ليلى بارع: الثريـا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

الموعد كان على الساعة الخامسة، وصلت قبل ربع ساعة، لكن مديرة دار الفنون ياسمينة الشامي التي كانت معها على موعد لم تكن موجودة، ماذا تفعل؟ كم كان سؤالها غبيا هي التي كانت موجودة في متحف للفنون العصرية بقلب الدار البيضاء، حسمت قرارها خاصة أن ما تقوله قسمات السكرتيرة الصارمة كان واضحا:

لا أريدك هنا قبل الخامسة والربع… لو كانت بغير حاجة لهذا المقال لذهبت لحالها، لكنها مضطرة بحكم المواد التي عليها تسليمها في الغد…توجهت نحو موظف الاستقبالات لمعرفة ترتيبات الزيارة، الدار تحتضن معرضا بعنوان” الثريا” لا شك أن اللوحات المعروضة ستكون مبهرة مليئة بالحياة والضوء، أليست الثريا هي النجوم…لا شك أن هذه الزيارة غير المبرمجة للمتحف ستنسيها تعب يوم صحفي بئيس في جريدة بئيسة.
بدأت زيارتها من القاعة الأولى الموجود على يمين الدرج ، ناولها ا لموظف الرزين كاتلوجا أنيقا جدا طلب منها أن تستعين به، هي التي تعمل بجريدة وتعرف قيمة ورق الطباعة، تفهم جودة ورق الكاتلوج وتقدرها وتقول في نفسها”لوحده هذا الكاتلوج الأنيق جدا يستحق عناء المجيء للمتحف”، لكن الكاتلوج غير مهم بالنسبة لها، ستعتمد على حدسها الفني العالي، قالت ضاحكة وهي تحادث نفسها، وتدسه في قاع الحقيبة.

سيقان القصب التي كانت تملأ القاعة، مطلية بطلاء أبيض لا شك أنها مادة ” الجير” جعلها تشعر بأنها في الفناء الخلفي لمنزلها بالبادية، حيث زرع والدها الراحل مجموعة من جذور القصب شكلت فيما بعد غابة من سيقان القصب الأخضر الجميل الذي لا تمل من رؤيته خاصة في فصل الصيف، لكن هذه السيقان البيضاء الباردة على قاعدة سوداء ذكرتها بشيء سيئ، حاولت أن تبحث عن الثريا والضوء لغسل به روحها المتعبة لكنها لم تجد، دخلت القاعة الثانية المقابلة لكنها توقفت عند الباب، لا شك أنها طريقة أخرى للعرض، باب القاعة مغطى بزجاج شفاف قربت أنفها المحمر بردا من الزجاج البارد وحملقت مذهولة في الداخل… رمال وكراسى وجهاز تلفاز….

أين هي الثريا؟ لم تشاهد غير لون أصفر تعكس شاشة التلفزة الموضوعة على الرمال، ما زال الوقت مبكرا على إعلان خيبة الأمل، الأدراج التي توصل إلى أعلى أنيقة مصقولة تعكس وهج الخطوات وهي تمر عليها، فكرت أن السلالم الفاخرة تستحق أميرة للمرور فوقها، تخيلت نفسها أميرة، لكن بتنورة سوداء ملتصقة وبحداء طويل يصل إلى ركبتيها، ضحكت من أفكارها التي لا تدعها في سلام وواصلت مسيرتها للأعلى…اصطدمت عيناها بهدوء بلوحة جدارية بدون إطار، في الحقيقة لم تكن لوحة بل ثوب أبيض به أسلاك معدنية، وتتساقط من اللوحة المثبتة على الجدران ورود غريبة الشكل وبيضاء، يشبه المشهد ذيل فستان عرس مطرز بالورود الجميلة، لكن بياض الجدار لم يبرز الجمالية التي تتمتع بها اللوحة، كان “الزراق أبيض شفاف بدون عنوان، هكذا كتب على الورقة البيضاء الموضوعة على اللوحة، لمسات من إبداع أنامل أنثوية، كان ذلك واضحا، وربما أدركته بحدسها كأنثى، هي بدورها تصنع الفرح من أشياء صغيرة، القاعة الأولى التي ولجتها في الأعلى لنفس الفنانة، نفس الزواق، نفس البصمات البيضاء الدقيقة، إنها الفنانة صفاء الرواس، هذه الصفاء مشروع فنانة تقليدية ماهرة، لكن كيف استطاعت أن تثقب الحائط وتخرج منه الأسلاك المعدنية الرفيعة، وتزاوج بينها وبين القماش الأبيض، لو سمعها فنان تشكيلي تناقش الأمور التشكيلية بهذه الطريقة لرماها من أعلى الدرج الجميل، تخيلت نفسها في لباسها الأسود مرمية في أسفل الدرج، تنورتها السوداء ستصعد إلى ما فوق ركبتيها، وسيظهر شكل فخديها المغلفتين بالجوارب الطويلة السوداء، شعرها الأشقر مرمي وراء ظهرها، أو ربما يغطي وجهها، ونقطة حمراء فقط على… تبا، ما هذه الأفكار المجنونة التي تحملها…. لا بأس، لكنها مصرة على أن هذه الصفاء يمكنها بسهولة تطوير فستان عروس أبيض سيكون رائعا، لكنها ستكون مضطرة لاستبدال الأسلاك بخيطان ذهب أو فضة…

خرجت من القاعة الأولى نحو القاعة الثانية، صوت خطواتها على الأرضية الخشبية جميل مغر، ومغو أيضا، قبل أن تدخل توقفت لقراءة اللوحة البيضاء ولمقارنة ما ستراه مع لوحات الكاتلوج، إنها شهادات أطفال من فلسطين، شهادات عن الخوف عن الدمار، عن جنود الاحتلال، شهادات فيها شيء من رائحة الدم وكثير من ملوحة دموع الأطفال… جالت ببصرها في الداخل، كان الأمر مروعا، هل يعقل أن يقصد ما فهمته من ذلك القماش الأبيض الموضوع على الأرض، هل تلعب معها ذاكرتها أم أنها تكاد ترى والدها مسجيا على الأرض في رقدته الأخيرة قبل أن يحملوه على النعش خارج البيت، أزاحت بصرها بصعوبة وركزته على الحائط من جديد وعلى الكتابات الصغيرة، قرب الكتابات قوارير مملوءة بأحلام ملفوفة في كتان أبيض، يا إلهي إنه نفس الثوب، ثوب الكفن الأبيض، تملكها إحساس بالاختناق، وإحساس قوي بالموت يتسلل إلى عظامها، يا إلهي هؤلاء الفنانون أشخاص معقدون، حملقت في صورة الفنان الذي يحتفي بالموت بهذه الطريقة الكريهة كانت صورته جميلة جدا، اسمه يونس وكنيته رحمون، لا شك أنه من شمال المغرب، شقرة شعره ونظراته الجريئة على الصورة لا تشي بما يوجد في داخله ولا بقدرة هائلة على تصوير الموت ببساطة وعنف. لماذا هذه الرغبة في إيذاء الآخرين، ليس الإيذاء ضربا أو جرحا، حتى النفس تخدش وتغتصب وتجرح وتتألم وتبكي، فكرت في أن ما تراه شيء مقزز قبل أن تخرج من القاعة التي بدت لها مسكونة بأشباح تخرج من القوارير ومن ذلك الثوب الأبيض المسجى على الأرض في مشهد دراماتيكي زاد من عنفه الضوء الكثيف الذي يخترق نسيج الثوب ويزيد من رهافته، و الذي يأتي من مصباح كبير للإضاءة وضع على مقربة منه، مضت على هذه الزيارة سنوات ولا تزال تذكر تلك الحجرة الباردة كأنها حلم حلمت به البارحة تبا لهؤلاء المجانين، كانت لوحدها تجوب المعرض طولا وعرضا في تلك الأمسية، وكأنها سيدة المكان أو ربما كأنها شبح تسكن روحه المكان.

قادتها خطواتها للقاعة الثالثة، لكنها هذه المرة كانت أكثر حذرا، بدأت بالورقة الشهيرة البيضاء الموجودة على الجدار، أحست فجأة بأنها ستقيء في الممر، إنه جنون حقيقي، فنان يعرض أجزاءه مصورة بالأشعة على شكل لوحات صغيرة مضيئة في غرفة سوداء، لم تستطع الدخول لكن عيونها التقطت منظر رئة وقفص صدري وجمجمة… رباه ما العلاقة يا ترى بين حفار القبور وبين هذا الفنان المدعو مصطفى شفيق؟ لست أدري لكن لكلاهما علاقة ما بالموت، هل هذه هي الثريا التي كانت تبحث عنها؟ هل هكذا ستريح أعصابها المشدودة في زحام المدينة وقلق الحياة ومضايقة الزملاء في العمل، لماذا يضعون عنوانا جميلا لمعرض المفروض فيه أنه مقبرة جماعية، لقد أقاموا سرداقا للعزاء، وللأسف فإنها تتجول فيه دون أن تعرف من مات؟ حمدت الله في سرها على أن القاعة المتبقية بها إنارة طبيعة، إنها لوحات فنانة تعشق الشموع، لمست الشمع الذائب على الأرضية الخشبية، ليس شمعا في الحقيقة بل نوع خاص من البلاستيك يدعى “اللاتيكس”، يذكرها الأمر بكنيسة ينعى فيها جثمان رجل محترم، غني ربما.. له أصدقاء كثيرون…

لم تعد قادرة على رؤية المزيد من اللوحات، ما رأته يكفيها لمدة طويلة ويعلمها أن لا تقرب مرة أخرى من معرض ما خاصة إن كان يحمل عنوانا قريبا من الثريا، كان الأجدر بهم أن يقدموا العمل تحث اسم ” النهايات” أو الموت”. كان سيبدو الأمر متناسقا ومعقولا، بل ومنتظرا من طرف من يشاهد ما يقدم. أنهت بسرعةٍ الأدراج التي صعدتها بعجرفة غريبة، اتجهت نحو موظف الاستقبال تسأله حول المديرة هل وصلت؟ ليس بعد، طلب منها ورقم وعنوان الجريدة التي تعمل فيها، قالت له معاتبة: لم تخبرني بأن الأمر على تلك الحال! ابتسم ضاحكا: أي غرفة بالضبط؟ هل التي فيها الثوب الأبيض؟ لعنته في سرها قبل أن تتوجه نحو ردهة الانتظار تقلب الأوراق الموجودة على الأدراج في انتظار المديرة التي تأخرت طويلا. بعد دقائق ظهرت سيدة أنيقة بقسمات أروبية وعيون عسلية تعتذر عن تأخرها وتطلب منها الدخول. فكرت وهي تغادر المكان بعد مقابلة رائعة مع هذه السيدة أن الثريا الوحيدة الموجودة في المكان ليس شيئا آخر غير”ياسمنة” مديرة المتحف.

نشر في 27/01/2005 5:30:00

‫0 تعليق