فن القص، وهي نغمة قطعت بشكل حاسم مع نزعات تقليد بلاد المشرق العربي التي لازمت البدايات الأولى لنشأة جنس القصة في التربة الأدبية المغربية.
الملاحظة الثانية، تتمثل في دخول القصة المغربية القصيرة في طور المأسسة من خلال اندراجها ضمن عدة وسائط أملتها المتغيرات السوسيو- ثقافية؛ نذكر من بينها ، ظهور هيئات و جمعيات و نواد وجماعات مختصة في جنس القصة القصيرة وحده دون غيره. ولعل التتويج الأكبر لهذه الدينامية التنظيمية تجلى في ميلاد مجلة ( قاف صاد ) التي لم تكن لتستوي كيانا مكتملا لولا المخاض السابق الذي عاشته ” مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب ” على مدى خمس سنوات من العمل الجمعوي الدؤوب.
نقطة إيجابية ثالثة نسجلها كمظهر إيجابي ضمن تحولات القصة المغربية القصيرة ، وتتمثل في اقتناع الجيل الجديد من القائمين على إعداد برامج التعليم ببلادنا، أخيرا، بجدارة وأهلية القصة القصيرة المغربية لكي تدرج ضمن نصوص المقررات إلى جوار النصوص المشرقية ، وهو تكريس مؤسسي ، جزئي وتمهيدي لهذا الفن الجميل من شأنه أن يساهم – متى عزز بإضافات أخرى أكثر شمولية – في مصالحة التلميذ مع ذوقه المغربي، بدلا من تلك التبعية العمياء التي ميزت المغرب التعليمي طيلة سنوات ما بعد الاستقلال لبلاد المشرق العربي .
نأتي الآن ، لا أقول إلى التحولات السلبية ؛ ولكن ، إلى ما يمكن أن نعتبره بعض الأسئلة الحرجة في مسيرة القصة المغربية القصيرة. وأول سؤال يتبادر إلى الذهن هو:

  • هل اتسعت دائرة قراء القصة في السنوات الأخيرة أم لا ؟ ..
    ليس لدينا إحصاء ميداني أو حتى تقريبي في هذا المجال للإجابة بشكل دقيق على هذا السؤال . هناك مِؤشرات على ارتفاع وتيرة النشر و الإنتاج القائم في مجمله على مبدأ النشر الذاتي، وانخراط هيئات رسمية وغير رسمية في سيرورة النشر ( وزارة الثقافة ، اتحاد كتاب المغرب ، مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، جماعة الكوليزيوم القصصي …) ؛ لكن هذا الارتفاع المفترض، الذي رصده الباحث محمد قاسمي في العدد الأول من مجلة ” قاف صاد ” ، لا يعني شيئا عندما نضع نصب أعيننا الرقم الرهيب ، المحرج الذي انتهى إليه باعتباره العدد الإجمالي لمجموع المنتوج القصصي الذي أنتجه المغاربة طيلة قرابة ثمانية عقود ، وهو : (344) مجموعة قصصية .
    إن حقيقة بهذا الوضوح تؤكد بأن شعبا – تذهب آخر الإحصائيات إلى أن مجموع سكانه يبلغ ثلاثين مليون نسمة – لم ينتج قصاصوه طيلة ثمانية عقود أكثر من أربعمائة مجموعة قصصية ؛ لهي فضيحة عالمية بكل المقاييس ! .. ونقول فضيحة، ليس لمن يكتبون و إنما للذين حكموا هذه البلاد بسياسة خرقاء طيلة خمسة عقود من الاستقلال لم يكن لها من هدف سوى احتقار واستبلاد العقل المغربي، من خلال فرض الأمية اختيارا استراتيجيا و سياسة رسمية لوأد النبوغ و ضبط القطيع … وهاكم النتيجة !! فمن أين للقصة القصيرة أو غيرها بالقراء ؟! …. قراءة ماذا ؟ .. ومن يقرأ من ؟؟.
    في ارتباط بسؤال القراءة؛ إنما هذه المرة بخصوص القراءة العالمة، فكلنا يدرك الآن أنه مع بداية الثمانينيات، وقع الأدب المغربي برمته أسير فائض الوعي النظري المترسب عن هيمنة الدرس الجامعي و البحث الأكاديمي على الممارسة النقدية الصحفية. لقد تقوت الممارسة النقدية مرجعيا ومنهجيا ، لكن ، – ويا للمفارقة! – بقدر ما استفاد بعض القصاصين من ذلك ” النقد المؤكدم ” في الوعي بتقنيات الكتابة القصصية و مهاراتها الجمالية بقدر ما زاد ذلك من عزل القصة القصيرة عن قرائها العاديين ، فكان أن انخرط القاص والناقد الأكاديمي في مونولوج طويل لا يريد أن ينتهي نتيجته ، دخول فن القصة القصيرة في نفق نخبوي مسدود لطالما اتهم أصحابه بالنزوع نحو “الاختبارية” التي لاتعني شيئا سوى إغراق القصة في التجريد الذهني، الثقافوي ..إلخ !
    بعد هذا؛ كيف نفسر عدم وجود قاص مغربي نجم له جمهور كبير من القراء من خارج دائرة الجامعة أو المدرسة أو الحزب ؟ ! .. هو سؤال آخر لا يقل أهمية عن سابقيه. فباستثناء محمد زفزاف و محمد شكري وأحمد بوزفور – بعد رفضه الجائزة – لا يكاد صيت قصاصينا يسمع خارج دوائر اتحاد كتاب المغرب وغيره من الشلل الموزعة في بعض المقاهي هنا وهناك. وإذا كنا ندرج لاجماهيرية القصة المغربية القصيرة ضمن مظاهر التحولات المعاقة، فليس وهما منا أو جهلا بالوضع الشاذ للأدب – وبصفة خاصة القصة القصيرة – في المجتمعات المعاصرة، وإنما من باب التأكيد على مأساوية العلاقة التي لهذا الفن الجميل بالمحيط الذي ينتج فيه.
    نأتي الآن إلى النقطة ما قبل الأخيرة، وتتعلق بتمظهرات الفصل الذي بدأ إجرائيا بين القصة النسائية و القصة الرجالية، ليتحول مع الزمن إلى ما يشبه الردة التي تحيلنا على ” لاشعور ذكوري نائم ” نتوهم أننا تركناه وراءنا بينما نحن نجتره في أكثر من لبوس ، وبأكثر من قناع ! .. فإصرار ” الوعي النقدي الذكوري ” المختبئ وراء الجمعيات والمؤسسات على التمييز بين الأصوات ، داخل جنس أدبي ما ، انطلاقا من معيار ” جنسي – بيولوجي ” لهو من باب الارتكاس و الحنين المشين إلى عقدة ذنب ” شرقية ” قديمة – جديدة، تكرس في المحصلة النهائية وعيا قرائيا شقيا غارق في معايير خارجية منطلقها الأول و الأخير، سلطة المِؤلفة بما هي شخص بيولوجي ! .. وما الإصرار على رفع هذا الجدار العازل اليوم إلا ضرب من ضروب الحنين المقنع إلى فصل ذكوري ما يزال ينخر رواسب فحولتنا المكبوتة !!
    الملاحظة الأخيرة التي أود إثارتها، و تتعلق بشيوع ظاهرة الاحتراب الجيلي التي دشنها الخوري في جريدة “الشرق الأوسط” عندما قال بالحرف: ” صحيح أن المشهد الثقافي في المغرب تعزز بأصوات جديدة شابة بعضها واعد و الآخر عادي، فهذه التجمعات بقدر ما هي تعزز المشهد القصصي بالمغرب، بقدر ما تعرقله بحساسياتها الزائدة المشتركة. إن تجمعات مثل الكوليزيوم و نادي القصة هي إضاعة للوقت، فعوض أن يعمد الكاتب الشاب إلى البحث عن أدوات و مواضيع جديدة للكتابة ، نجده يسقط في المزايدات و الحساسيات ( …) إلى أن يقول ” وما ألاحظه على هذا الجيل هو أنه جيل غير مؤدب ، يرغب في حرق المراحل بسرعة من أجل الشهرة ، ويسيء إلى الجيل السابق بمواقفه المتنطعة و بتحديه لما راكمه الجيل السابق عليه ( …) ” .. طبعا ، لن أعود بكم اليوم إلى أجواء ردود الفعل و الضربات الموجعة التي تلقاها ابا ادريس بسبب شتائمه غير المسؤولة تلك من طرف كتاب الجيل الجديد وقد كنت طرفا فيها ؛ ابا ادريس الذي استفاد من عفو وحماية مدير تحرير أسبوعية صديقنا الكبير المشترك عبد القادر الشاوي الذي اهتدى إلى حذف الفقرة النووية القاتلة من العمود / الرد الذي خصصت الخوري به، فكان أن جنبه من قصف شنيع لو نشر بصيغته الأصلية لما بقي من كاتب ” خديجة البيضاوية ” إلا ما أبقته كارثة “تسونامي” من أطلال دارسة في ذلك الركن القصي من البلاد الأسيوية .
    غفر الله له ولنا أجمعين !! .. آمين يا رب العالمين .
    أثير هذه المسألة الآن لأقول، وما أظنكم إلا توافقونني على ذلك، بأن هذا المستوى من السجال الذي استدرج له القصاصون سجال فارغ، لا يرقى إلى مستوى الحوار البناء بين الأجيال ، ناهيك عن المدارس، وقد كان للأسف أحد المظاهر أو التحولات السلبية التي ميزت مسيرتنا القصصية مع مطلع الألفية الجديدة.
    ختاما، لعل المظهر الأساس الذي يشكل عمق التحولات جميعها، يكمن في تحول مفهوم القصة القصيرة ذاته لدى غالبية كتابها ؛ وبالأخص الجيل الجديد الذي يكتب قصة قصيرة دون مسبقات. إنك تجده غير معني لا بملاحم الشعب ولابمآسيه، لا بالوطنية ولا بالطبقية، لا بالمركز ولا بالهامش، لا بالتجنيس ولا بالواقع المرجعي، لا بسلامة اللغة ولا حتى بالتواصل أحيانا …!! .. ولم لا؟ ! ..أليس من حق المرء أن يكتب ما يشاء بما في ذلك قصة اللاتواصل؟ .. ألا يكفي القصة أن تشبه صاحبهافإن هو كان ذا أنف طويل يكون أنفها أطول، وإن كان بظهره” حديبة ” تكون هي أشد ” احديدابا” !؟ .. ثم في كلمة واحدة: ماذا نريد من هذه القصة بالله عليكم ؟ .. هل ثمة شيء أكثر من اللعب و الحلم و المتعة؟ ..أليست القصة في نهاية المطاف فعل من أفعال الإنسان الحسنى ؟ وهل مسموح لنا أن ننجح في أشياء كثيرة ونخفق في إدراك مغزى الحياة في كنف أجمل القصص ؟.
    محمد أمنصور كاتب وناقد من المغرب

  • نص المداخلة التي ألقي ملخصها في جلسة ” تحولات القصة المغربية القصيرة ” ضمن وقائع “ملتقى القصة المغربية القصيرة ” الذي نظمه مركز الدراسات و الأبحاث الثقافية و التنموية بشيشاوة يوم السبت 15 يناير 2005 بالمركز الثقافي للمدينة

نشر في 5/02/2005 8:20:00

‫0 تعليق