خالد السروجي: الفتى الأبيـض

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم يكن حلمه بالبالطو الأبيض ، وهوى زميلة الطب ذات البشرة الحليبية ، وقطته السيامية البيضاء مجرد مصادفات فى حياته ، فالأشياء البيضاء دائماً ما كانت تخطف بصره وتأسر قلبه بقدر ما ينقبض من اللون الأسود . وخرج لأول مرة فى حياته فى مظاهرة ليهتف بحماس ضد كل الأشياء السوداء ، ولم يكن يشعر – لفرط حماسه – ببرودة يناير القارصة . وأثناء المظاهرة كانت تلتقى نظراته مع نظرات رفاقه فى الجامعة ، فتعبر العيون عن الفرحة بما يصنعونه . ولكن الجنود أحاطوا بهم ، وأوسعوهم ضرباً بالعصا المكهربة . واستطاعوا الإمساك به مع بعض رفاقه ، واقتادوهم إلى مبنىً بارد ، ثم أدخلوهم إلى ضابط شاب أكسبته البدلة الرسمية السوداء هيبة وجلالاً .

قال لهم الضابط حانقاً :

  • تهيجون الناس يا أبناء الزوانى .
    أوجعه أن تهان أمه بهذا اللفظ . فتح فمه ليرد ، ولكن صفعة اعتقلت رده فى لسانه . احمر وجهه غيظاً وقهراً .
    علا صوت الضابط :
  • إن لم يعجبك الكلام ، نستطيع أن نزنى بأمك هنا أمامك .
    وأشار الضابط لرجاله ، فأمسكوه وجعلوا رأسه إلى الأرض ، وضربوه بعصاً رفيعة ملفوفة على أقدامه المرفوعة لأعلى . حاول أن يتحداهم بتحمل الألم وعدم الصراخ . قال له الضابط ساخراً :
  • تظن نفسك رجلاً ؟!! .
    ثم أردف مخاطباً جنوده :
    أعيدوا إليهم عقولهم داخل الرؤوس .
    اقتادهم الجنود إلى غرفة باردة وكئيبة ، وتباروا فى إيلامهم وإهانتهم . ورسم له أحد الجنود دشاً على الحائط وأجبره على خلع ملابسه والاستحمام تحته وسط ضحكات باقى الجنود . لم يقو على الاحتجاج . كان يبتلع الإهانات ، فيشعر بمرارتها فى حلقه ، وهو الذى لم يعتد الإهانات طيلة عمره القصير . وكان يضنيه التساؤل : ما الذى يبرر إهانة أى إنسان ؟!! . حاول أن يتذكر أشياءه البيضاء ، فجاءت صورها باهتة مهتزة .
    كان رقيقاً وضعيفاً ولم يستطع تحمل نوبات الضرب المبرح ، فأغمى عليه عدة مرات . عندما أفاق من الإغماءة الأخيرة ، نظر بتلقائية – من خلال الضوء الضعيف بالغرفة – إلى ساعة يده فوجدها تشير إلى الثالثة . اندهش لأنه كان قد نظر فى ساعته قبل أن يقبضوا عليه بحوالى الساعة ، وكانت الثانية ظهراً . والآن قد حل المساء .
    عند الفجر ألقوا عليه ماءً باردًا ، فاستيقظ مذعوراً . وأخبره أحد الجنود بأنه قد أصبح ديكاً وأن عليه أن يؤذن مثل الديكة حتى يوقظ رفاقه ، وجعلوه يؤذن كالديكة حتى استيقظ رفاقه .
    عندما أفرجوا عنه ، كان قد أحس بشرخ فى روحه ، شعر بأنه لن يلتئم أبداً . كانت روحه ممتهنة ، ولم يكن قد جرب من قبل القهر والامتهان . نظر إلى الناس فى الشوارع ، فأحس بأنهم مجرد آلات تتحرك . بدت له الشوارع كئيبة ومعتمة رغم أضواء المصابيح . حاول أن يتوارى عن الناس حتى لا يروا روحه الممتهنة . حانت منه نظرة إلى ساعة يده . كانت لا تزال تشير إلى الثالثة . لأول وهلة ظن أن الساعة قد أصابها العطب ، ولكنه اندهش عندما رأى عقرب الثوانى يدور بلا انقطاع . وعندما مر بأحد المقاهى ، لاحظ أن الساعة المعلقة على الحائط تشير إلى التاسعة والنصف .
    عندما شاهدوه فى البيت بعد هذا الغياب فرحوا ، ولكنه لم يستطع أن يفرح . ولما أفزعهم منظره حاولوا إضحاكه . حاول أن يجاملهم ، ولكنه اكتشف عدم قدرته على الضحك . كان يخشى أن يشاهدوا روحه المشروخة . أغلق عليه باب غرفته، ولم يرد على الطرقات أو النداءات . كان منكفئاً على شرخ روحه الذى بدأ يتشعب ليصبح عدة شروخ . نظر بيأس إلى ساعة يده وكانت لا تزال تشير إلى الثالثة رغم دوران عقرب الثوانى .
    عندما حاول بعد ذلك أن يفتح أحد الكتب ، تراءت له على الصفحات مشاهد امتهانه ، فأغلق الكتاب بعنف ليهرب منها ، ولكنها ظلت تطارده بلا رحمة . حاول أن يتذكر أشياءه البيضاء : البالطو ووجه الحبيبة والقطة السيامية ، ولكن الذاكرة كانت عصية . فقط كانت بدلة الضابط الرسمية السوداء هى التى تلح على مخيلته . نظر بحنق إلى ساعته وقرر يائساً أن يذهب إلى محل الساعاتى .
    ناوله الساعاتى ساعته وهو يقول له باسماً :
  • الساعة سليمة وليس بها عطب .
    وضعها فى يده بصمت ، ومضى ساهماً . كان ينظر إلى مشاهد الحياة فى الشوارع بعدم اكتراث . البيوت لازالت كئيبة ، والناس لا يزالوا مجرد آلات تتحرك .
    سأله أحد المارة :
  • كم الساعة الآن ؟
    أجاب دون أن ينظر إلى ساعته :
  • الثالثة تماماً .
    نظر إليه السائل فى ذهول ، ثم ابتعد عنه مهرولاً .
    لم يحك لأحد عن وجعه . كان يلتف بصمته ، ويحاول أن يتوارى عن العيون حتى لا يلاحظ أحد شروخ روحه التى كانت تتسع وتتشعب بلا نهاية .

خالد السروجي: كاتب مصري [email protected]

نشر في 22/01/2005 5:30:00

‫0 تعليق