ياسر منجي: خطوط نقدية حمراء. الحضور التراثي العربي في أعمال ” باولو كويللو “(1).

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بحوث ومقالات
يورد ” بن حجة الحموي ” عن ” أبي علي المحسن التنوخي ” ما ذكره له ” أبو الربيع سليمان بن داود ” عن رجل أتلف ماله :
( فرأيت ليلة في منامي كأن قائلا يقول لي غناك بمصر ) (1) .
و ذهب إلى مصر فلم يجد ما يعينه حتى قبض عليه ” الطائف ” ظانا إياه لصا …

( فبطحني و ضربني مقارع ) (2).
فقص عليه قصته و ما رآه في المنام فأجابه :
( ما رأيت أحمق منك ، و الله لقد رأيت منذ كذا و كذا سنة في النوم كأن رجلا يقول لي : ببغداد في الشارع الفلاني في المحلة الفلانية .. فذكر داري و اسمي .. و فيها بستان و فيه سدرة تحتها مدفون ثلاثون ألف دينار ) (3) .
و لم يلتفت الشرطي لهذا المنام . و عندما أطلقه ذهب ثانية نحو بغداد .
( فقلعت السدرة و أثرت مكانها فوجدت جرابا فيه ثلاثون ألف دينار ) (4) .
أي أن الرجل أخلص لمنامه فأوصله للكنز في الوقت الذي اعتبر فيه الشرطي – الذي رأى نفس المنام – أن ذلك محض تخليط و أضغاث ، مما أدى إلى استهانته به، و من ثم إلى ضياع الكنز منه .
و في قصة ” السيميائي ” “ The Alchemist “ للكاتب اللاتيني ” باولو كويللو ” نقرأ في مفتتح القصة عن راع شاب يدعى ” سانتياجو ” يتكرر حلم بذاته في منامه مما يدعوه لالتماس التفسير لدى عرافة غجرية حاكيا لها الآتي :
( – ظل الطفل يلهو مع الشياه فترة ثم فجأة أخذ بيدي و اقتادني حتى أهرام مصر .
سكت لحظة ليرى ما إذا كانت العجوز تعرف ما هي أهرام مصر ، و لكنها ظلت على صمتها .

  • ثم إنه هناك أمام أهرام مصر [ و نطق الكلمتين الأخيرتين بوضوح تام ليتسنى للعجوز أن تفهم ] ، قال الصبي : لو جئت حتى هنا فستجد كنزا مخبوءا .
  • و في اللحظة التي كان يوشك فيها أن يدلني على موضع الكنز صحوت في كلتا المرتين ) (5) .
    و يتوالى تدفق الأحداث التي يخوض خلالها ” سانتياجو ” غمار رحلته مستهديا بما ساقه إليه القدر من إرشادات تمثلت في تعاليم شخصية غامضة – من وجهة نظري هي معادل تشخيصي لمركب الإله/ الأب/ الوعي الأسمى – و الذي يلفت نظره إلى وجوب الاتكاء كليا على طاقة الحدس مسترشدا بالعلامات التي خطتها يد القدر في صحيفة الكون محددة مسارا لكل منا يتحقق من خلاله أقصى تجلياته الوجودية إذا أخلص له و اتبعه بيقين محض .
    و في نهاية الرحلة التي تسفر عن انكشاف السرمديات و انفتاح مغاليق المطلق و الغامض أمام ناظري ” سانتياجو ” ، و بعد أن يصل فعلا إلى الأهرام إذا به يقع في أسر عصابة من قطاع الطرق تساومه بحياته على الكنز المخبوء ، فيحفر ” سانتياجو ” الأرض دون جدوى بعد أن انهالوا عليه ضربا وقتا طويلا حتى ظهرت أول اشعة الشمس و حتى أحس بدنو أجله .
    ( قال الزعيم لرفاقه : فلننصرف من هنا .
    لكنه رجع إلى الشاب و قال له :
  • لن تموت . ستعيش و ستتعلم أن الإنسان يجب ألا يكون غبيا إلى هذا الحد . فمنذ قرابة عامين ، و هنا بالضبط حيث ترقد أنت الآن ، حلمت حلما و تكرر . رأيت أنني يجب أن أذهب إلى أسبانيا و أن أفتش في الريف عن كنيسة محطمة كثيرا ما يذهب الرعاة للمبيت فيها مع أغنامهم و تنمو في موضع هيكلها شجرة جميز، و هناك سأجد كنزا مطمورا . لكني لست من الغباء بحيث أعبر الصحراء لأنني رأيت الحلم نفسه مرتين . ) (6) .
    و كانت الكنيسة المذكورة هي ذاتها التي كان يبيت بها ” سانتياجو ” في موطنه قبل الشروع في رحلته . و من ثم يعود أدراجه إلى موطنه الأصلي ليحفر في الكنيسة …….
    ( .. و استأنف الحفر . و بعد نصف ساعة اصطدم الجاروف بشيء صلب . و بعد ساعة كان أمامه صندوق ممتلئ حتى حافته بعملات ذهبية أسبانية قديمة ، و كانت هناك أيضا أحجار كريمة ، و أقنعة ذهبية مرشوق فيها ريش أبيض و أحمر ، و تماثيل حجرية صغيرة مرصعة بالماس … ) (7) .
    و بإجراء شئ من التفكيك للنسق البنيوي للقصة العربية و رواية ” باولو كويللو ” نخرج بحصيلة تتمثل في الآتي :
    1 – كلا البطلين يتكرر بمنامهما حلما يلح على وجود كنز ما ينتظرهما لاحتيازه .
    2 – الحصول على الكنز في القصتين يستلزم خوض رحلة غير محددة المعالم .
    3 – كلتا الرحلتين إلى مصر تحديدا .
    4 – عند الوصول لموطن الكنز يقع البطلان العربي التراثي و اللاتيني المحدث في قبضة غاشمة ، إحداهما لشرطي و الأخرى لعصابة من قطاع الطرق .
    5 – كلتا القبضتين توقعان عقابا بدنيا مبرحا بالبطلين .
    6 – يسفر تفتيش موطن الكنز في القصتين عن لا شئ .
    7 – يسخر الشرطي في القصة العربية من سذاجة البطل و إخلاصه الطفولي لحلمه ، و هو نفس رد فعل زعيم العصابة تجاه ” سانتياجو ” .
    8 – تقود السخرية بطريقة عرضية في كلتا القصتين إلى بوح الشرطي / رئيس العصابة بحلم مماثل يتكرر بشكل مماثل .
    9 – افتخار الشرطي و زعيم العصابة على البطلين بأنهما أكثر نضجا منهما ، و من ثم فهما لا يلتفتان مثلهما إلى أمثال هذه الترهات .
    10 – ينتبه كلا البطلين إلى أن موطن الكنز في روايتي الشرطي و زعيم العصابة هو ذاته موطنهما الأصلي الذي خرجا منه سعيا وراء كنزهما / الحلم .
    11 – تكون هذه المفارقة بمثابة إشارة التأكيد التي تلح على وعي البطلين كي يختتما فعل الرحلة في عودة دائرية إلى نقطتي انطلاقهما .
    12 – تسفر العودة المحملة بخبرات الرحلة / الوعي الجديد إلى العثور على الكنز و تحقق فعل النبوءة .
    الغريب أن نفس التيمة المحركة لفعل السرد في العملين – العربي التراثي و اللاتيني الحديث – تتكرر على نسق غيبي يمعن في تفعيل الكيانات السفلية الحارسة لعفاريت الكنوز ، و ذلك في العمل العربي الأشهر ” ألف ليلة و ليلة ” فنقرأ في حكاية ” علي المصري و الكنز في بغداد ” – و هي الحكاية التي تستغرق الليلتين 431 و 432 من ليالي شهرزاد – عن رجل يائس يرحل إلى بغداد على أثر كارثة فيلتقي بمؤجر يعرض عليه المبيت في أحد البيوت التي يهيمن عليها ، و يحذره أن أحدها مسكون بعفريت قاتل لم ينج من بطشه أحد من الذين باتوا ليلة واحدة فيه ، فكانت هي الأخيرة في أعمارهم ، فيلح عليه ” علي ” أن يكون هذا – البيت الذي أطلقوا عليه اسم ” بيت الأموات ” – هو مستقره في مبيته – و في نيته أن يكون ذلك سببا في موته و من ثم خلاصه من عذاب نفسه – و خلال الليل يفاجأ بصوت يدعوه باسمه ، فيجيب بنعم ، فينزل إليه العفريت و يبدأ في فتح كنز عظيم كان ( مرصودا ) على اسم ” علي المصري ” فلا يفتح لغيره ، و لما كان المساكين من الذين لقوا حتفهم في البيت قبلا لا يعلمون بقصة الرصد – و حتى لو علموا فلن يجديهم ذلك شيئا لكون أسمائهم مغايرة للمطلوب لفعل الانفراج و الانفتاح و الفكاك من الأسر لكل من صاحب الكنز و البيت المسكون و العفريت المسخر كالسجين للحراسة – لذا فقد كان على العفريت المسكين أن يظل حارسا خشنا لا يرحم حتى وقت مجيء صاحب الرصد .
    و برغم أنه قصة الليالي هنا لا تمعن في التطابق مع ” سيميائي ” ” باولو كويللو ” كما فعلت أختها التي رواها ” ابن حجة ” عن ” التنوخي ” و التي حللناها سلفا ، فإن قصة الليالي تنفرد هنا بفضاء خاص يجعلها قادرة على التماهي مع واحدة من أظهر و أشهر التيمات التي يغزل بمقتضاها ” باولو كويللو ” أعماله ، و سياقا من أهم السياقات المحركة للسرد في غالب قصصه ، ألا و هو مفهوم ” المكتوب ” بمرجعيته الشرقية العربية .
    فالعفريت هنا لا يمثل شرا محضا في ذاته ، بل هو محض أداة حارسة يستدعي دورها الفريد الغريب أن تكون ممعنة في التطابق مع الهدف الأساسي لرصد الكنز ( المكتوب و المقسوم لشخص بعينه ) ، فلا فكاك هنا من أسر ” المكتوب ” لجميع الأطراف : فالعفريت رهين محبسه لا فكاك له إلا بتسليم الأمانة لصاحبها و من ثم استحقاقه لإطلاق سراح ، و في محبسه هذا هو رهين ” المكتوب ” الذي شاءت إرادته أن يكون هذا الدور منوطا بالعفريت .
    و القتلى الذين لقوا حتفهم في المنزل المسكون هم أيضا ضحايا ” المكتوب ” الذي قد تبدوا إرادته عبثية في تجريعهم غصة الموت دون جريرة ارتكبوا ذنبها ، و لكن رغم براءتهم إلا أن العقلية العربية الشرقية التي صاغت القصة ، و المتلقي العربي الشرقي الذي يستقبلها على السواء يتواطأان ضمنا على وجوب أن يلقى هؤلاء مصرعهم ليسر القص في مجراه و ينفتح الكنز في النهاية مسفرا عن تفكيك كافة العقد التي تراكمت في بداية الحكي ، و القتلى هنا بهذا المفهوم يتم تعويضهم على مستوى التعاطف الشعوري بوصفهم كيانات شهيدة ” المكتوب ” .
    و ” علي المصري ” أيضا هو مثال نموذجي لقدرة ” المكتوب ” على صياغة مصير الفرد من النقيض إلى النقيض دون أن يبدو ذلك شذوذا على القاعدة التي تغلف بدورها مجمل الوجود الاجتماعي الشرقي .
    تتكرر كلمة ” مكتوب ” في أعمال ” باولو كويللو ” على عدة مستويات ، سواء بوصفها مفهوما أساسيا قابعا خلف مسار الأحداث ، محركا إياها طوال استمرار فعل القص ، أو حتى على المستوى الظاهري الذي يتبدى في كتابة الكلمة أو نطقها بلفظها العربي على لسان أبطال قصصه أو تتصاعد إلى حدودها القصوى لتصير عنوانا على عمل كامل من أعمال الكاتب نفسه .
    ( و أخيرا قال التاجر :
  • مكتوب .
  • ما معنى هذه الكلمة ؟
  • لابد و أن تكون قد ولدت عربيا لكي تفهمها ، ترجمتها لا تعني شيئا . تعني أنه شئ مدون .
    و بينما كان يطفئ جمر النارجيلة قال للشاب إنه يستطيع أن يبدأ في تقديم الشاي للزبائن في أكواب الكريستال .
    في بعض الأحيان يكون من المستحيل أن تسيطر على نهر الحياة . ) (8) .
    (و لكن هذا الحدس الذي واتاه بعث في نفسه القلق . أيكون إذن في طريقه لأن يتعلم بدوره تلك اللغة الكونية الشهيرة التي تعرف ماضي البشر جميعا و حاضرهم ؟ كانت أمه تقول دائما ” حدسي ” ، و بدأ يفهم أن لحظات الحدس هي غوص سريع للروح في تيار الحياة الكوني الذي يترابط في طياته تاريخ البشر جميعا بطريقة توحد الكل ، بحيث نستطيع أن نعرف كل شئ لأن كل شئ مدون .
  • مكتوب !
    قالها و هو يفكر في تاجر الكريستال . ) (9) .
    و بعد ، فإن استخدامي في رسالتي السابقة للفظ ” انتحال ” Plagiarism ، كان من قبيل الاستخدام الأدبي الذي يتعدى المعنى الاصطلاحي إلى فضاءات أخرى إيمائية ، فأنا لا أعني بالطبع أن ” باولو كويللو ” قد انتحل القصة العربية لأن ذلك يتعارض حتى مع المفهوم العلمي لمصطلح الانتحال كما هو متعارف عليه في حقوق الملكية الفكرية ، و إنما قصدت أن اعمد إلى نوع من الإيقاظ الصاخب المشاكس الذي يدعو إلى قراءة الإبداع المطروح على الساحة الدولية قراءة تحليلية رأسية تسبر غور التاريخ البشري على اتساع ثقافاته ، و تعي مواطن الكنوز المعرفية التي أفرزتها قرائح الشعوب ، و تنتبه إلى ما تم من إعادة تدوير و تمثل و استلهام لهذه الروائع حتى لا تغشى عيوننا تحت تأثير الكاريزما الطاغية للمبدعين الجدد أو نظن أن إبداعهم من واردات سديم معرفي مجهول فيوقعنا ذلك في أسر نمط الاستهلاك الثقافي الأفقي الذي لا يتعدى دور المبهور السلبي القانع بتلقي ما يستجد .
    الهدف الثاني الذي أحببت أن أنال شرفه هو أن كاتبا في مثل قامة ” باولو كويللو ” من شأن انتاجه الأدبي أن يستدعي جدلا نقديا و تذوقيا واسع النطاق – و هو و لا شك من سمات الأدب المتميز ، خاصة إذا كان من النوع المغاير لما هو معتاد – لذلك فقد أحببت أن يكون أصدقائي من المثقفين و المعنيين بالأدب – و معظمهم من عشاق ” باولو كويللو ” – سباقون إلى تفجير عدة سياقات نقدية و ردود أفعال يكون لي فيها شرف البداية في إلقاء الحجر الأول لتحريك سطح بحيرتها .
    كما أزعم أن مثل هذه البداية قد تلفت النظر إلى بذل جهود أخرى في سبيل دراسة ظواهر الاستلهام و التناص و التوازي و التماثل و إعادة الصياغة في الإنتاج الأدبي عبر تاريخ الأدب ، و أشير هنا إلى جملة لافتة في هذا الصدد للأديب المصري ” بهاء طاهر ” في سياق تقديمه لترجمته الخاصة لرواية ” السيميائي ” ، حيث يقول ما نصه :
    ( ثم إنني لم أنته أيضا ‍‍
    فأنا لا أستطيع أن أمنع نفسي في الختام من الإشارة – بكل تواضع – إلى أني قبل نشر السيميائي بثلاث سنوات ، نشرت قصة عنوانها ” أنا الملك جئت ” لم تترجم إلى أي لغة ، و هي أيضا رحلة بحث عن الذات في الصحراء ، فكيف اتفق أن توجد – دون معرفة و لا لقاء – مواقف متطابقة في العملين ، و في بعض الأحيان نفس العبارات ؟

سؤال أطرحه على ” روح العالم ” ) (10) .

ملحوظة : هذه الدراسة بمثابة مفتتح لعدة دراسات تالية سأغطي فيها عدة جوانب خاصة بأدب ” باولو كويللو ” و غيره ، فأرجو أن تصلني آراؤكم و تعقيباتكم .
هذه الدراسة و غيرها متوفرة على : http://altculture.blogspot.com
ياسر منجي
القاهرة في 25/1/2005
الهوامش
1 – ابن حجة الحموي ، ثمرات الأوراق في المحاضرات ، تحقيق محمد مفيد قميحة ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1983 ، ص 310 .
2 – نفس الموضع .
3- نفس الموضع .
4 – نفس الموضع .
5 – باولو كويللو ، ساحر الصحراء ، ترجمة بهاء طاهر ، القاهرة ، مؤسسة دار الهلال ، العدد 571 ، ص 22 و 23 .
6 – المرجع السابق ، ص 144 .
7 – المرجع السابق ، ص 145 .
8 – المرجع السابق ، ص 58 .
9 – المرجع السابق ، ص 71 .
10 – المرجع السابق ، ص 12 .

نشر في 27/01/2005 8:10:00

‫0 تعليق