عبد العزيز الراشدي: أوراق القاهرة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

إلى محسن أخريف وعبد الواحد استيتو
(1 )
لم أسأل القاهرة ولم تسألني.لم يمتد الكلام طويلا بيننا .الليل جاوبنا معا وأفصح:ليل مضيء لا ينام.ليل سميك يوزع البرد والبسمات والسحب العابرة لا تهمه.ليل لا يعود الناس فيه على عجل إلى بيوتهم .

قال لي ما قال ومضى :كلام كثير عن ذاكرة طفولتي حين أتحزّم بروائح البساتين والمقاهي التي يرتادها رجال يخططون لشيء ما على الدوام، يتوسطهم توفيق الدقن أو فريد شوقي و تغفر خطاياهم سعاد حسني و نادية لطفي وهند رستم. حين أغفو على كلام الريفيين و”معلمي” الحواري في أفلام بركات و على الريبة والحذر في روايات الحكيم ومحفوظ .حين تدغدغني مواويل الشيخ إمام وهمسات غادة رجب وإيقاعات عبد الوهاب و حزن فريد.لكن الأمر واقعي هذا النهار ، أرُّجُّ الصورة وأتركها في برزخها ، أقبض على حزم الضوء المنسلة من شقوق المباني والشوارع والفنادق والوجوه السمراء الأليفة وأناقش كل من ألقاه في الطريق عن شيء ما كي أسمع الأصوات وتعود طفولتي طازجة فيحدثني كل الناس عن نانسي عجرم وأغنيتها الجديدة التي كسرت الدنيا.أحاول أن أسأل البعض عن الأدب فأعلم أن لكل مقال مقال وأن الأدب زاوية حادة في كل ربوع الأرض.
أُمسك حزم الضوء وتتسارع المباني حولي فينبت الحزن الشفاف ذاته والتأمل ذاته الذي يدهمني كلما رأيت اختلاج الحياة ويفصد ذهني أصوات أسمعها على الطبيعة للمرة الأولى، يساورني شديد الإحساس بأنني متواجد داخل شاشة ،شاشة كبيرة زواياها مترامية .دوري سينمائي ولا شك وكل الناس أدوارهم واضحة .تماما كما حصل لجيم كاري في فلم “ترومان شو” .أتماهى مع اللعبة وأسأل الأحياء الشعبية والمباني التي من شقوقها ينبع الضوء وتصدر الأصوات.أسألها عن فتاة صغيرة أحببتها في طفولتي،كانت تغني وتمثل وتزورني في كل لحظة لتأخذ بيدي كي أزور الست زينب والفيوم لنشرب العناب وعرق السوس ،لنأكل الجمبري و الطعمية و(الذي مِنّه). لا تتعبني الأصوات ولا السيارات التي تسير بجنون ما إن ترى الضوء الأخضر.كل شيء على هامشي يسرُدُ تفاصيله كما لو أني كائن من كائنات شارع عماد الدين .أعيش فوضى خاصة وأحلم بالبدرشين وحبيبتي الصغيرة هناك. أحلم بها تشرب عصير المنجة وتبتسم لي ، أحدق في ملامح الزين الفرعوني المطل من عيون شيرين الكبيرة.شيرين التي أغرمت بمحسن أخريف في مطعم الأكلات الخفيفة.
أتسكع و أسأل الأحياء الشعبية عن جنوبيين قريبين من روحي أعرفهم كما أعرف كفي جيدا جيدا ،جاؤوا إليها ليصنعوا مجدها .أكلمها عن أمل دنقل ومحمد منير ويحيى الطاهر عبد الله فينفتح صدر القاهرة فجأة ولا تعود تكلمني بتكلف بل تحدق في وجهي بجدية وتبوسني حتى أنام…
أمشي في الشوارع و أتعب من طول المسافة فيحضنني كورنيش النيل و أرى العشاق اثنين اثنين يأكلون الترمس والدرة المشوية وأخاف أن أحرك رأسي فأفقد دهشتي بالمكان،أخاف أن تضيع الشاشة كما يحدث لي مرارا مع نصوص وصور وحالات استرخاء حين أبدل وضعي فيفر كل شيء .لا أضحي بسرنمتي في الكورنيش و الميادين، بطيئا أعدها ميدانا ميدانا،أليفة أراها كأنما رأيتها والتقيت المارة في حياة سابقة. ترجني الأحياء الشعبية و تلوِّح لي السيدة زينب والست نفيسة والست أم هاشم وأمشي خفيفا خفيفا فيفوتني الأتوبيس و يغضب مني الأصدقاء.

( 2)
أحدق في الضوء والضباب الخفيف والماء وأقبض على الصور: عباس العبد الملتبس في رواية أحمد العايدي يكسر القيم والنظم كما لا يريد معظم الفقهاء،خالد اسماعيل يرصد هوس الرجال والنساء وطاحونة الوقت ،صعيدي لم يدخل الجامعة الأمريكية يفترش الثرى وأبناءه يلعبون أمامه وخيطه يربط جواميسه الغليضات،عادل إمام ينحدر في عريس من جهة أمنية ولا تعود هيبته تقهرني . أرى مياها تسقط من الأعالي لا أعرف لها مصدرا وأرى بين الإعلان والإعلان إعلانا ثم أرى النيل فيقول لي مرة أخرى تعال أشرَبُ من عطشك. أرى بائع عرق السوس يعزم الناس مجانا. وفي الحسين تشتعل الذاكرة وتتلقفني مقهى الفيشاوي أضم الشاي والشيشة وصيحة الجرسون فيعاودني إحساس الشاشة من جديد و تقول لي الشاعرة التونسية يسرى فراوس الجميلة جدا كالخبز البلدي المصري أن الصور تلعب .الصور تلعب يا عزيز وأنا التي أعرف من أين يأتي الوجع.أرى محجبات يرتدين البسمة ويضحكن من مناظر الأفلام دون عقد .نساء بدينات يُتعبن الباعة من المفاصلة حول الأثمنة.عجلة الشيطان تركب عجلات السيارات.شعراء وقصاصين في كل مكان.كلمنجية في كل واد يهيمون.مرشدون سياحيون يتطوعون لتعديل غطاء الرأس والنوايا.أمناء الشرطة وصور الرئيس.مكتبات غاصة بالكتب. بائع الكوتشينة الذي يمسرح نداءه يلحن بضاعته خطوة خطوة يتقدم ويصيح :الكوتشينة بجنيه. الأوراق بجنيه. البضاعة بجنيه. يعني دي بجنيه…
ألمح بائع الشوك الهندي بملامحه البائسة فأتذكر الوجه ذاته لبائع الهندي الذي اراه في أحياء كزابلانكا الشعبية ،مسحة الحزن على الوجه البسيط و”خلي عند يا بيه” فاعلم أن الحزن العربي واحد .تنعدم الشاشة فجأة ويتلقفني الواقع.
في الطاكسي أتأمل قافا خاصة جدا مختلفة. ينطق السائق سقارة كما تشاء له فكيه .يطلب منا أن نوافيه بشيخ مغربي صارم يعينه على فتح الكنز ،يقول أن سقارة كنوز في كل مكان وأن بوسع المرء أن يتمشى ويجد الكنوز لكن الجني الحارس يهيل التراب على كل الداخلين ولن يردعه سوى شيخ مغربي صارم .الثروة علىثلاثة:لصاحب الكنز ثلث وللشيخ مثله ومثله للوسطاء فما ردكم يا مغاربة؟ .نفكر ونضحك في سرنا من هوسه ونجاريه في اللعبة فيمدح الكرة المغربية و يسألنا عن فاس ومراكش ويمنحنا عناوينا وأرقاما مفيدة جدا.

(3 )
منذ متى والقاهرة في دمي؟ منذ الأزل.يحرك مياهها الزرقاء محمود سعيد وعدلي عبد الرزاق.يخشخش ورقها الشجي في صوت غادة رجب وأمال ماهر.وتربكني بها نصوص منتصر القفاش وميرال الطحاوي والجمالين: الغيطاني والقصاص.لذلك كتبت يوما أوراقا مصرية تكلمت فيها عن صباح علقت القاهرة مبانيها فيه بخيط دقيق وزفت أبناءها دفعة واحدة جهة الياسمين .واليوم أتذكر تلك الأوراق جيدا فتهيج السيارات والبشر وتختلط غيوم المرحلة بانغلاق لا مبرر له. وأسأل المصري من أين ننفذ ؟ولماذا أفقك أخضر يا هلتون رمسيس بينما لا يضحك الإسفلت حتى ولبنى تمشي عليه؟ ما هذا بغموض، فذهني سؤال دائم:السفن حائرة فمن أين ننفذ ؟
الراقصة تسير بهدوء الحجلة ثم تدعو جميع من في الصالة إلى الدبكة لكي ينسى سكارى ستيلا وعمر الخيام أمواجهم. يدبكون ويدبكون ويدبكون فلا تعود غير اللحظة تعنيهم.يصففون النصوص خارج وطن الليل ويعلمون ما ينبغي.
وأقول للقاهرة كلما راودتني :إياكِ نرى وإياك نسمع على مقام الحلم.نستعين بك على بلوغ الصورة مكتملة(هل تهبنا المدن غير وهمها؟).لن أخاف فيك من دروب الهوى ولن أنام حتى أعود.أريدني فيك حتى تنتهي أو ينتهي وهم الحلم.حتى تنتهي وساوسي مع القليل من البرد في واضحة النهار كي لا تتعبني كراسي مقهى الريش.أريد أن يصلح الواقع ما أفسدته صورة الطفولة ومونولوجات اسماعيل ياسين.أريد خصلة من شعر النيل .أريد البدرشين كاملا لا ينقصه عمود كهرباء واحد.
وأصيخ السمع لذاكرتي دائما دائما دائما فلا ابصر بين التزاحم أكثر من وفرة تقهر شساعة الداخل.أدخر شعرية جمال القصاص لوقت الحاجة واحلم بأسكندريته التي لا تزاحم اسكندرية اسامة انور عكاشة سوى في صوت البحارة بثيابهم الفضفاضة يمططون الكلام ويتكلمون عن الفرد بصيغة الجمع .
ثم أسكن بعد التعب في البرزخ.بين الواقع والحلم وتلك حقيقة الكتابة. فأدرك أن الصباح يعلّم القاهرة ألا تقلق ،يعلمها أن توازن بين الاشتغال على اللغة والصورة وبين العيش دون تكلف ،يعلمها التكيف مع وطن يعاشر زوايا هشة دون أن يموت.
و أسير في الشارع لا يتعبني شيء قدر صوت طفولتي الذي يمحيه الواقع،الآن أسأل القاهرة بحزم حين نصل الذروة ونمضع حزن الليل-كما يحدث لي في كل الأمكنة- ويضحك الشاعرخالد مطاوع بطلاقة كيف نحمي صورة المتاهة والطفولة؟كيف نحول العشاق إلى ورق صلب لا تلحسه الريح؟كيف نصفف شعر باسمة التكروري ونعيدها إلى غزة سالمة؟ كيف نرد جميل تيريز بديع التي أرضعتنا حليب المجاز؟ ثم ماذا أفعل الآن.ثمة لحظات تلي معرفة المكان.حين نبدأ الغوص في العادي.هل أهرب الآن؟لكن القاهرة لا تجيبني ولا أجيبها بل الليل يجاوبنا معا إلخ إلخ….

عبد العزيز الراشدي كاتب من المغرب [email protected]
القاهرة-غشت2004


نشر في 8/01/2005 5:20:00

‫0 تعليق