محمد العريشية: تحت شجرة السـدر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


نصوص سردية

  • كنت قد انتظرته طويلاً في “أبو قرين” عند مخزن التبن، اقبل وحيداً كما توقعته، أوقف عربته، واقعى على جانب الطريق ليتبول ثم أشار إليّ بيده.
  • إلى أين؟
  • شيء اسمه “علاج”.
  • وماذا لديك هناك حتى الموت هجرها؟.
  • أبحث عن رجل يدعى أبو سيف.
    صمت هنيهة ثم ضحك ومزقت ضحكته الهواء الساكن، أدركت أن توالي السنين قد فعلت فعلتها في ثلم حدسه وقال:
  • أبو سيف كالهامة العمياء يزحف بين “علاج” و”شاش”.
  • لماذا؟
    تردد اليوسفي وهو ينظر إلى وجهي أكثر من مراقبة الطريق ثم قال أخيراً:
  • لكثرة ما في رأسه من سموم.
  • يقال إنه عاش سلسلة مآسي.
    صمت ودس يده في خرج قربه وأخرج كيس تمر، وضعه أمامي وحشى فمه بحبات تمر ومضغها على مهل وقال:
  • نعم، لم يبلغ العاشرة حتى دهم “علاج” قطاع طرق، أحرقوا لحى الرجال وبقروا بطون النساء وذبحوا كل من تهدج صوته حتى فاض البئر الثقيل بالدم، ولم تتوقف المجزرة إلى أن وقف إزاء زعيمهم رافعاً يده في وجهه.
  • ومن كان زعيمهم ؟
    خلل أسنانه بأصابعه وأردف:
  • ومن يعلم؟
    كان ينظر إليّ باهتمام.. ثم رفع عصاه وهوى بها مرات على ظهر الحمار وهو يصيح:
  • ما بك؟ كل يا رجل.. كل ولا تهتم.. إن لم تجده هناك ستجد آثار زحفه بين أشجار الرتم.. انه أبو سيف هامة تمشي على قدمين بإمكانه أن يحدد مكانك على مسيرة يوم ويزدردك لا لشيء سوى أنك تود رؤيته.
    نهض أبو سيف.. عقد يديه إلى صدره، ودار حول نفسه بخطوات متوترة، ثم عاد إلى حيث كان يجلس وقال:
  • هل توقعت يوماً أن تُربط على جذع شجرة سدر، وعيناك معصوبتان بكم قميصك.
    ثم جثى على ركبتيه، وحرك الجمر بساطور وأغمده في الجمر بعنف وأردف:
  • ونحن على مسافة من هنا، ذكرت اليوسفي بأني انتظرته طويلاً، فرد برباطة جأش:
  • ستمر بشاش.. وهي الآن منبت الخطر في هذه الأنحاء ولن أتركك تمشي إلى حتفك على قدميك، تريث حتى الصباح، إن البرية تبدل جلدها في الليل.
    توقف فجأة عن الكلام وكوم الجمر فوق الساطور وتابع:
  • حين وصلنا “لبيرات” حاول أن يستدرجني بسذاجته.. أصغيت إليه كي اهتدي إلى الفخ الذي نصبه لي.. تجاوز بيته وضرب الحمار بضراوة حين نهق قرب حضيرة أغنامه.
    الوغد، كان يسعى إلى حتفك وحتفه، إنه ثالث أثافيكم، وملامحكم لا تزال محفورة في ذاكرتي منذ أربعين عاماً.. لا زلت أتذكرك بهذا الوجه الكالح الذي يشوهه أنف ضخم كأنه قبضة يد، وهذه الندبة التي تتمدد من عينك اليمنى إلى أسفل ذقنك، وأنت تنحني لعصب عيني أبي بكم قميصه قبل أن يرفع اليوسفي الساطور.
    صمت وحدق طويلاً في الظلام وقال:
  • زعيمكم مات قبل أن أشب عن الطوق، وإن ندمت على شيء هو أني لم أحزّ عنقه بيدي، لكن قد لا تعلم أنني نبشت قبره، كسرت عظامه وأشبعتها حرقاً ما عدا جمجمته فقد جعلت منها إناءً لكلبي.
    امتشق الساطور وقد احمرّ تماماً وقال:
  • لقد تسقّطت أخبارك، أقمت حولاً في “فزان” وأنا أقصّ أثرك كما لو كنت أتابع شاة ودان. في بيت التارقي، تحسّست رقبتك لكن خفت أن يُتهم الرجل بذبحك، وفي غات كنت في مرمى بندقيتي لكن بكاء طفل مفاجيء افقدني صوابي.. وها أنت الآن في هذا الخلاء حيث لا طيراً يحوم ولا دابةً تدب.. عليك أن تتهيأ أنت الآخر لتتجرع عذاب قرية كاملة.
    نهض عند الفجر، ولف عمامته حول رأسه تماماً بحيث لم يظهر منه إلا عينيه، وأخذ يردد “غناوة علم” تشي فحواها بسنوات من الحزن والهمّ، ثم توقف في منتصف الطريق لفرك بقع دم تجمدت على طرف قميصه وواصل طريقه.

محمد العريشية كاتب ليبي [email protected]

نشر في 27/01/2005 5:30:00

‫0 تعليق