سعدية بيرو: قراءة في الفن البدائي. فن الكهوف تأسيس للذاكرة الإنسانية1

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


كلٌما وقفنا أمام مشهد من مشاهد الفن البدائي أو تفرسنا أثرا من آثاره إلا و ينتابنا شعور فيه مزيج من انشراح الصدر و الخشوع ، و كأننا نذوب في الزمن و الفضاء متخلٌصين من عوالق النقد الإتفاقي و المقارنات السهلة؛ و غالبا ما نجد أنفسنا أمام نتاج إنساني يجمع بين الإيحاء للطفولة الصافية و بالغ النضج المعجز.

و بما أن الفن هو من أولي النشاطات التي زاولها الإنسان، و التي تجمع بين كل ما هو يدوي و فكري و روحي، فقد لازم مصير الإنسانية التي عبرت من خلاله عن طموحاتها و آمالها و ترجمت به أفراحها و أحزانها و سجلت به تجارب نجاحاتها وعثراتها ومخاوفها.

هو سجل لبدايات الحضارات و تطوراتها و شاهد على أمجادها و أفولها. فلو نظرنا إلى التراث الإنساني (على الأقل ما يعرف منه إلى حد الآن و هو ليس بالشيء الهين كما و نوعا على المستوى الزمني و الجغرافي) لوجدنا زخما هائلا من صور و مشاهد وأدوات مختلفة من بصرية و سمعية و حركية اقترنت بحياة المجتمعات ولازمت الجانب المادي منها و الروحي، ما يتعلق بالحياة و ما يصبو لتخليدها، و ما يعبر عن الموت و الطموح للخلود فيما بعده.
أشكال و ألوان لا تحصى…
أشياء” كانت تلبي حاجيات ضرورية في حياة البشر (رغم أن مفهوم “الضروري”كان دائما يختلف حسب المجتمعات و الأزمنة). هذه آثار العصور البدائية التي تضم أقدم الآثار الإبداعية المكتشفة في تاريخ المسيرة الإنسانية. إنها إبداعات ليس من السهل تأويلها و الوقوف على معانيها ولكن يمكن استقراؤها و استخلاص الإفادة منها.
و تبعا لذلك فإن ما يعرف عن مواصفات الفن البدائي من رسومات و نحث و نقش و حلي و نصب و غيرها ليس بالشئ القليل، و لكنه يكاد لا يعرف شيئا عن بداية هذا الفنَ ، متى؟ كيف؟ فالمعرفة بذلك لا تختلف عن ما يزعم معرفته عن بداية اللغة و تطورها مثلا و التي هي مرتبطة دون شك بتطور الفن نفسه.
و حقيقة الأمر أن تطور المفاهيم البدائية الفنية على درجة عالية من الغموض؛ إذ أنه ببعد زمني كهذا يظهر كل شيء على نفس المستوى؛ و التقسيمات الزمنية التاريخية التي أحدثت قد تكون في أغلبها تخمينية.

لكن، و بتطور علم الحفريات الذي له الفضل الكبير في إيجاد الأصول البدائية، و ذلك بتثبيت القرابة و التتابع، و إقامة الصلة للآثار الفنية “بالمدارس” المعنية، استطاع الإنسان اليوم أن يلم بجوانب حضارية و روحانية جد مهمة من تاريخ البشرية؛ وتسنى للعديد من الشعوب استرجاع بعضا من ذاكرتها التاريخية التي كانت مطموسة. فتحقق بذلك تنوير التاريخ بعد أن كان شائعا لقرون عديدة أن السبق التاريخي والتقدم الحضاري كانا قصرا على أمم دون غيرها، فتنوٌر تاريخ الفن نفسه و تبث أن الفن هو أول المقومات الحضارية التي حققت التطور و التواصل منذ فجر الإنسانية. فبفضل البحوث التي كشفت عن مخلفات الفن البدائي تحققت فكرة عالمية الإبداع و توضح أن مصير الإنسانية في الأركان الأربعة للكرة الأرضية ارتبط بعضه ببعضه، و أن المسيرة الحضارية هي كلٌ يدور في رحى التاريخ ليفرز بذلك سلسلة و حلقات من التتابعات البشرية و الفكرية و الروحية لم يكن يتسنى وجود بعضها دون تواجد سابقاتها.
جاءت هذه الاكتشافات كأنها شعائر وطقوس أظهرت بقايا البشرية الأولى. رفات عظام أدوات و أسلحة، قش وأخشاب مغطسة، وصلتنا ممزوجة كجذور في خميرة الرطوبة الأرضية. طاقة بشرية عتيقة و طاقة كونية قديمة.
في بطن الأرض
الأرض تلك المادة المنتشرة التي تبتلع الموت لتغدي منه الحياة
فيها الأشياء الحية تذوب و الأشياء الميتة تنتجع و في أحشائها طبقات كرفوف رصفت عليها بقايا شاركت في تهييئها يد البشر و العناصر الطبيعية على السواء، فبدت و كأنها حدائق متجمدة في الزمان و المكان، ظهرت فيها الحجارة كعظام و عاج مصقول والعظام أصبحت كالحجارة في خشونتها. أسنان الحيوانات و الوحوش بدت كعساقيل لبابية على وشك أن تنبث، و أدوات الصوان المصقول كأنها أنياب ضخمة. أما الحفر على الصخور فقد آرتئى كبصمات بقايا جيولوجية خلدت ألوانا و أشكالا تشبه الحشرات و الطحالب المنقرضة في لولبتها و النباتات في التواؤها. بُعثت تلك الآثار من جديد لاستقرائها و فك رموزها، آثار خولت الوقوف على بدايات خاصة متميزة وفريدة من نوعها؛ و شهدت على نشاطات شكلت أسس الفكر و الإبداع الإنسانيين و غرست بذور الطموح و المثالية على أبعد مستوى.

تلك المثالية التي ستتحول فيما بعد، لتوسع معنوي بعد أن كانت في البداية توسعا ماديا:
إذ كان يتحتم على البدائي أن يصطاد الحيوانات لكي يحصل على لحمها و جلدها و عظامها. كان لابد له من المحافظة على الحياة وضمان البقاء بالدفاع عن عشيرته من المصادمات مع الوحوش و ربما من غزوات جيران أو غرباء من بني جنسه؛
اخترع، أبدع، انصب بكل ذاته وغزا الحياة من حوله، غريزة التكاثر و الخلق هي النقطة الأولى لكل توسعاته ولأكبر اكتشافاته، و لحاجته للوحدة الشعورية ، و لإرادته قصد تصور وسيلة معقلنة تلائم قوانين عالمه و محيطه. حصل على السلاح والصوان المصقول فكان في حاجة إلى حلي تجدب أو ترعب، تاج من الريش أو طوق من مخالب أو أسنان، مقابض أسلحة منقوشة و أوشام، ألوان و ألبسة من فرو، أواني فخارية وأدوات شتى، و في البداية كل البداية تماثيل و صخور منقوشة و جدران كهوف مرسومة غاية في الإثارة و الإعجاب.
لقد ولد الفن
صحيح أنه لا يمكننا تحليل الفن البدائي ومعطياته تحليلا “منطقيا معقلنا”!
ولكن، من يقول أن الفن يخضع لمنطق أو عقلانية؟ فالمنطق نفسه تختلف مفاهيمه حسب الظروف و البيئات! و الفن كيفما أريد له أن يكون، يبق دائما الأمر يتعلق بتلك الظاهرة “الميتافيزيقية”، روحانية أو سحرية أو دينية أو سياسية أو تربوية أو غيرها من الأدوار التي لعبها الفن في حياة الإنسان عبر التاريخ.

و قد يتساءل المرئ: كيف تسنى للإنسان في العصور الغابرة أن يبدع كل تلك الصور و الأشكال التي تبهرنا اليوم؟ هل كان الفنان البدائي رجلا أم امرأة أم طفلا؟ قد يذهب البعض للتساؤل هل كان الإنسان البدائي أقل ذكاء أو أكثر بلادة…؟ كيف ؟ و هل تجوز المقارنة؟ وما هي المعايير التي يمكن اتخاذها في تحليل ثم فهم عقلية الإنسان البدائي؟ و ما أدرانا إن كان الإنسان البدائي قد توفر على إمكانيات خارقة على مستوى الإدراك و التواصل خصوصا مع الطبيعة و ربما مع ما فوق الطبيعة؟
أسئلة لا يمكن الحسم في الإجابة عنها.
فبغض النظر عن المكتسبات التكنولوجية ووسائل الرقي والتطور (و التي هي نتيجة لسلسلة من التطورات و الإكتشافات التي شاركت فيها الإنسانية جمعاء ـ و أولها إنسان الكهوف ـ تارة بالسبق إليها، و تارة بالحفاظ عليها و تارة بتطويرها، و تارة أخرى بإيصالها لأجيال تابعة)، فسكان الكهوف كانوا أولي المتحضرين و قد خلق فيهم الفنان الأول.
كان حاذقا فسوى شكلا من اعظم، أو وشم على جلد؛ طائرا أو غزالا أو فيلا أو أسدا أو زهرة.
عند رجوعه من الصيد كان يأخذ قطعة خشب ويعطيها شكل حيوان ، يعجن طينا على شكل تمثال أو يأخذ قطعة اعظم مسطح فينقش عليها خيال كائن ما.
نشوة عارمة تجتاحه عند رؤيته لوجوه ساذجة تطل على منجزاته؛ ينتشي هو نفسه لهذا العمل الذي يخلق تفاهما مبهما بينه وبين الآخرين، بينه وبين عالم المخلوقات و النباتات التي يتعلق بها لأنها حياته.
إنه يكون قد انصاع إلى شيء أكثر إيجابية، و هو الحاجة للوقوف على آكتسابات أولية للمعرفة الإنسانية ليجعلها في متناول العشيرة.
الكلمة أو الإشارة قد لا تقوى على وصف الحيوان الذي يصادفه في الغابة والمطلوب خشيته أو إيجاده فيرسخ هيئته على اعظم أو صخر ببعض الخطوط الموجزة. و قد تكون إحداهن قد لمست في تكوينها و في وظيفتها البيولوجية تلك الإسقاطات الكونية لدورات الشمس و القمر و تعاقب الفصول، فرسخت برموز و إشارات ما عبر عن حياتها الداخلية المتعلٌقة بالخلق و الرمز للمقدس الذي لا تتسنى رؤيته للعين المجردة.
ولد الفن في حضرة الفنان البدائي.
و للإلمام بخصوصية هذا الفن لا بد من الإحساس بعقلية هذا الفنان، ولهذا يجب على الباحث أن يستشعر الخواص الإنسانية و الفطرية و أن يزيل من ذاكرته ما تراكم من أحكام و مقارنات سهلة، و أن يكشف عن الأقنعة الزائفة التي أًٌُلبست تاريخ الفن و البشر عبر الزمن، في محاولة استكشاف ما هو مشترك و ثابت في النفس الإنسانية.

لقد خلد فنان العصور البدائية ملاحم من بيئته وترك بصمات تطور حضارته على مدى آلاف السنين؛ و على الرغم من أنه يستحيل متابعة هذا التطور خطوة خطوة فان تنوع المشاهد و الصور، ووفرة الأدوات و الأشياء التي تعد بالآلاف و في بعض الحالات بالملايين (كرؤوس الحرب و أدوات من حجر الصوان المصقول) تجعلنا نؤمن بأن هذا التطور قد قام على الإستمرارية و الإلحاح على الحاجة لهذه الإستمرارية. قكلما انحذرنا نحو المدامك الأرضية و تعمقنا في سمك الزمن وانتشرنا في المساحة الجغرافية لحضارات الكهوف، كلما تراءت هذه الحضارات كعضو متماسك في امتداداتها و تنوعها؛ الشيء الذي لا يمكن تفسيره كنتاج عن اختلاف مزاحات فردية أو ميولات خاصة و طارئة، لأن الفن البدائي لم يقم على ترددات غامضة بل تطور حسب “تسلسل تاريخي ـ حضاري” يمكن معانقة خطوطه العريضة رغم عدم قدرة الوقوف على أحداثه و تتبع مساره أول بأول.
ففنان الكهوف آنتمى إلى حضارة ضاربة في القدم حاول خلالها أن يعكس في روحه قانون الوسط الذي كتب عليه أن يعيش فيه و ذلك بترجمة سمات هذا الوسط بالذات. و الحالة هذه، يبقى هذا هو هدف كل حضارة مهما بلغت من أوج.

فبالغريزة و الطموح المتقد و حب الاستطلاع، والحاجة للمقدس و الشعور به، والمزاولة اليومية خلقت الحضارة. الحضارة، تلك الظاهرة الشاعرية التي بفضل المآثر التي تشيد و تخلف ورائها يمكن تقديرها و الإنبهار بقيمة اعظمتها؛ وهذا ينطبق تماما على الحضارة البدائية التي شيدت لحياتها و عملت على تطوير أساليب العيش ، ثم نمت شعورها الروحي و الديني منذ بزوغ فجرها إلى أواخر عهودها، حيث استمرت على مناولها في أماكن عديدة إلى حدود القرن الثالث ق.م، في الوقت الذي ستتحول فيه إلى حضارات تشييد و بناء مع حقَب النُصُب و المنهيرات على طول شمال المحيط الأطلسي و شمال البحر الأبيض المتوسط .
  • سعدية بيرو فنانة تشكيلية مغربية تقيم في الصويرة المغرب
    http://bairouart.topcities.com

نشر في 29/01/2005 8:10:00

‫0 تعليق