زكي العيلة: حكاية الريـح

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تجهم وجه السلطان ، قطعة ليل مسكونة بالكآبة ، لا أسماء ، لا ناس ، لا طرقات ، لا سماء ، لا أقمار .
كان البحر بقعة شمس يتجمع على حوافها الأولاد والصيادون والعتالون ، وذوو العاهات ينتظرون مواسم الأسماك ، والأصداف ، والريح الناهضة .

يرشق السلطان البحر اللاهي عن أوامره بكلمات تقطر سياطاً :
ـ للمرة الأخيرة أطلب منك أن تأتي زحفاً على بطنك ، فأرا شاحباً هامد العينين مقصوص اللسان .
صدى خشن ، أسياخ تشك أذان الحاشية والحراس والمخبرين ، سكون ينزل دفعة واحدة .
هز السلطان قبضته في غيظ ، رائحة الزنازين والمشانق تشر من أنفاسه ، قال :
ـ لا يزال في مملكتي ، وتحت سمائي من يأبى الطاعة ويرفض تنفيذ أوامري التي لا تُرَد .
صمت ، ضمور ، يغمغم كبير العسكر ، حفنة رغو داهمها المطر بغتة .
يفرقع سوطه المسنون في الهواء ، شهوة احتساء الدم القادم تطفو فوق لسانه .
اعترافات : (1)
ـ … نقر ونعترف أن صلتنا بالبحر صلة وثيقة لا يمكن التنكر لها ، أو النكوص عنها مهما تبدلت الأحوال ، أو تقلبت الأيام ، فالبحر هو اللباس لنا إن عَزّ اللباس ، وهو اللقمة إن عَزت اللقمة ، وعلى هذا نقر ونشهد قبل …..
( تواقيع لصيادين مجهولين لم تتناقل الوكالات خبرهم )
ـ ….. وعلى رؤوس الأشهاد جميعاً أن علاقتنا بالبحر كعلاقة الطفل المولود بأمه ، فمياهه تسري في مساماتنا مسرى النبع الذي لا يمكن المساومة عليه أو استبداله بأي من الخيارات ، أو المبادرات المطروحة سابقاً أو لاحقاً .
(أسماء لبعض من المشوهين وذوي العاهات )
يتدفقون على عكس عصور النفي وأزمنة المصادرة والتقتيل ، ضمادات ، أشرعة ، مواقيت تتشح بذاكرة لا تخطئ ، خارطة لا يشابهها شيء تنهض من دمي ، من دمك ، من دم الشهداء ، العشاق ، النواطير جميعاً .
(إقرار الكاتب نيابة عن الأولاد المحظورين)
مراسيم ، وفرمانات سلطانية سامية : (2)
ـ يتم الحوطة على البحر ويؤمر بتنظيفه من أسماكه كافة باستخدام مختلف العقاقير ، والأسلحة الكيماوية ، حتى لا تُسول لأي ضال نفسه بالاقتراب من ذلك المكان بعد اليوم .
ـ منعاً لانتشار الأوبئة الناجمة عن تلوث البحر من قبل فئة ذوي العاهات ، تُكلَّف جمهرة العوام بنزح المياه ، مع التوصية بإقامة سلسلة من النقاط الاستيطانية فوق الأماكن المجففة .
ـ إتلاف كافة الأعشاب ، والأصداف ، والقواقع البحرية منعاً لعبث الأولاد ، ومضيعة وقتهم


غطس السلطان في كرسيه الفخم محدقاً في التقارير والتوصيات المرفوعة إليه ، طيور سوداء بمناقير معقوفة تصهل في رأسه ، ثمة ارتطامات ، ينتفض ، بلل يلامس قدميه ، رطوبة زاحفة ، صقيع ينمو ، تتطاير التوصيات ، زعيق ، ريح راكضة ، انهيارات ، تنسحق الأبواب ، استغاثات ، عويل ينبعث من غرف القصر وساحاته ، يصرخ ، لا إجابة ، لا صدى ، لا رنين للكلمات ، يبحث عن سوطه ، يتصبب عرقه ، الماء يطـمر كرسيـه ، ماء أحمـر فوار ، الماء قمم تتكاثر ، تنساب من القيعان ، من الجحور ، من الشقوق ، من الملاجئ حبالاً تلتف على عنقه ، يرتجف فأراً هامد اللسان ، ريح ورماد وغبار في حلقه تتقوس نظراته ، تتقوس الحيطان ، ليل مصدع ينز كآبة ورعباً .

كان الصيادون والعتالون والأولاد وذوي العاهات يتدفقون بقعة شمس من كل زاوية ومأوى ، عبر الممكن واللاممكن يأتون ، يختزنون البحر ، يسبكون الموج ويعدون الريح الزاحفة .

هوامش :
· يُرجع العديد من الدارسين هذه الأحداث إلى زمن ما قبل الطوفان الأول ، وهذا تخمين مردود لعدم ورود أي علاقات تشي بمعرفة تلك الحقبة للزنازين والأسلحة الكيماوية ، ونقاط الاستيطان .
1 ـ أمكن اكتشافها وتحليل رموزها المحفورة بالأظافر أو بأشياء حادة يصعب تحديدها ـ قد يكون زرد السلاسل إحداها ـ فوق حائط قبو يرجح إنه كان جزءاً من سجن ضخم .
2 ـ وردت ضمن الملفات السلطانية الخاصة بالعصاة المفسدين من العباد والتي أمكن العثور على نتفٍ منها بمشقة بعد الطوفان الأخير .


زكي العيلة قاص و باحث يقيم في غزة – فلسطين – موقع: zakiaila.com – عنوان بريد: [email protected]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • القصة مقررة باللغة الإنجليزية على طلبة الماجستير في جامعة الأزهر بغزة . زكي العيلة: حكاية الريـح
    بواسطة زوار في 11/01/2005 5:20:00 (50 القراء)

تجهم وجه السلطان ، قطعة ليل مسكونة بالكآبة ، لا أسماء ، لا ناس ، لا طرقات ، لا سماء ، لا أقمار .
كان البحر بقعة شمس يتجمع على حوافها الأولاد والصيادون والعتالون ، وذوو العاهات ينتظرون مواسم الأسماك ، والأصداف ، والريح الناهضة .

يرشق السلطان البحر اللاهي عن أوامره بكلمات تقطر سياطاً :
ـ للمرة الأخيرة أطلب منك أن تأتي زحفاً على بطنك ، فأرا شاحباً هامد العينين مقصوص اللسان .
صدى خشن ، أسياخ تشك أذان الحاشية والحراس والمخبرين ، سكون ينزل دفعة واحدة .
هز السلطان قبضته في غيظ ، رائحة الزنازين والمشانق تشر من أنفاسه ، قال :
ـ لا يزال في مملكتي ، وتحت سمائي من يأبى الطاعة ويرفض تنفيذ أوامري التي لا تُرَد .
صمت ، ضمور ، يغمغم كبير العسكر ، حفنة رغو داهمها المطر بغتة .
يفرقع سوطه المسنون في الهواء ، شهوة احتساء الدم القادم تطفو فوق لسانه .
اعترافات : (1)
ـ … نقر ونعترف أن صلتنا بالبحر صلة وثيقة لا يمكن التنكر لها ، أو النكوص عنها مهما تبدلت الأحوال ، أو تقلبت الأيام ، فالبحر هو اللباس لنا إن عَزّ اللباس ، وهو اللقمة إن عَزت اللقمة ، وعلى هذا نقر ونشهد قبل …..
( تواقيع لصيادين مجهولين لم تتناقل الوكالات خبرهم )
ـ ….. وعلى رؤوس الأشهاد جميعاً أن علاقتنا بالبحر كعلاقة الطفل المولود بأمه ، فمياهه تسري في مساماتنا مسرى النبع الذي لا يمكن المساومة عليه أو استبداله بأي من الخيارات ، أو المبادرات المطروحة سابقاً أو لاحقاً .
(أسماء لبعض من المشوهين وذوي العاهات )
يتدفقون على عكس عصور النفي وأزمنة المصادرة والتقتيل ، ضمادات ، أشرعة ، مواقيت تتشح بذاكرة لا تخطئ ، خارطة لا يشابهها شيء تنهض من دمي ، من دمك ، من دم الشهداء ، العشاق ، النواطير جميعاً .
(إقرار الكاتب نيابة عن الأولاد المحظورين)
مراسيم ، وفرمانات سلطانية سامية : (2)
ـ يتم الحوطة على البحر ويؤمر بتنظيفه من أسماكه كافة باستخدام مختلف العقاقير ، والأسلحة الكيماوية ، حتى لا تُسول لأي ضال نفسه بالاقتراب من ذلك المكان بعد اليوم .
ـ منعاً لانتشار الأوبئة الناجمة عن تلوث البحر من قبل فئة ذوي العاهات ، تُكلَّف جمهرة العوام بنزح المياه ، مع التوصية بإقامة سلسلة من النقاط الاستيطانية فوق الأماكن المجففة .
ـ إتلاف كافة الأعشاب ، والأصداف ، والقواقع البحرية منعاً لعبث الأولاد ، ومضيعة وقتهم


غطس السلطان في كرسيه الفخم محدقاً في التقارير والتوصيات المرفوعة إليه ، طيور سوداء بمناقير معقوفة تصهل في رأسه ، ثمة ارتطامات ، ينتفض ، بلل يلامس قدميه ، رطوبة زاحفة ، صقيع ينمو ، تتطاير التوصيات ، زعيق ، ريح راكضة ، انهيارات ، تنسحق الأبواب ، استغاثات ، عويل ينبعث من غرف القصر وساحاته ، يصرخ ، لا إجابة ، لا صدى ، لا رنين للكلمات ، يبحث عن سوطه ، يتصبب عرقه ، الماء يطـمر كرسيـه ، ماء أحمـر فوار ، الماء قمم تتكاثر ، تنساب من القيعان ، من الجحور ، من الشقوق ، من الملاجئ حبالاً تلتف على عنقه ، يرتجف فأراً هامد اللسان ، ريح ورماد وغبار في حلقه تتقوس نظراته ، تتقوس الحيطان ، ليل مصدع ينز كآبة ورعباً .

كان الصيادون والعتالون والأولاد وذوي العاهات يتدفقون بقعة شمس من كل زاوية ومأوى ، عبر الممكن واللاممكن يأتون ، يختزنون البحر ، يسبكون الموج ويعدون الريح الزاحفة .

هوامش :
· يُرجع العديد من الدارسين هذه الأحداث إلى زمن ما قبل الطوفان الأول ، وهذا تخمين مردود لعدم ورود أي علاقات تشي بمعرفة تلك الحقبة للزنازين والأسلحة الكيماوية ، ونقاط الاستيطان .
1 ـ أمكن اكتشافها وتحليل رموزها المحفورة بالأظافر أو بأشياء حادة يصعب تحديدها ـ قد يكون زرد السلاسل إحداها ـ فوق حائط قبو يرجح إنه كان جزءاً من سجن ضخم .
2 ـ وردت ضمن الملفات السلطانية الخاصة بالعصاة المفسدين من العباد والتي أمكن العثور على نتفٍ منها بمشقة بعد الطوفان الأخير .


زكي العيلة قاص و باحث يقيم في غزة – فلسطين – موقع: zakiaila.com – عنوان بريد: [email protected]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • القصة مقررة باللغة الإنجليزية على طلبة الماجستير في جامعة الأزهر بغزة .


نشر في 11/01/2005 5:20:00

‫0 تعليق