السيد نجـم: كذبت امرأة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كأن باب الشقة عاند الانفراج، حتى سمعت وزوجتي من خلفه، صوت حشرجة وخشخشة، لم أعرف مصدره، إلا بعد أن هاجمتنا كومة ضوء باهت، احتوت الممر المظلم.
بدت لنا من خلال الفرجة الضيقة..مترددة في دعوتنا للدخول. نظرت إلى زوجتي سريعا، والى ، مليا حدقت مبحلقة في صمت.

لأنني أعرف ماذا أريد، ولماذا جئت؟..قررت ونفذت ما لم أستطعه منذ عشرين سنة، لعشرين سنة تمنيت لو أرى موقع سترها مع زوجها الذي فضلته على. اقتحمت المكان الذي يمارسان فيه ما تمنيته معها ، هي حبيبتي التي كانت وهو زوجها الذي مات.
سارعت بالاندفاع إلى الداخل، على غير قواعد “الاتيكيت” التي عادة ما أتبعها مع زوجتي، أو أية امرأة أخرى، بالضبط كما سارعت بالثرثرة. لم أكن أدرى ما ينطق به لساني، انشغلت عيناي بجوانب الحجرة، ذي الطلاء المتشقق، وحتى ارتطمت بعينيها. أعترف، أنا لم أذهب للعزاء، كنت أتحدى الزمن الذي انقضى؟!!
نطقت بكل الكلمات المملة السخيفة التي أعرفها في مثل تلك المناسبات الموجعة. ألفاظ العزاء كلها كاذبة.. كل همي ألا أترك لها فرصة واحدة لاكتشاف كذبي، فبالغت في العزاء. المدهش أنها تركتني أثرثر بلا أدنى انفعال، تمنيت لو لم تصمت، علنى أتأكد أنها لم تكتشف ما أضمر.
فجأة، توجهت بكليتها ناحية زوجتي: “أهلا يا حبيبتي”، لم تحاول أن تومئ برأسها شاكرة، أو حتى تسبل جفونها امتنانا بما سمعت. انزاحت إلى مقدمة المقعد الفوتية ذي القاعدة المتسعة، وأدارت كل جسدها..كله، حتى قدميها، وقد ارتدت “شبشب زنوبة” بلاستيك، لم تسع لأن تستبدله من باب اللياقة مع ضيوفها. ولا حتى استبدال هذا الجلباب أو الفستان الكالح الأسود. لمحت أحد أزراره الصدفية البيضاء يتدلى على الجانب الأيسر لصدرها. طلبت منها لو تمزقه حتى لا يسقط وتفقده. الغريب أنها ابتسمت ولم تعقب. فضلت الحديث مع زوجتي الصامتة.
قالت ضمن ما قالت، أنها تعيش خريف العمر، وأن زوجها مات في الوقت المناسب!. أظن أنه في مثل تلك المناسبات ، لا يتحدثون سوى عن مآثر موتاهم. وربما التأكيد على الشعور بالحرمان بسبب فقد المرحوم.. ماذا في رأس تلك السيدة المحنكة؟!
اقتحمت حديثهما، الذي هو من طرف واحد. بدأت بذكريات طفولة الولد الجن..طفولتي، وشبابي الماجن ، وكيف أنني لم أترك ضلالة إلا وعقرتها إمعانا في أنني فقدت شيئا لم أستشعره في حينه، أما الآن…
ما أن نطقت (الآن)، حتى أزاحت “الشبشب” ، وأخفت قدميها تحت فخذيها. فضلت أن تستربع في جلستها . هكذا في بساطة وسلاسة العشم ، بلا أدنى درجة من الحرج، على الرغم أنها لم تر زوجتي من قبل. زوجتي التي لم تنبس ولم يبدو عليها علامات القبول أو الرفض.
..”ماذا لو شربنا فنجانا من القهوة….السادة؟”
وكأني لم أنطق، تابعت هي حديثها الغامض، بينما لمحت أنا أظافر زوجتي تسحج المسند الخشبي لمقعدها.
بعد كل تلك السنوات لم أكن أعرف أن هذه السيدة التي أظن أنني كنت أحبها، تستطيع أن تكذب!!
كيف لها بكل تلك القوة ..وأدارت جسدها ضد رغبتها؟ ، على يقين أنا، أنها على شوق لأن تنظر إلى بؤرة رأسي من خلال فرجتي عينيها.. واثق أنا، مثلما كانت تفعل، وتفتعل الأفاعيل كي لا أنظر إلا لعينيها. وما كنت أرى عينيها إلا أنها من عسل ولبن وخمر لا يسكر.
سيماء وجهها محايدا في بلادة. لا يبدو عليها التفاته المنتبه إلى جسده الذي يتكاثر. ما كانت إلا رشيقة القد، نحيلة في رقة. كانت نسمة موجة بحر مالح تتهادى .. لا تعلو ولا تبقى ساكنة.
ذاكرتها البيضاء، اكتشفتها من كلماتها.. لا يقدر عليها إلا من يكره على فعله ما. تبدو لي وهى تتلمس جسدها على غير إرادة منها، منهمكة في حديث لم أسمعه، ولم تنفعل له زوجتي الصامتة. فقط ، أراها تربك هذا الجسد ، وبحذق خبرة الأيام تابعت وشوشات أناملها، تلك التي بدت وكأنها كائنات غامضة تزحف فوق صحراء فسيحة.
شعور أشبه بالفرح انتابني، أحسسته بين ضلوعي، لأنها تريد أن تكشف لي عن أسرار جسدها!!..وان بدا لي عن غير إرادة منها، وهكذا يبدو عفويا!!
طال انتظاري، أكيد تلك السيدة تضمر أمرا لا تريد الإفصاح عنه. بينما تبدو زوجتي كلوحة “الموناليزا” التي تظنها تراك أينما كنت واقفا أمامها.. لولا أن لمحت تلك السجحات آلتي بدت أكثر عمقا عما قبل، في المسند الخشبي لمقعدها !!
فلما عبرت عتبة باب الشقة إلى الخارج مسرعا، عانقت السيدة الحزينة زوجتي التي بدت باسمة ، وطلبت منها معاودة الزيارة.
سألتني: “كم انقضى من الوقت؟”، أخبرتها واثقا: “ساعتان”….
فضحكت زوجتي بفرح غامض ، وبصوت عال ، بينما نحن في حدود مسامع حبيبتي: “بل أقل كثيرا من ساعتين”
انفرط العقد ، لا أدرى كيف اندفعت قائلا بأنها سيدة مملة، ولا تحمل أي قدر من الكياسة أو الذوق ، حتى أنها لم تقدم القهوة السادة الواجبة ..وكيف أنها لم تستقبل عزاءنا بالحزن الواجب؟ وكأننا جئنا لرؤية قوامها البدين، وطول قامتها القصيرة، وشعرها المجعد، والهالة السوداء حول عينيها المدغمستين.. إنها سيدة مربكة حقا.. نادم أنا على ما بذلناه من جهد من أجل مواساتها ……
اقتربت زوجتي أكثر ، كنا مازلنا فوق إفريز الشارع. كادت أن تسد فمي بصفحة وجهها ، بينما أطراف أصابعها فوق شفتيها، تأمرني بالسكوت..

فسكت.. ليس لتحقيق رغبتها، ولا كرها في الأرملة ، ولا لأنني اكتفيت بما نطقت.. لأن أطراف أصابع زوجتي بدت واضحة لي، مصبوغة بالدم ، وقد علقت بأظافرها نسائل رقيقة من ألياف خشب مسند مقعدها الفوتيه هناك.

السيد نجم كاتب من مصر
[email protected]

نشر في 12/01/2005 5:30:00

‫0 تعليق