عبد اللطيف عدنان: أبوغريب: حول الصورة الفوتوغرافية كوسيـط

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


دائما و أبدا توجد علاقة معقدة بين اللفظي والمرئي’ تتميز بالمفارقة بين الكلمة المتقلبة المعاني و المتجددة مع كل سياق’ والصورة التي تغني عن ثرثرة الكلام أو على الأقل ألف كلمة منه كما يقول المثل الشائع. اللفظي بالطبع هو كل مقاربة استقرائية لخلل حضاري يحدث مرة أخرى بين الشرق و الغرب؛ و المرئي هو وسيط هذا الخلل’ أي فوتوغرافيات سجن أبو غريب’ التي صورت أبشع ممارسات التعذيب’ و عبرت كعلامات أيقونية على مرجعية ثقافية عنصرية حسبناها تقوضت في زمن الأنثروبولوجيا و تداخل الثقافات. لكن الكتابة حول “أبو غريب” تخرج مجازيا عن قانون المفارقة الفوتوغرافية الذي يحكم كل نص مرافق للصورة الفوتوغرافية حسب المنظر الفرنسي رولان بارث . لأن الكتابة حول أبو غريب تخضع لمنطق السياق العام الذي أنتجها: فهي ممارسة عنف مضاد تجاه عنف الصورة قصد استنطاقها حول

الأسباب و المسببات لعملية إنتاجها’ بغرض الحصول على تصور فهمي عن الخطاب الأيقوني المرافق لأول عملية كولونيالية في الألفية الجديدة.

أحاطت جل المقاربات لأزمة أبو غريب بجوانبه الدرامية بالاقتصار على أبعاد مضمون الصورة؛ منطلقة في طرحها من مادة التعذيب و منتهية في أبعاده السياسية. للأسف تحكم هذه المقاربات على الصورة بسجن آخر هو المضمون العيني الذي يتجلى من خلالها؛ لأنها تنطلق من القناعة الساذجة التي ترى في الصورة الفوتوغرافية معادل تمثيلي للواقع إن لم تكن الواقع نفسه داخل إطار. بيد أنه لا يمكن إهمال الوسيط الفوتوغرافي بهذه البساطة’ خصوصا و أننا نعيش في زمن أصبحت فيه الصورة عن الواقع أهم من الواقع نفسه. و صارت حقلا معرفيا تطورت النظريات في حيزه من البحث في قوانين خصوصيتها الاستنساخية’ إلى معالجتها كنص مكتمل البنية.
سنركز في هذا الحيز على الصورة كعلامة و مادة دلالية تتفاعل جدليا مع مرجعها الواقعي. سنحاول بمحاولتنا هته الإطلال على أبو غريب من زاوية الخطاب الأيقوني كإضافة’ محدودة في أفق اجتهادنا’ إلى الأدبيات المنتجة حوله كمادة. و طبعا يبقى كل إنتاج ثقافي حول “أبو غريب”‘ مهما اختلفت مقاصده و وجهات نظره و تنوعت أدواته التعبيرية’ ضرورة ملحة بالنسبة لكل عربي يجد لكيانه معنى داخل هويته الحضارية و خصوصيته الثقافية.

أبو غريب كنص فوتوغرافي

بالتأكيد على نصية صور أبو غريب نلفت النظر إلى وسيلة عرض مركبة بنظام من الشفرات مؤسس على قناعات ثقافية بين المرسل و المتلقي بغرض التعبير عن مادة مرجعية معينة. مقاربة “أبو غريب” داخل سياق الخطاب الفوتوغرافي الذي أنتجه كنص يملك خصوصية في مادته التعبيرية’ مغامرة لا تخلو من تحديات. أولها يكمن في تناول الصورة الفوتوغرافية كنص داخل سياق ثقافي يرتبط فيه مصطلح النص بما هو لفظي و لا تحظى فيه الصورة إلا بنصيب المشاهدة و التعليق. و ربما هذا هو السبب الذي جعل أغلب الأدبيات تحول الخطاب عن الصورة كنص text إلى الخطاب عن السياق context المحيط بها. و مقاربة من هذا القبيل تولي أهمية للمرجع دون الوسيط وبالتالي تحذف بعدا جدليا مهما في الاستقراء إن لم يكن شرطه الرئيسي.

ثانيها كون هذا النص’ كخطاب فوتوغرافي’ يتميز بدرجة عالية في سلم الأيقونية لأنه’ عكس الرسم أو النحت’ يملك كعلامة أيقونية نفس خصائص مرجعيتها الواقعية؛ وفي عصر الصورة الرقمية digital أصبحت الشفرة الأيقونية مقياس العلامة فيما تحدثه من “انطباع الواقع” بعد أن كانت القياس الوحيد لمحاكاتها للواقع. و طبعا في سياق التطور المعلوماتي لم تنجوا فوتوغرافيات أبو غريب من السؤال التشكيكي: هل تعبر فعلا عن مرجع واقعي أم هي مجرد واقع احتماليvirtual كما حال الصورة التي اتضح أنها كانت مزيفة؟ كقيمة مادية عينية’ أحدثت صور أبو غريب ضجة سياسية و إعلامية كفيلة بطرح مسألة التشكيك في مصداقيتها جانبا. أما كقيمة ثقافية و نصية تعبيرية’ فإن مسألة العلاقة بين الأصل و المرجع ليس لها أهمية. بغض النظر عن واقعية الحدث’ كونه استنساخا أو إنتاجا رقميا’ معالجة العلامة كفيل لفهم الشروط الثقافية و التاريخية التي أنتجتها. وجود العلامة بالشكل التي هي عليه و المضمون الذي تحمله يغنينا عن التحقيق في المرجع الواقعي لاستنتاج هذه الشروط.

من جهة أخرى يرى البعض أن الكتابة على الصورة تعسف عليها لأنها تنطق بصمت فصيح. هذا الطرح ينطلق من فكرة عن الصورة كعلامة مكتملة و نظير لواقع موضوعها لا يحتاج إلى لفظية توضحه و تسهل إدراكه. فيحين كما يرى فيكتور بورغان تتدخل اللغة حتميا في تجربة كل مشاهدة . فالصورة الفوتوغرافية ترتبط بالنص اللسني كشرط ضروري لتحويل مشهديتها السطحية إلى وحدات للقراءة و التي يقسمها “بارث” إلى مستويين: المستوى الدلالي’ والذي يرتبط بالوضعية السحرية للصورة و قدرتها على احتواء الواقع كما يتجلى للعين؛ والمستوى الإيحائي’ و الذي يرتبط بنصيتها الفوتوغرافية’ كشبكة من الشفراتcodes تنتج معنى حسب قصد وظيفي و منظور محدد.

الحديث عن الوظيفة والمنظور هو بالتالي طرح البعد الأيديولوجي للصورة الفوتوغرافية. و استقراء صور أبو غريب هو تفكيك لمشاهدات معقدة تتفعل من خلال منظار أيديولوجي؛ يرتبط بعضها بالذهني كتعبير عن رؤى جاهزة و مسبقة للموضوع المصور’ و بعضها بالبصري ككيفية توقيع هذه الرؤى بصريا. إضافة إلى الشروط الأيديولوجية لإوالية الوسيط الفوتوغرافي المنتج لهذه المشاهدة’ و التي في فوتوغرافيات أبو غريب تنسجم مع السياق العام لجو التعسف و الاعتداء المرافق لكل عملية كولونيالية.

التعسف من داخل الصورة كمفهوم و ممارسة

في سياق التعسف الكولونيالي لا تغني الصورة عن ألف كلمة فقط فيما تنقله عن واقع الأرضية الخاضعة لهذا التعسف؛ و إنما في كونها وسيطا تعبيريا يملك كمفهوم و ممارسة نفس خصوصيات العملية الكولونيالية. جهاز الصورة’ كما يؤكد جون لويس بودري يجب أن يختبر داخل الإيديولوجيا التي أنتجته كعامل يتم من خلاله عرض الواقع في شكل و مادة كما هو مؤسس ضمنيا حسب شروط تلك الإيديولوجيا. هذه الشروط الإيديولوجية لازالت متضمنة في كل عملية تصوير بغض النظر عن الهدف من وراءها أو طبيعة الموضوع المصور؛ و لها جذور تاريخية تعود لنشأة الصورة بالمفهوم الحداثي حين تطورت عبر “المنظور”perspective The لعملية اختزال للواقع عبر تطويع مشهده للنظرة البشرية.

إن المنظور في مقاييس الرسم والفوتوغرافيا بعد ذلك’ ليس ببساطة بدو الأشياء للعين وفقا لبعدها النسبي؛ و إنما هندسة بصرية وضع قواعدها الرسام ألبيرتي في القرن الخامس عشر. نفس القرن الذي أبدع فيه “كولومبوس” أسلوبا جديدا في الاحتلال اشتق من اسمه و هو الكولونيالية. كان لاختراع ألبيرتي مفعول قوي في إقناع العالم أن النظرة مرتبطة بالموضوع/ المشهد؛ و بالتالي فهي الوحيدة الكفيلة بإنتاج الحقيقة حول العالم المادي و الذهني و عرضه كما هو. وصلت سيطرة المنظور كجهاز للمشاهدة إلى درجة التنكر لحقيقته الاصطناعية ليصبح طريقة عرض طبيعية تعكس الأشياء و تقنعنا ضمنيا أنها معكوسة كما تُشاهد و كما نراها. بمساعدة التقدم السياسي و الاقتصادي الغربي غزت فكرة المنظور عالم العرض لتقسم المعمور جغرافيا بالنسبة ل العين- المركز الأوروبي إلى شرق أقصى و آخر أدنى. و بمساعدة التقدم العلمي تجلى المنظور الألبيرتي في الفكر تحت شعار العقلانية و الموضوعية وضع الغرب من خلاله الشعوب الأخرى في خانة البدائية والمتخلفة و شرعن لنفسه مهمة تحضيرها و تنويرها. اصبح جهاز المنظور سلطة تمارس على المواضيع التي يعكسها و تتجلى هته السلطة في غاية النظرة نفسها في حصر العالم الخارجي بكائناته ومكوناته داخل إطارات مفاهيمية طبقا للبرغماتية المركزية الغربية. و شكل بهذا المحور الرئيسي لثلاث عمليات تعسفية أسقطها الغرب على العالم: الخطاب الفوتوغرافي كمشهد أحادي البؤرة يخضع العالم كموضوع لشروط عين الذات. الاحتلال الكولونيالي كمنظور اقتصادي يطوع العلم كمحيط لسياسة المركز. و أخيرا منظور فكري ومفاهيمي كالاستشراق يعقلن المعمور أو جزأ منه حسب منطق المركز.

ربما لهذا السبب تعتبر الصورة الفوتوغرافية الحقل المعرفي الأكثر استعارة للغة السلطة و العنف في مجال النظرية و اللغة الواصفة. فنجد الناقدة الأمريكية سوزان سونتاغ (1980) تعرف التصوير الفوتوغرافي ك عملية اعتداء واختراق واغتصاب رمزي للآخر. و يضيف رولان بارث في هذا الصدد كون الصورة الفوتوغرافية تجربة مصغرة للموت تكمن في تحويل ذات حية إلى موضوع ميت في جمود أبدي. تعريف بارث و سونتاغ للصورة تنزله ظرفية صور أبو غريب من مجاز التجريد التنظري إلى مستوى لغة تقريرية تعبر عن واقع تراجيدي ملموس. في كل صورة تتموضع عملية اغتصاب فعلي و يتجلى عمل اعتدائي يفرغ الذات البشرية من مضمونها الإنساني و يميتها في وضع لا إنساني شكلا و جوهرا. هذه العلاقة الضمنية بين الصورة والموت تدخل في نفس منطق العملية الحربية بالنسبة للجندي / المصور؛ خصوصا أن لغته تتحمل ازدواج مدلولين ك إطلاق رصاصة والتقاط صورة في دال واحد هو كلمة to shoot.

تبدو هنا متجلية و فعلية علاقة السلطة التي تتواجد دائما بين الذات المصورة ( بكسر الواو) والموضوع المصوّر والتي طالما تحدث عنها المنظرون مجازيا. هذه العلاقة لا تكمن فقط في الوضع السالب للأصل و الوضع الموجب لمن يملك قدرة تحويل هذا الأصل إلى نسخة. بل تتجاوز ذلك إلى علاقة سلطة عسكرية بين ذات تملك الرشاش و الكاميرا الفوتوغرافية معا’ و موضوع جردته الحرب من شروطه الاجتماعية و التعذيب من شروطه الإنسانية. عبر ارتباط الإطلاق الناري و الالتقاط الفوتوغرافي تكون فوتوغرافيات أبو غريب قد أدت مهمتها بالكامل حين أنتجت ذاكرة ذاتية للصورة نفسها و التقليد الأيقوني معا. هذه الفوتوغرافيات أعادت تجسيد الارتباط العضوي بين منظور التصوير و منظور التعسف الكولونيالي الذي تطرقنا له أعلاه.

في السياق الأمريكي يشكل التصوير الفوتوغرافي طقسا و مرافقا ضروريا لكل عملية مسلحة’ سواء كانت هته رحلة قنص’ مجزرة للسكان الأصليين’ أو اعتداء جماعي على الزنوج في “الدلتا”. زيادة إلى صور مماثلة في ظرفها التاريخي لصور أبو غريب كالصور التي التقطها بعض الجنود مع ضحايا حرب الفيتنام. ينضاف أبو غريب إلى الأرشيف الأمريكي الذي يزخر بفوتوغرافيات تجسد مشاهد تعذيب يقف فيها بعض الأمريكيين داخل الصورة موقف الأبطال. و يجمع هذه التجارب الأيقونية ما سماه منظر الفوتوغرافيا الأمريكي و. ج. ت. ميتشل W.J.T.Michell ب “عين السلطة”. تقترن السلطة في هذا السياق بالعين التي تملك أداة المشاهدة و تسقط على الذات التي تشكل موضوع المشاهدة.

في أكثر من مناسبة أشارت سوزان سونتاغ للصورة بكونها كذلك سجن مصغر للواقع. فالسجن هو الواقع الأكثر شبها بالصورة الفوتوغرافية. لأنه واقع معزول داخل إطار فيزيائي معماري وداخل إطار اجتماعي وظيفي كعملية عقابية وتأديبية. كلا الإطارين يتحققان تبعا لمنظومة أيديولوجية و بالتالي تسقط عليهما صبغة التعسف وفرض السلطة حسب ميشيل فوكو. يتحقق أبو غريب كسجن من خلال الصورة و يخرج للواقع كصورة فقط من خلال حقيقته كسجن. و هذه الصور كما هي آلة للذاكرة الآنية هي إبداع لذاكرة تخترق الزمن إلى الماضي لواقع أبو غريب في عهد الرئيس صدام حسين؛ و إلى المستقبل كعتبة استطلاعية لواقع السجون عامة. الصورة السجن أو السجن الصورة يبقى أبو غريب مرتبطا كمدلول بالدال- الصورة عبر تساقب اللفظ/ الصوة و المعنى/ سجن أبو غريب؛ أي ما هو معروف في حقل اللسانيات ب.onomatopoeia

جيريمي سيفيتس بين “اللحظة المناسبة” و “الحريم الكولونيالي”

فوتوغرافيات أبو غريب فضائية الشكل يعنى فيها بالمشهد أكثر من البعد الزمني التوثيقي. نعني بالدراسة هنا تلك الصور التي تتجلى فيها عملية تحضير وإخراج على مستوى الأوضاع و سلم اللقطات بالخصوص. حيث تسود اللقطة الكاملة المعبرة أكثر عن المشهد كحدث. و “اللقطة الأمريكية” كحل بين اللقطة المتوسطة و اللقطة الكاملة. هناك تغييب مقصود للقطة المكبرة نظرا للشحنة الوجدانية التي تحدث في ذهنية متلقي الصورة’ حتى و إن كان المتلقي الأول لها’ أي عين المجند التي أنتجتها. اللقطة المكبرة هي التي ستحول السجين مرة أخرى إلى إنسان وبالتالي ستلغي مفعول العملية التصويرية التي تموضعه خارج خاصيته الإنسانية. أغلب اللقطات الأمامية للوجه تظهر على شكل “استعارة عبر مسافة” للقطة المكبرة مقترنة بالموضوع /الذات أي وجه المجند. جل اللقطات المكبرة من هذا القبيل تبدوا من خلال خلفية سلبية كتلك اللقطة العامة لأبدان متراكمة على شكل هرم حيث لا تبدوا وجوه هذه الأبدان بالمرة فقط ليتجلى وجه إحدى المجندات. في بعض الصور تتواجد لقطات متباينة الأحجام و الزوايا؛ يبدو فيها الموضوع الانعكاسي لذات المصور في وضع عمودي عبر لقطة كاملة؛ و الموضوع الهدف في وضع أفقي عبر لقطة أمريكية أو متوسطة. من جهة أخرى تتجلى عملية الإخراج في وجود ثيمة محددة و مكررة هي الجنس. كل مشهد يعبر عن وضعية بورنوغرافية للسجناء تتنوع في شكلها من مجرد العري التام’ ممارسة الاستمناء ‘ الحيوانية’ إلى الإيحاء بالجنسية المثلية و الجنس الجماعي.

صور أبو غريب بعناصرها الشكلية و المضامينية تنم عن تصوير فوتوغرافي يراه إدوارد. ت. هال Edward T. Hall (1995 ) كتفاعل بين إدراك الموضوع المصور و امتداد لمشاهدة مسبقة. تصير الصورة رؤية من الجانبين البصري والمعرفي . و بتفكيك الشفرتين الأيقونوغرافية و الإدراكية المعرفية لصور أبو غريب ( حسب تصنيف الشفرات ل أمبرتو إيكو) يمكن التعرية على وجود إطار مرجعي استند إليه جيريمي سيفيتس’ ملتقط الصور’ في تجربته الفوتوغرافية ذات البعد الإجرامي. و يتجلى هذا المرجع أسلوبيا من خلال التصميم و اختيار الأوضاع و حجم اللقطات؛ و معرفيا من خلال إخراجه لصور ذهنية كرسها الاستشراق عن الرجولة العربية و التي ترى في الجنس قمة الإهانة و الإذلال ( أنظر مقال أمجد ناصر ” الدليل الأمريكي إلى العقل العربي” في عموده بالقدس العربي’ عدد الجمعة 22 مايو). إن لم تكن هذه المرجعية مقصودة فهي لا شعورية’ و الحالة هته’ تبقى أكثر خطورة.

إن رؤية صور أبو غريب على ضوء صور أخرى أو نصوص أخرى خاصة الأدبية الاستشراقية منها’ هو ما يجعلها تستعيد سلطتها السميائية التي تضيع في صمت المشاهدة و المباشرة من جهة’ و في غوغاء المحاكمات العسكرية و تحاليل المؤسسة الأمريكية المتميزة بالتبسيط الساذج للدوافع السلوكية وراء إنتاجها. على مستوى الشفرة الإدراكية و المعرفية تتحدد علاقة صور أبو غريب بالخطاب الاستشراقي باستعمال هذا الأخير كعامل خارج نصي ضروري لاستقراء نصيتها المشهدية. و هذا ما نبه إليه أمجد ناصر في مقاله المذكور أعلاه. فهذه الصور أكثر تعقيدا من كونها مجرد إضاءة للخطاب الاستشراقي. لأن هذا الأخير أداة تشفيرية لا غنى عنها في تفكيك هذه الصور.

في أبو غريب تلتقي الأرشفة الفوتوغرافية للكولونيالية الأمريكية مع مثيلتها في الكولونيالية القديمة عبر تبني الخطاب الاستشراقي الذي يعرض أرضية الآخر كمكان طوباوي تتوفر فيه بغزارة إمكانية تلبية الرغبات التي تتعذر تلبيتها في الواقع السوسيوسياسي للقائم بالعملية الكولونيالية ( بناء على استنتاج رابرت ستام في مؤلفه “المركزية الأروبية اللا مفكر فيها” (1994). إلا أن أيقونوغرافية أبو غريب طورت الخطاب الإستشراقي و استعملته كبنية مرجعية لصياغة خطاب جديد لا يكتفي بتجسيد الفانتازيا الجمعية الكولونيالية فقط’ بل يساهم في صياغة مفاهيمية للموضوع حسب المتخيل السياسي كذلك. ليس مستبعدا أن نرى في أبو غريب مشروع صياغة لواقع سيكوسوسيولوجي عربي يسبق ويعبد الطريق لمشروع صياغة واقع جيوسياسي خارطة “الشرق الأوسط الكبير”.

من جهة أخرى’ قلبت صور أبو غريب التنميطات الاستشراقية بما هو معاكس لها لتضيف إليها شحنة دلالية أكثر فعالية من الدلالة الأصلية : فعوض صورة الفحل العربي وهو يتوسط حريمه كما في بعض البطاقات البريدية القديمة’ نجد صورة مجندة أمريكية أمام هرم من الأجساد الذكورية العارية و هي تعبث بأعضائهم التناسلية. وعوض الصور الشبه بورنوغرافية للبدوية الملثمة بصدر عار كما في مجموعة الحريم الكولونيالي (1986) و التي علق عليها الفنان الجزائري مالك علولة بخطاب مضاد’ نجد صور رجال عراة إل ا من الرأس المغطى كاملا’ و في أوضاع جنسية مثلية شاذة جدا.

على مستوى التشفير الأيقونوغرافي تستند صور أبو غريب في تركيبها الشكلي و توظيفها المضاميني لأبعاد بورنوغرافية على مرجعية فوتوغرافية تتشكل من بعض صور مجموعة الفوتوغرافيات المعنونة ب “اللحظة المناسبة” The Perfect Moment للفنان الأمريكي روبرت ميبلثوربRobert Mapplethorpe و التي أثارت و لازالت تثير جدلا قانونيا حول حرية التعبير و الرقابة. استعمل ميبلثورب الجنس فوتوغرافيا من خلال رؤية ليبيرالية تنظر له كأداة تواصل و تعبير؛ و بالتالي احتفظ له ببعده الإنساني و الوظيفي. في حين كان جيريمي سيفيتس ينظر للجنس من منظار محافظ و متطرف حين استعمله كأداة للإهانة و الإذلال. في الوقت الذي رسخ ميبلثورب لرؤيته وجوه لمشاهير معروفة للمتلقي؛ فإنه عبر عن وجهة نظر في الموضوع يتقاسمها بفخر مع غيره من صفوة الفنانين و المثقفين الأمريكيين و خصوصا اليساريين منهم. في حين ابتعدت عدسة سيفيتس عن وجوه مواضيعه لكي لا يواجه في نظرتها انعكاسا لجريمته ونواياه السادية.

بناء على هذه المناصصة الأسلوبية بين سيفيتس و ميبلثورب نجد صور أبو غريب أحسن تعبير عن واقع الرقابة و نسبية مقاييسها في ما هو مسموح به و ممنوع داخل المؤسسة الأمريكية. فصور أبو غريب تخضع لمعايير الخلاعة التي قيست بها مجموعة ” اللحظة المناسبة” في إحدى السجالات القانونية بكونها صور تثير الامتعاض عبر المبالغة في العنف و التجسيد البورنوغرافي بكل أبعاده. هذه المقاييس حددت في خضم ضجة قانونية و إعلامية كان وراءها اليمين المحافظ’ و بسببها تم إلغاء عرض المجموعة في عدة قاعات بالولايات المتحدة. نفس الاطروحة اليمينية المحافظة التي كانت ضد معرض ميبلثورب هي التي حشدت الجنود لغزو العراق و سمحت’ إن لم تشجع ضمنيا أو رمزيا’ على خلق بيئة يعاد فيها إنتاج هذه الفوتوغرافيات بكل مقاييس خلاعتها. من جهة أخرى’ استعمل البعد الجنسي الميبلثوربي في سياق أبو غريب بالسلبية التي أوقعها في ذهنية اليمين المتطرف داخل أمريكا. و بالتالي كانت وظيفته التناصية هي ترحيل هذه السلبية إلى أرضية الصراع للتسطير على بعد مضاميني استشراقي جديد. و بالتالي فلا علاقة لها بأي بعد جمالي أو توقيع فني كما في السند الميبلثروبي.

كخلاصة: “خصام الصور”

أبو غريب السجن’ أبو غريب الصورة’ أزمة عربية جغرافيا و فكريا و لا يمكن أن تزول في تحويل أبو غريب إلى “مخيم الحرية” أو ” مخيم الخلاص” ولا في محاكمة الأطراف المسؤولة و تعويض الضحايا ب 25 دولارا. هذه التحولات تمس الواقع المرجعي و لا تمس الصورة. و أبو غريب كأزمة ظهرت للوجود من خلال الصورة التي عبرت عن واقع ذهني أيديولوجي أكثر مما عبرت عن حدث إجرامي ظرفي. هذه الصورة التي لم تمحي بعد التجارب الكولونيالية السابقة بل زادت قوة إشعاعها وتأثيرها على المتلقي الغربي الذي يقضي أمام الشاشة تسعين في المائة من وقت فراغه.

أثناء الاعتداء الأمريكي الأول على العراق ترددت كثيرا مقولة أن الحرب كانت تدور على الشاشة أكثر من الواقع نفسه. صارت تتردد في المسامع مرة أخرى مقولة مارشال ماكلوهان الشهيرة عن الرسالة كوسيط و الوسيط كرسالة. و السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا استفدنا من الدرس الإعلامي الذي خلفه الاعتداء الأول؟ طبعا ظهرت الفضائيات العربية في الارسال والتلقي و الفضائية فقط في ما تبثه من شرائط جهادية و مشاهد للذبح تقدم لليمين الأمريكي خدمة إعلامية لا تقدمها حتى قناة “فاكس” FOX ذات التوجه اليميني؛ و تعفي مجندو هولييود من فبركة فيديوهات رقمية تعرض الاسلام كخطاب للعنف والرجعية وتغدي الفوبيا الغربية.

و اليوم مع اعتداء آخر على العراق يتكرر السؤال نفسه’ و في علاقته مع موضوع الصورة مرة أخرى. من المسؤول عن فكرة الغرب عنا والتي تجلت للعيان في فوتوغرافيات أبو غريب’ هل نحن أم الغرب نفسه؟

إنها أزمة الرسالة والوسيط مرة أخرى.

على ضوء أزمة الوسائط هته يظل كتاب هذه الحرب ليس “دروس المديولوجيا” لرجيس ديبري و لا مؤلف بيير بورديو عن الحرب والصورة و إنما رواية “خصام الصور” للكاتب و الأكاديمي المغربي عبد الفتاح كيليتو لانها تذكرنا في مقدمتها أننا لا نملك تقليد أيقونوغرافي بعد. و أن صورنا بالمفهوم الأيقونوغرافي لم تقطع أشواطا في التطور كما قطعتها صورنا الشعرية بالمفهوم اللسني. و كنتيجة’لحد الساعة لا نملك صورة عربية مضادة تضاهي في قوة خاصيتها التعبيرية بيت لدرويش أو أدونيس. أو كتاب للمرحوم إدوارد سعيد’ أو أطروحة لعبدالله العروي.

أزمة أبو غريب هي أزمة الصورة العربية. الصورة العربية في المخيلة الغربية. و الصورة العربية كإنتاج سمعي- بصري لم يبرمج بعد لاختراق هته المخيلة.

هيوستن 2004

عن جريدة العلم المغربية – إرسال: عبد العالي بركـات

نشر في 31/10/2004 6:36:00

‫0 تعليق