آسيا علي موسـى: مربعـــات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

صبري أصبح عاجزا كما هي .
لم اعد املك شيئا أقاوم به .
تقابلني فرحة مبتورة ، حلما معاقا ، أملا ينخر حقيقة مريرة .
أذرع قاعة الانتظار و لا أعلم ماذا أنتظر فعلا ، هل أنتظر المعجزة التي لن تحدث أبدا ، أم الكذبة التي تبدد سخرية القدر و تموه على الواقع .

يدخلون و يخرجون ، يتحدثون ، يتناقشون ، يضحكون أيضا وهم يشخصون حالة مستعصية .
أنا أقف برهة ، أحدق بعمق في البلاط ، مربعا ته المتناوبة الألوان ، لون فاتح ولون غامق،،
يوم أبيض و يوم أسود،، لكن كيف كانت البداية هل هي أبيضا أم أسودا ؟ أبحث عن بداية الرواق ، أمشي متلصصا بفكرة غريبة، أين البداية يا ترى ؟
أصل نهاية الرواق .
كم مربعا مشيت ؟ إذا عددتها مثنى وجدتها مائة ، لكن المائة تخلط اللونين ، علي أن أفصل ، يا هذا يا ذاك ، لعبة مسلية فعلا .
كم عدد المربعات ؟ عن أي مربعات أتحدث ،مربعات الرواق أم مربعات حياتي ؟
مربعات حياتي لا يمكنني عدها ، كثيرة فيها كانت سوداء و كثيرة أيضا كانت بيضاء ..
الأتعس أنها كلها مربعات حصرت فرحة أو شجن.
لا شيء يخترق أضلع المربعات المتساوية الخيبات.
كل مرة اخترقت فيها حياتي نظام المضلع المنتظم بدقة ، دفعت ثمنا ما ، جنحة كان علي أن أسدد فاتورتها قهرا..
لا تتخطى الحواجز الممنوعة مهما كان الحلم ملحا مهما كان الإغراء جميلا .
لكنني فعلت و ها أنا أعود أقفز ،، لا ،ادفع إلى داخل المربع الذي تخطيت بكل عنف ..
أجلس الآن على كرسي الانتظار ،،عجوز بجواري ترفع يديها إلى السماء،، تتشبث هي بأضلع المربع طائعة ، أحدجها بنظرة ، أحسدها على ولائها و إذعانها.
رجل آخر يقابلني على كرسي آخر ، يضع رأسه بين يديه و يحرك رجليه بلا توقف، تتقدم الممرضة نحوه مبتسمة ..

  • مبروك سيدي ، بنت… و الزوجة بخير .
    هب الرجل هبة واحدة بقوة :
  • يبشرك بالخير ، هل يمكنني رؤيتها ؟
    و ارتسمت على سحنته آمال كبيرة ، نقلته بقفزة قدرية من .. مربع الحيرة و الانتظار الأسود إلى مربع الرجاء الأبيض .
    أنا .. ما زلت على حافة تفصل مربعين ، لا أعلم أين مصيري القادم ، رجل مرعوبة بهاجس السقوط و رجل عاجزة على ولوج عالم الرجاء .
    رغم ذلك ، احتمي بالانتظار، أحيانا تكون ساعات الانتظار أرحم من النهايات المجهزة على منطق الأمل .
    انتظرنا عشرين سنة ليحدث الحمل ..

أن يلد الآخرون كما تتوالد الأرانب ، كان نعمة نحسدهم عليها ، رؤية الأطفال في شقاوتهم و جبروتهم ، في قبحهم أحيانا ، كان منحة ننتظرها بشوق أحمق .
كثيرا ما كنا نسخط على الإعلانات التي تقابلنا في المرافق الصحية ، تلك الموائد التي تجمع أشكالا من المخلوقات تبرمج لانقراض الجنس البشري في مخططات تسميها تحسيسية، لتحديد النسل أو.. مسخه.
و بقينا نترنح بين مربع أبيض و آخر أسود .
سنة تجر سنة، لا وجه فيها إلا وجهينا و لا صوت فيها إلا وشوشتنا ، هكذا كنا نتكلم ، نعمة يقول جاري:

  • لا أسمع صوت الصراخ في بيتك ، كثيرا ما أظن أنكم غادرتم ، يا أخي أغبطك على الهدوء الذي تنعم فيه ، لا تتذمر ” عسى أن تكره شيئا وهو خير لك “.
    أنا أتحاشى دخول البيت حتى ينام الأطفال و رغم ذلك أجد أمهم ، مكشرة مشمرة ، تنتظر محاسبتي و تتهمني بللا مسؤولية، و بتعبها من الأطفال و غياب أبيهم ، ما أنت فيه نعمة لا يحس بها إلا من يفقدها.
    كان جاري يجرحني في العمق عن جهل و يحسدني على خير أراه شر ا.
    الوشوشة أم الصراخ؟
    تمنيت صراخ طفل و إصراره على لعبة، على نزهة ، على قطعة حلوى.
    تمنيت أن أسمع شيئا يخرج من صلبي يناديني بابا.
    لا يمكن لجاري أن يفهم أن الفراغ قاتل ، قاتل حتى للصمت.
    انتظرنا المعجزة التي جاءت… بعد سنين.
    تطير بنا من مربع انتظار إلى مربع انتظار آخر ، تنقلنا من ضفة إلى أخرى.
    تسعة أشهر كانت طويلة ، أطول من سنيننا العشرين ..
  • الحمل حساس جدا في هذه السن والمخاطر موجودة ، لابد من متابعة دقيقة.
    قال الطبيب .
    و نفذنا تعاليمه حرفيا …
    جاء اليوم الموعود ..
    جاءت فرحة حذرة ..
    ……………………………………….

ما زلت أعد البلاط ،، و انتظر عودة الطبيب ليخبرني بنتيجة التحاليل .
أريد أن أدخل غرفتها ، أحضنها ، أمسك يدها الصغيرة بين أصابعي الخشنة ، أطبع قبلة على جبينها الناعم ، أحملها بين يدي ، أحضنها إلى صدري ، أريدها أن تبلل ملابسي ،أن أسرع إلى الحفاضات أغيرها، أن أسمع بكاءها وهي ترضع إصبعها باحثة عن صدر أمها ..
الغارقة في الذهول و الحزن ..
أريد أن أسمعها يوما ما تناغي ،، تتلعثم :

  • با… با ..
    تحبو ،، تتعلم المشي ،،خطوة ، خطوة .. وعندما يغلبها جسدها الصغير وتفقد توازنها ، تمد يديها نحوي لأنتشلها و نحن نضحك ، و أنا ألثمها برفق أوأسيها كي تعيد الكرة حتى تتعلم المشي .
    لكنها المربعات اللعينة ..
    الطبيب يعود بأوراقه و وجه لا تعابير فيه ، لا أستطيع الوقوف ، يناديني :
  • اتبعني إلى المكتب .
    دق قلبي بسرعة ،، وراحت قدماي تتخطيان البلاط بغير حساب .
  • اجلس أرجوك .
  • لا افضل الوقوف ، هات ما عندك .
  • آسف سيدي ، لكن كما توقعنا بالفحوصات ، الصغيرة تعاني من إعاقة كلية، مائة بالمائة ، خلل في الدماغ ، خلقي ، لا يمكن شفاءه ، لكن يمكن ، مع ما توصلت إليه البحوثات الطبية،أن تتابع في مراكز مختصة …
    لم اعد أتابع ما يقول ،،خرجت من الغرفة ..
    و قد غرقت في دائرة تيه لا لون لها ..

آسيا علي موسى كاتبة جزائرية
[email protected]

نشر في 25/01/2005 5:30:00

‫0 تعليق