صالون نون الأدب بغزة: سميرة عـزام الكاتبة والإنسانـة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


رسائل وتقاريـر
في قاعة السنابل بمحافظة غزة التقى مجتمع الصفوة النخبوي من أدباء وعشاق الأدب في محافظات قطاع غزة يجمعهم صالون نون الأدبي.
بدأت الأستاذة فتحية صرصور الجلسة بالترحيب بالحضور الكريم ثم قالت إن لصالون نون الأدبي أهدافٌ أدبية وإنسانية، نسعى بكم ومعكم لتحقيقها، لذا نجتمع اليوم وإياكم نحتفي بواحدة من أديبات فلسطين إنها الكاتبة القصصية سميرة عزام التي قال عنها الأديب الفلسطيني يحيى يخلف: “لم يُظلم كاتب فلسطيني كما ظلمت سميرة عزام.. فقلما تناولتها الدراسات الأدبية في الصحف الفلسطينية والعربية، وقلما نسمع عنها في صالونات الأدب، أو قاعات المحاضرات.. بل قلما نذكرها في جلساتنا العامة والخاصة. رغم أنها تعتبر مؤسسة للقصة القصيرة الفلسطينية

الحديثة” لذا كان حقا علينا أن نفرد لها جلسة خاصة في صالوننا الأدبي هذا.
فماذا نعرف عن سميرة عزام ولدت سميرة عزام في 13 أيلول 1927. في مدينة عكا في الشمال الفلسطيني مارست مهنة التعليم في مدينتها وهي في السادسة عشرة، لكنها تابعت الدراسة بالمراسلة، فرقّيت بعد عامين إلى منصب مديرة المدرسة، واستمرت حتى عام النكبة 1948، كما مارست الكتابة في سن مبكرة أيضا. فكتبت الوجدانيات والشعر والقصة القصيرة، ونشرت بعضاً من كتاباتها في جريدة “فلسطين” باسم مستعار “فتاة الساحل”(4) لم يصلنا منها أي شيء حتى اليوم. وفي المنفى تنقلت بين بغداد وبيروت وقبرص، حيث عملت في التدريس في العراق، وفي بيروت راحت تكتب وتترجم ، ثم عملت بإذاعة الشرق الأدنى كمذيعة وكاتبة في برنامج ركن المرأة، وعام 1957 حصلت على عقد للعمل في الإذاعة العراقية، وظل صوتها يحيي المستمعين كل صباح في برنامج يومي، بالإضافة لإدارتها برنامج ركن المرأة، حتى أدت الأحداث التي تلت العام 1959 في العراق إلى إبعادها عن الأراضي العراقية. فعادت إلى بيروت من جديد، قامت بترجمة عدد من المؤلفات الأمريكية. وكي يصبح التبكير صفة خاصة بها غادرتنا سميرة عزام في وقت مبكر، فبعد هزيمة 1967، لم يحتمل قلبها المرهف هوان الأنظمة العربية وتهاونها.
وأضافت قاءلة إن سميرة عزام أفضل من كتب القصة القصيرة الفلسطينية في عصرها بلا منازع. لقد تركت لنا قصصاً أجادت فيها التغلغل في الحياة وتمثلها كما ينبغي، وكأنها اختارت فن القصة القصيرة، وفضلتها على غيرها من فنون النثر، لأنها أقرب الفنون إلى حياة الناس وهمومهم المباشرة.
وقالت يسعدنا أن نستضيف اليوم الشاعر الكبير أحمد دحبور وكيل وزارة الثقافة فهو أفضل من يتحدث عن سميرة عزام، و خير من يعطي الحديث عن سميرة حقه من الإنصاف والتكريم.
ولكن قبل أن نطلب منه الحديث يسعدنا أن نتقدم منه بأسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة ظهور ديوانه السابع عشر بعنوان (أي بيت) فألف مبروك ومزيدا من العطاء للأدب الفلسطيني.
بدأ الأستاذ أحمـــد دحـــــبور افتتاح ورقته قائلا سميرة عزام: معلمتنا .. ورائدة القصــة القصيرة
.. والآن، بعد هذه العقود التي مرت على غيابها وهي في أوج الأربعين، ماذا تقول الفلسطينية، بنت عكا، سميرة عزام لنا ؟ وهل تصمد قصصها المكتوبة بين أواخرالأربعينيات ومنتصف الستينات لمتطلبات قارىء الألفية الثالثة؟ إنه لمما يزيد هذا السؤال وعورة وإرباكاً، أن القصة القصيرة، وهي الجنس الأدبي الذي اختارته سميرة، ووقفت عليه نتاجها، تعدّ من الأجناس الأدبية التي شهدت تطورات في البناء، بلغت أحياناً حدّ الانقلاب على نسيجها التقليدي الذي ورثناه، من الصحافة أساساً في القرن التاسع عشر، لتستقل عن الرواية ومختلف أشكال الحكاية، وتضع شروطها الفنية الخاصة، بحيث برز كتاب نوعيون متخصصون في كتابة القصة القصيرة مثل الروسي تشيخوف والفرنسي موباسان، وبعد ذلك يمكن أن نذكر الأمريكيين و. هنري ، وتوماس وولف، وصولاً الى وليم سارويان، ثم تأخذنا الحداثة، على يدي الفرنسية ناتالي ساروت مثلاً، مأخذاً يغامر بالحدث وبالشخصية معاً، مخلصاً للحظة الوجودية والإشارات الآتية من المشاعر الدفينة وتيارات الوعي المصطخبة.
وسميرة عزام التي أجادت الإنكليزية، واختارت للقارىء العربي كتباً نوعية فعربتها، كانت تعي أوديسة القصة القصيرة وتقلبات أشكالها، لكنها اختارت الحكاية المنضبطة للمقومات التقليدية من راوية وشخصيات وحبكة، ومكان ومناخ، الى نهاية محكمة. ورهانها ، في ذلك يتركز على غنىالعالم الذي تنهل منه، وتعدد مستويات النظر التي تطل منها على الوقائع التي تلتقطها، فتحيلها إلى دم ولحم ينطقان على الورق.
وعن مجموعاتها القصصية قال: ونتاج سميرة عزام، ما نشرته في حياتها، وما أمكن جمعه والعثور عليه، ليس غزيراً قياساً الى سنواتها الأربعين وبداياتها المبكرة، ويمكن تحديد المنشور منه على النحو التالي:

  1. مجموعة “أشياء صغيرة” – صدرت عام 1954 وهي ثلاث عشرة قصة.
  2. مجموعة”الظل الكبير” – صدرت عام 1956 وهي اثنتا عشرة قصة.
  3. مجموعة “وقصص أخرى” – صدرت عام 1960 وهي سبع عشرة قصــة.
  4. مجموعة “الساعة والإنسان” صدرت عام 1963 وهي خمس عشرة قصة.
  5. مجموعة ” العيد من النافذة الغربية”، صدرت عام 1971 أي بعد وفاتها بأربع سنوات، وتضم اثنتي عشرة قصة، إضافة إلى نص مفتوح بعنوان “وجدانيات فلسطينية ” ينتشر في واحدة وخمسين صفحة، أي ثلث المجموعة.
  6. مجموعة” أصداء ” صدرت عام 1997 في ذكرى غيابها الثلاثين،وهي من كتاباتها الأولى، ويقول صقر أبو فخر الذي عثر عليها، أنها لم تنشر من قبل في صحيفة أو مجلة، فيها سبع قطع تتراوح بين الخواطر والتأملات شبه الشعرية، وعشر قصص.
    ونستطيع أن نضيف الى هذا النتاج، فصلاً من رواية بعنوان “سيناء بلا حدود” وقد أتلفتها الكاتبة، لحظة يأس بعد هزيمة العرب عام 1967، كما نضيف قصة بعنوان ” الحاج محمد باع حجته”، والفصل والقصة ملحقان بالكتاب الذي ألفه وليد أبو بكر عن أدب سميرة عزام بعنوان “أحزان في ربيع البرتقال”.
    وبذلك أمكن أن نحصي ثمانين قصة قصيرة منشورة لسميرة عزام، واذا كان صقر أبو فخر لم يذكر إلا تسعاً وستين قصة، وذلك في مقدمته لمجموعة “أصداء” فذلك لأنه لم يحسب قصص “اصداء” هذه، مع أنه هو الذي أعدها للنشر، كما لم يذكر القصة التي نشرها وليد أبو بكر في كتابه.
    والآن ومرة ثانية: ماذا تقول سميرة عزام لنا في هذه القصــة؟

الأســـلوب – الشخصـــية
قبل أن ندخل عالمها، أو على وجه الدقة، من أجل أن نفهم عالمها وهمومها التفصيلية والقضايا الأثيرة لديها، نتأمل أسلوبها الذي ظلت مخلصة له منذ البدايات، فهي تجنح إلى التقاط شخصية واحدة، تزرعها في مجهر قصتها، إما من خلال الراوي أو الرواية للحدث، واما من خلال صوت الشخصية ذاتها، ويلاحظ غالباً، أن الراوي يتحدث من خلال مجموعة، أو أسرة، كأنما يشهد باسم عدد من الشخصيات على الشخصية التي تدور حولها القصة. والشخصية المركزية، بدورها، هي غالباً جزء من مجموعة، والأسرة مؤسسة شديدة الأهمية عند سميرة عزام، وهناك دائماً امرأة؛ قد تكون أماً، أو عمة عانساً،أو جارة عاثرة، أو بنتاً مغتربة بين رجال الأسرة، وعندما تكون العلاقة في هذه القصص على هذه الوتيرة، فإنها تتحول من مناخ اجتماعي إلى أسلوب في الكتابة، أو لنقل إنها مناخ اجتماعي فيما هي كتابة، هكذا لا يكون الأسلوب وعاء يمتلىء بالموضوع، بل هما بنية واحدة، تميزها بساطة السطح وثراء العمق، فالجملة عند سميرة عزام قصيرة، لكنها مرتبطة بما قبلها وما بعدها، بما يشكل فقرة، والقصة، بمجموعها، هي سلسلة من الفقرات المتتابعة، المنطوقة بصوت المفرد، ضمير المتكلم أو المتكلمة، الغائب أو الغائبة، وهي لا تميل إلى الثرثرة والوصف المفرط، وان كانت تسرِّب صفات الشخصية التي تعرضها، بحيث لا نعرف متى توفرت لنا المعلومات التي جعلتنا نأخذ عنها الفكرة التي ترسمها بناء وعمقاً.
” إن أي شيء لا يفلح في أن يكون ذا معنى إلا من خلال علاقة ما ” هكذا تقول سميرة في قصتها ” أسباب جديدة” – من مجموعة الساعة والإنسان- وسنراها، في قصصها كلها، حريصة على انشاء علاقة بين شخصيتين أو أكثر، أما المعنى الذي تريد، فهو موضوع القصة الذي تضعه نصب عينيها منذ لحظة الكتابة الأولى، فهي كاتبة صارمة، محددة، تعرف ما تريد، وإلى ذلك فهي متأملة، ترحل في عمق الشخصية، وتستقصي ردود أفعالها، ولا تتعالى على الفكرة، بل كثيراً ما تبدي شعورها هي، أي شعور الكاتبة تجاه هذه الشخصية أو تلك، هذا الموقف أو ذاك.
أسلوب سميرة عزام يشي بها، إنها فلسطينية مسيحية عربية، وهي مترعة بالإيمان والوداعة، مهمومة بالفقراء والمهزومين، وتنطلق دائماً من حسّ الجماعة، مع إخلاصها للرؤية الوجودية بحق الفرد في الحرية.
المــرأة المــرأة : تحضر المرأة في قصص سميرة عزام بمختلف الأشكال، تحضر بما هي قضية،وتحضر بما هي شخصية لا على التعيين، ولنا أن نتخيل عدداً كبيراً من النماذج النسوية تحتشد في مجموعاتها الست، بل إن مجموعاتها الأولى ” أشياء صغيرة” التي تخلو من الإشارة المباشرة إلى فلسطين، تبدأ بالقصة التي تحمل اسم المجموعة، وبطلتها فتاة لا تزال في المدرسة، يخجلها الاعتراف بالحب، ولكنها تراه في عيون صديقاتها وفي مشاعرهن المعلن عنها، كأنها لا تريد أن تصحبنا في عمق سيرة المراة، منذ مرحلة الدراسة، إلى أن تصبح جدّة كما سنرى في قصصها اللاحقة، واذا كان الحب هو منطقة خطرة لدى الفتاة المقبلة على الحياة، فإن مجرد اكتشافها لأنوثتها هو أمر يسبب لها الرعب والحرج، في قصتها “أريد ماءً” من مجموعة “وقصص أخرى”التي وقف عندها الناقد جورج طرابيشي طويلا، ترتبك الفتاة حتي لتتمنى الموت عندما تكتشف علامة أنوثتها أول مرة، وتخاف أن تعرف الأخت مارتا بذلك، حتى أنها تتقدم لتناول القربان الكنسي وهي” غير طاهرة”، لأنها خائفة من “افتضاح” أمرها، وعندما يمرض أخوها، تظن أن الله عاقبها بمرض أخيها الوحيد .. هذا العالم المذعور المقفل، هو الذي تنطلق منه فتاة سميرة عزام إلى الحياة، فماذا إذا كان الفقر يتضافر مع المجتمع الذكوري على الفتاة الوحيدة التي لا تستطيع أن تبوح بأسر ارها إلى أحد؟ إنها ستضطر إلى التسلل إلى ” بنك الدم” – قصة من مجموعتها” وقصص أخرى” – في محاولة لبيع دمها، بهدف شراء فستان جديد، وحتى هذه اللخطة التي تكشف عن درجة عالية من الإغتراب، لا تتحقق بسبب من صغر عمر الفتاة، وليس لمثل هذا الأنموذج إلا انتظار “النصيب” الزوج المنقذ، حيث يقول الأب لهذا “المشتري ” في أول سطر من قصة “نصيب” – من مجموعة “الظل الكبير”: “خذها فسلطتي تنتهي عند هنا”، وهكذا يكون الزواج هو انتقال الفتاة من هيمنة سلطة الأب إلى هيمنة سلطة الزوج، وستكون مخيرة شكلياً أمام الكاهن بين قول نعم أو لا، ومع أن السلطة المقدسة تعفيها من سلطة الزوج إذا قالت: لا، إلا أنها تحتفظ بالرفض في دخيلة نفسها، وتعلن الموافقة، أما قصة “ستائر وردية” – من مجموعة “الظل الكبير” ايضاً – فتعرض لتعدد الزوجات حيث ” ظل البيت يعمر بالزوجات ويفرغ” إلا من الزوجة الأولى، فكأن الزوجات بضاعة قابلة للتبديل، إلا السلعة الأولى فهي مؤونة البيت التي تجلب البركة ؟ .. وقد تكون الزوجة جميلة، وذات زوج غني، كما في قصة “هل يذكرها” – من مجموعة ” العيد من النافذة الغربية” – لكن زوجها ينسى ذكرى عرسهما، لأنه مشغول بعالمه الذكوري، عالم الصفقات والمال، وحين تذكره بذلك ، يدعي أنه لم ينس، بدليل أنه أحضر لها هدية، إلا أن ذاكرته العاثرة تخونه، فهو لا يذكر تاريخ العرس، وبذلك تصبح الهدية ضرباً من الرشوة، فما الفرق بين هدية هذا الزوج والمال الذي يقدمه طالب المتعة ما دامت المشاعر ميتة؟ وسنرى سميرة تعطف على البغي التعسة، لا بما هي زوجة “محترمة ” كما في القصة التي أشرنا إليها، بل بما هي بغي حقيقية تبيع جسدها مقابل السترة، وفي قصة ” من بعيد” – من مجموعة “وقصص أخرى” – تتمكن البغي من الإنفاق على شاب تحبه حتى يتخرج من الجامعة، ويكون همه الوحيد، يوم التخرج، ألا تكون موجودة حتى لا يتذكر العلاقة بينهما، وحتى لا يعرف الآخرون سرهما الدفين.
لقد ظل اغتراب المرأة الشرقية، هو أحد الهموم الكبرى لسميرة عزام، وهي لا تقدم عريضة دفاع أو شكوى، بل تقدم الحالة تلو الحالة، والأنموذج تلو الأنموذج، وذلك منذ كتاباتها المبكرة المثبتة في مجموعتها ” أصداء ” حيث نقع مثلاً – في قصة “فاتها القطار” – على الفتاة التي تترك الدراسة بهدف تعليم أخيها، وتتخلى عن خطيبها للتفرغ من أجل مهمتها المفدسة تلك، وتكون النتيجة أن يتزوج أخوها من فتاة لا تلبث أن تتركه لتتزوج من خطيب الأخت المضحية .. قصة ميلودرامية، لا شكّ، لكنها تشير إلى انشغال سميرة المبكر في اغتراب المرأة الشرقية واستلابها على حد سواء.

فلسطـــين والمســـيح
قد يبدو غريباً أن أشير إلى ديانة الكاتبة غير مرة، وليس ذلك من باب التزيد، فسميرة عزام، تصهر في أعماقها تلك العناصر المكوَّنة من منبتها الفلسطيني ونشأتها المسيحية، ولأن المسيح عليه السلام فلسطيني بطبيعة الحال، فإن الشخصية النهائية التي هي نتاج مختلف شخصيات الكاتبة، تصبح جوهراً فرداً مكوناً من مسيح وفلسطين، ولعل هذا أوضح ما يكون في قصة “خبز الفداء” – من مجموعة “وقصص أخرى” – عندما تأتي الحبيبة بالخبز لحبيبها وهو يقاتل الصهاينة، فتستشهد الفتاة، ويجوع المقاتلون، وعلى ما في الأمر من صعوبة ومشقة نفسية، فإنه يضطر إلى تناول الخبز المضمخ بدم الحبيبة، في إشارة لا تغفلها الكاتبة (بل تستشهد بها مباشرة) من الإنجيل، حيث افتدى المسيح البشر بلحمه فكان خبزاً، وبدمه فكان خمراً، والمجموعة ذاتها تضم قصة ” في الطريق إلى برك سليمان” حيث يجد الفدائي نفسه مضطراً إلى كتم سرّ مقتل طفله عن الزوجة، ليواصل عملية الدفاع عن الوطن، وواضح ما في موت الإبن و مواصلة الأب من استرشاد روحي بعلاقة الأب بالابن والروح القدس في العقيدة المسيحية، أما قصة “مجنون الجرس” – من مجموعة “الساعة والإنسان”- فترسم العلاقة بفلسطين من خلال الكنيسة مباشرة، وذلك حين تقدم شخصية قارع جرس الكنيسة الفلسطيني البسيط، الذي أصبح يشعر بالاغتراب عن الكنيسة في لبنان، لنه لا يتمكن من مزاولة مهنته، وفي لحظة معينة ، يستيقظ أهل الحي مذعورين على جرس الكنيسة الذي يقرع بشدة، فقد نسي قارع الجرس الفلسطيني نفسه وقرع الجرس في غير وقته، كأنما يناشد الكنيسة التي رعته وعمل في كنفها أن ترافقه بصوت جرسها إلى حيث هو في المنفى، ومن يومها أطلقوا عليه اسم “مجنون الجرس”، ويبدو أن هذه الواقعة حقيقية، لأن الكاتبة ألحت عليها، وأعادتها – حرفياً تقريباً – في غير مكان من كتاباتها.
ويلاحظ أن سميرة التي رحلت عن عالمنا، والعرب في قاع الهزيمة، قد كرست قصصها الفلسطينية للحظتين: الأولى تشمل المقاومة قبل النكبة، والثانية تشمل آلام الفلسطينيين في المنافي بعد النكبة، وإذا كانت “مجنون الجرس” تعبر عن حنين حزين، فإن قصة من نوع ” لأنه يحبهم “- من مجموعة ” الساعة والإنسان” – تعبر عن غضب الطليعي الفلسطيني على ضعف قومه، واحتجاجه على ألمهم الصامت، أما قصة “فلسطيني ” – من المجموعة ذاتها، وهي أخطر قصصها “الفلسطينية ” – فتجسد رفضاً مريراً للتخلي عن الهوية، مع الحاجة الشديدة إلى هوية غير فلسطينية ليتمكن اللاجىء من العمل، وبعد أن يبيع ما فوقه وما تحته ليحصل على الهوية المزورة، فإنه يمزق هذه الهوية قابلاً قدره المرّ: إنه فلسطيني ..
إن هذا الجرح الفلسطيني لا يحتاج عند سميرة عزام إلى الصراخ الدائم، فهي ترى نكبة بلدها في مختلف نماذج الفقر والقهر والاستلاب الذي يعاني منه وطنها العربي الكبير، بل إن اللحظة المسيحية في نتاجها هي التجلي الروحي للألم والفداء في الأرض المقدسة، وإذا لوحظ أن عدد قصصها ذات الموضوع الفلسطيني المباشر، محدوداً جداً، فلأنها كانت ترى السؤال الفلسطيني يطل من كل مكان، وليس مقصوراً على المحددات الجغرافية والتاريخية.

الفقــر والقهـــر
والأقنوم الثالث لنتاج سميرة عزام، بعد المرأة، وفلسطين – المسيح، هو الفقر والقهر، وبذلك تكتمل دائرة اغتراب شخصياتها، ومن الصعب أن نحصي حالات الفقر التي تعرض لها، وقد مرت بنا الفتاة التي حاولت بيع دمها لتشتري فستاناً، كما يمكن أن يمر بنا “صبي الكواء” – من مجموعة ” وقصص أخرى” – حيث يحاول الفتى أن يرتقي من صبيّ إلى كوّاء فيحرق قميص الزبون، وقصة ” أما بعد” – من مجموعة ” الساعة والإنسان ” – حيث يرفض المدير أن يصرف سلفة بمبلغ مئة وخمس وسبعين ليرة بينما يشتري هدية بثلاثين ألف ليرة .. أما القهر فربما كانت قصته الأنموذجية هي “طير الرخ في شهربان ” – من مجموعة ” الساعة والإنسان” – المكتوب حوارها باللهجة العراقية، وقد عاشت الكاتبة فترة من عمرها في العراق، والقصة تعرض لمجموعة من حراس الظلام على رأسهم طاغية متخلف، يضرب حتى الموت، شاباً رأى طائرة، فظن أنها طير الرخ الأسطوري، ورأى سيارة فظنها عربة من غير خيول، إذ المفروض أن القصة تدور في زمن لم تكن فيه بلادنا تعرف الآلات الحديثة، لكن المفارقة أن اهل البلد عندما يرون السيارات والطائرات، يدركون صحة قول الفتى القتيل، ويفطنون إلى جريمة ذلك الطاغية الذي يتحكم بهم باسم الدين والدين منه براء، إلا أن أخطر القصص التي تعرض لاغتراب الإنسان في نتاج سميرة عزام، هي ” حتى لا تتصلب الشرايين” – من مجموعة ” العيد من النافذة الغربية – حيث تعرض شخصية امرأة عجوز، يموت زوجها فتبقى وحيدة فقيرة، وتتدهور نفسياً حتى تتحول إلى مدمنة كحول، في واحدة من أجمل القصص العربية التي قرأتها في حياتي.

قبل الكلمة الأخيرة
لا أستطيع أن أقول كلمة أخيرة في أدب سميرة عزام، التي لا يفيها حقها كتاب واحد، فما بالك بمقالة؟ قبل إيراد ملاحظتين، الأولى هي إلحاح بعض الحوادث عليها، بحيث تكررها في أكثر من قصة، وقد أشرت إلى مجنون الجرس، كما يمكن أن أشير إلى قصتين هما “المحروس ” و “الصغير”- وكلتاهما من مجموعة ” العيد من النافذة الغربية ” – وفيهما سطور موحدة، بالكلمات، بالأسماء، بالنقاط ، كأنما الكاتبة كتبت قصة واحدة بنهايتين، وهي تتعلق بلحظة حميمة، لحظة انتظار الأب قدوم مولوده الأول إلى الدنيا، ولا أدري ما أذا كان مفيداً أن نشير إلى أن سميرة قد تزوجت، ولم ترزق ببنت أو ولد، وسنرى هذا التكرار في قصتين أيضاً، هما ” دموع للبيع ” و “لا ليس لشكور” – من مجموعة “الظل الكبير” – وتعرض الأولى لندابة تبكي في المآتم مقابل النقود، لكنها لا تستطيع أن تبكي يوم وفاة ابنتها، والثانية تعرض لبائع توابيت يحطم التابوت عندما يسمع بنبأ وفاة ابنه لأن دموع تلك، كتابوت هذا، ليسا للبيع عندما يتعلق الأمر بأعز الناس.
أما الملاحظة الثانية، فهي محيرة حقاً، فقصة “عودة” – من مجموعة أصداء – مكتوبة عام 1947 ويشير صقر أبو فخر، بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن هذه القصة غير منشورة من قبل، ولكننا بعد أن نقرأها نراها تكاد تكون تلخيصاً لرواية “اللص والكلاب ” لأديبنا الكبير نجيب محفوظ، الذي كتب روايته الشهيرة تلك بعد قصة “عودة” بسنوات طويلة، أي لا يمكن أن يكون – لا سمح الله – قد أخذها من سميرة عزام، كما لا يمكن أن تكون هي قد أخذت قصتها من رواية الكاتب الكبير، بحكم أنها كتبت قصتها قبل روايته بزمن طويل ..
فهل اعتمد كلاهما على نص معروف، أو حادثة مشهودة، مما لا يعيب أي كاتب، وطور كل منها الحادث إلى اثر فني؟ أم هي مصادفة خارقة؟
وبعد .. هل استطاعت هذه السطور أن تقدم لسميرة عزام، ولو قليلاً مما تستحق ؟.. ليس لي إلا أن أتفاءل بقدرات المستقبل، على انجاز مشروع أكبر، وهو ما يدفعني إلى الإقتداء بشهيدنا الغالي غسان كنفاني، تلميذ سميرة، وابن مدينتها عكا، عندما قال لها: إننا نعدك .. أما المدعوون إلى الوفاء بالوعد لسميرة عزام ، فهم نحن جميعاً .. حملة القلم الفلسطيني.
بعد أن أنهى الشاعر الكبير ورقته الدسمة شكرته مديرة الجلسة قائلة ليس غريبا أن يخلد قلب من حيفا روحا من عكا فهكذا الفلسطيني دائما.
بعهدها فتح باب الحوار والمناقشة حيث داخل كل من:
الأستاذ صالح عبد العال قال لقد أضفى الشاعر على الموضوع حميمية خاصة، كما اتضح من عرضه لأعمالها أنها كاتبة ملتزمة بثقافتها الدينية إلى حد كبير، فرمز المسيح واضح، وبعض الأحداث لديها تدور في الكنيسة، لكن هل من إشارة لتأثرها بالثقافة الإسلامية؟ كما أنني ألمح أن الموضوع الفلسطيني غير متوازن عند سميرة فنحن نرى فلسطين تقفز من كل كلمة في روايات غسان كنفاني فلماذا؟
أما القاص الأستاذ زكي العيلة فقال إن المرأة في معظم النماذج التي وردت لدى سميرة هي عاجزة ومقهورة فنجدها تحاول بيع دمها تارة، وتفكر في الانتحار تارة أخرى، فهل كانت سميرة في تلك المرحلة تمثل واقع المرأة غير القادرة على الفعل، أم أنها تسجل العجز لفتح باب الحل؟
والأستاذ عبد الوهاب أبو هاشم قال: نجح الشاعر في أن يجعلنا نعشق سيدة اسمها سميرة عزام، أبطال قصصها وتصرفاتهم توحي بأنها دارسة للفلسفة فهل هذا الاستنتاج صحيح؟
أما الأستاذ معين الفار مشرف اللغة العربية في مدارس وكالة الغوث فقال هذا التقديم أحيانا في جو سميرة عزام، اقترح على وزارة الثقافة إعادة نشر أعمال سميرة عزام ليتسنى للجيل الجديد الاطلاع عليها.
ذكرت أن سميرة تحمل حاهة قصر ساقها اليسرى فهل تصدق عليها مقولة “كل ذي عاهة جبار”.
الأستاذ يحيى رباح الأديب الدبلوماسي قال أنا أرى أن سميرة عزام لم تظلم، فلقد ظهرت في فترة امتلأت فيها الساحة الفلسطينية بالأديبات العربيات كنازك الملائكة وفدوى طوقان وسلمى الخضراء وغيرهن وحصلت سميرة على إشادة كبيرة نسبيا للقليل الذي كتبته.
الكاتبة القصصية الواعدة روان الكتري قالت لماذا نحن الجيل الجديد لا نعرف الكثير عن أدباء فلسطين، على عاتق من تقع المسئولية؟
الأديب والروائي غريب عسقلاني قال علينا ألا نضع مسئولية النشر على وزارة الثقافة فهي ليست دارا للنشر، وهي تهتم بنشر الأعمال الأدبية المتميزة التي تفوز بالمسابقات.
ثم قال كنت أتمنى على الشاعر أن يتحدث عن القصص ذات البعد الفلسطيني الصرف، وعن مدى تأثير سميرة على غسان كنفاني خاصة أن ما تبقى لكم مستمدة من الساعة والإنسان لسميرة.
اما الأديبة والمترجمة الأستاذة سلافة حجاوي فقالت إننا حين نتعامل مع سميرة فلابد أن نتعامل مع المرحلة التي كتبت فيها، لقد اختتمت كتاباتها في وقت بدأ الكثير من الكتاب الفلسطينيين الكتابة، فخزينها هو خزين الأربعينيات والخمسينيات، حين كانت القصة القصيرة قليلة، وسميرة عزام تكاد تكون الوحيدة التي تكرست لكتابة القصة في تلك الفترة، في حين لم يكن موجود أدباء مكرسون لفن معين.وأضافت لماذا استطاعت سميرة أن تنجز هذا الإنجاز وتتكرس لكتابة القصة القصيرة أعتقد لأنها مسيحية والمسيحيين في ذلك الوقت كانوا أكثر انفتاحا على الثقافة الأوربية، وسميرة قرأت الأدب الروسي الذي كان يمثل مصدر ثراء، يتضح ذلك من تعاملها مع الموضوع، مسيحيتها أثرتها كما أثرت كثير من المسيحيين الذين كانوا هم رواد الهوية الفلسطينية الثقافية، فكان التراث الفلسطيني الذي كتبه مسيحيون ثري جدا على الصعيد الوطني.
بعد هذه المداخلات أخذ الشاعر دوره ليحاور ويرد على ما جاء من استفسارات ومداخلات فبدأ بقوله أشكر الإصغاء الشهم الذي استطاع القدرة على الاستجابة، نحن في مشهد أدبي رائع، والفضل في الحوار للمداخلين ولعالم سميرة عزام الغني، هناك تناغما في الحوار وكأن كل متكلم يسلم الثيمة لسواه، لدرجة أن بدأت مساهمتي متواضعة مع هذه المداخلات.
للرد على الاستفسارات أقول إن سميرة لم تظلم والتي ظلمت فعلا هي سلمى الخضراء الجيوسي بسبب غيريتها وحرصها على الآخرين، تقدم أعمالهم وتحجب نفسها، سميرة أخذت حقها وألفت عنها كتب، سميرة لم تكن بنت حزب أو بنت مجموعة تظهرها إنما هي فرضت نفسها بعرق جبينها، لسميرة ثيمات متجددة بحيث تكاد تكون كل قصة تفتح فتحا جديدا.
كلنا نتمنى أن تقدم بشكل أكبر من ذلك وإن كتب عنها الكثير، فهي كاتبة شديدة الحضور وحين يقول عنها الأديب العظيم جورج الطرابيشي إنها كاتبة مختلفة فهذا يدل على مكانتها.
وردا على الأستاذ صالح قال إن مكرم عبيد زعيم حزب الوفد هو صاحب مقولة نحن مسيحيون دينا مسلمون ثقافة، ما كان لسميرة أن تكتب قصة تعدد الزوجات إلا بثقافتها الإسلامية وقد كتبتها لتنتص للمرأة وليس للتعريض بالإسلام، كذلك تقديم القربان وهي غير طاهرة هذه من الثقافة الإسلامية وكذلك قصة الحاج محمد باع حجته وغيرها.
أما في رده على الأستاذ زكي فقال سميرة تنطلق من مرحلة درامية، هي ليست في حالة عوز ومع ذلك كتبت عن الفقر، وهي على المستوى الشخصي ليست مقهورة ولا مقموعة لكنها تكتب عن شعبها، المرأة عند سميرة مناضلة ومحاربة أيضا فهي تطلب الطلاق، وتنتج وتحتج على المجتمع القمعي، لها قصة في غاية التأثير تتحدث عن فتاة تعمل لتصرف على حبيبها وعندما يتخرج من الجامعة يحرص على ألا تكون موجودة في حفل التخريج كي لا يعرف أحد عن علاقته بها أو أنها هي التي كانت تصرف عليه.
وفي رده على الأستاذ عبد الوهاب فقال إن سميرة شديدة الثقافة وذات عين مرهفة تعرف كيف تلتقط الأحداث، والكاتب في مطبخه كما يشاء وعندما يدعوك لنصه هناك يكون الامتحان والسؤال، أما مقولة كل ذي عاهة جبار فقال سميرة شديدة الثقة بنفسها ولم تكن العاهة تؤثر عليها بدليل أنها عرضت في إحدى قصصها لبطلة القصة ذات القدم الواحدة وهذا دليل على أنها ليست معقدة.
لسؤال الأستاذ معين أقول لاشك أننا في زمن متعطش للمعرفة لكن مهمة الوزارة أن تسهم في دعم الثقافة وتؤازر المؤسسات الثقافية، عندما فكرّت وزارة الثقافة بمنح درع الثقافة منحته لسميرة عزام وغسان كنفاني، وللحق والأمانة الأدبية أنسب الفضل لأهله فأقول إن أعمال سميرة عزام طبعت بفضل الأديب يحيى يخلف وزير الثقافة وكان عندها أمين عام وزارة الثقافة.
أما بما يتعلق بالبعد الفلسطيني فقد ذكرت أن قصصها الفلسطينية الصرفة سبع لكن فلسطين المسيح مبثوثة في كتاباتها جميعا. وعن تأثير سميرة في غسان فقد أعفانا غسان نفسه بقوله إنها معلمتي، أما عن التشابه فلا أجد أي علاقة بين ما تبقى لكم لغسان،والساعة والإنسان لسميرة والتشابه لفظي فقط.
أما الأستاذة سلافة فأتفق معها بأن سميرة ذات ثقافة واسعة، وهي كاتبة تستطيع أن تنفذ إليك، وهي واقعية اجتماعية تتأمل التناقضات، وهي كاتبة قصة قصيرة متميزة، أستاذها تشيخوف الذي تأثرت به كثيرا، وإذا كانت سميرة تؤخذ بتاريخها باعتبارها كاتبة الأربعينيات والستينيات فهذه تحسب لها وليست عليها، سميرة تجاوزت محمود سيف الإيراني مائة سنة ضوئية.
أخيرا أقول ماتت سميرة دون أن تعرف ما كتب عنها من مقالات ودراسات، لم تكن سميرة مجهولة ولم توضع على الرف، الأستاذ الكبير صقر أبو صخر فلسطيني الانتماء- دون أن يكون فلسطينيا- نبش وجمع (أصداء) ووليد أبو بكر لم كتابه عنها مجرد كتاب وإنما كان استقصاء لعملها.
انتهى اللقاء رغم الرغبة الشديدة من الحضور بمواصلة الحوار، لقد جاءوا ليستمعوا ويتحاوروا ويتساءلوا فخرجوا عشاقا لأدب سميرة عزام ولسميرة عزام التي بدأت جراحها من فلسطين وانتهت بفلسطين، قهرتها النكبة وقضت عليها النكسة.

نشر في 2/02/2005 6:40:00

‫0 تعليق