محمد العباس: البحث عن ضالة إيروسيـة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في مجادلته للوحدة الأصيلة بين الصوت والكتابة، يفصل جاك دريدا بين كتابتين: حسنة وأخرى سيئة، فالكتابة الحسنة الطبيعية، برأيه، هي تلك المنبثة من خط إلهي في القلب والروح، التي تجهد لمفارقة مقابلها المدّبر في الخارج، أو ما يسميه الفاحش، المصنّع، التقني، المنفي في برانية الجسد.

في ذلك المركز الجوهراني تتأسس نيات ومقاصد النص الشعري الأنثوي، فالقصيدة بالنسبة للمرأة حالة تعاش وتقترف إلى أقصاها، أكثر مما تنكتب أو تتوهم، فعلاقة الشاعرة باللغة حسية، كما تصفها الشاعرة سلوى النعيمي، التي تتعاطاها بمتعة حذرة لتأتي ” الكتابة فعلا طبيعيا مجردا وملموسا معا ” وهكذا تبدو السمة الإيروسية مسبغة على لغة ذلك النص المشبع حد الإغراق في الإستيهامي كمعادل لتطرفات المخيالي، أو ما يسمي جورج باتاي إلحاحه الإيروسي، الإقرار بالحياة حتى الموت، فهذا الهاجس يعمل كطارد للموت، ومؤانس لإطالة حياة الشاعرة، أو التخفيف من إحساسها بسطوة الزمن.
هكذا تحال اللغة في النص الشعري الأنثوي إلى لعبة إيروسية، أما محلها – أي القصيدة – فهو الجسد، بما هو علامة الفرد، أو بنيته الرمزية، على اعتبار أنه ” إستعارة ” كما ينقل ديفيد لوبرتون عن بيار فيديدا في كتابه ” انثربولوجيا الجسد والحداثة ” بحيث يكون وهما فاعلا، فهو شفاف لصور اللاشعور وأوردة إيروس، التي تسقي أعضاء أو وظائف الجهاز العضوي، فأعضاء الجسد، بتصوره، وحتى أوضاعه، ومواقفه تنخرط بشكل بدائي في المشهد الخيالي للهلوسات الأكثر بدائية.
من تلك الزاوية الإستعارية، أعتبرت ” المازوخية ” بمعناها الشهوي، أي كحاجة أنثوية للتألم، رغبة مموهة لتحقيق إشباعات إيروسية، بالنظر إلى أن المرأة كائن ذاتوي النزعة، لا يخشى الألم الإنساني، بل يعليه، ويبالغ في أهميته، على حساب الموضوعية كمعطى عقلاني، بالنظر إلى أن للإيروسية سمة الوهم العلوي المؤسس على معنى إنعتاقي، وهكذا تكون ” أنا ” الشاعرة على وجه التخصيص الأنثوي، كما ينم نصها، مكانا لمواءمة أصالة الطبع بالرغبة التهويمية في السعادة، وهذا ما تختصره جويس منصور شعرا في نصها ” تنجيم ” :
لا أعرف الجحيم
لكن جسدي يتقد منذ مولدي
ما من شيطان يؤجج أحقادي
ما من كائن خرافي يلاحقني
لكن الكلمة تتحول إلى حشرة مؤذية بين شفتيّ
وعظم عانتي جد الحساس للمطر
هكذا تتورط الشاعرة في ثيمة العشق – نصا وواقعا – الذي ينحى كخطاب إلى تأكيد إيروسية الغائب، أو اللامرئي، وحتى مستحيل التحقق، لئلا تتحول، بسبب ذلك الشح أو العدم العاطفي، إلى مجرد شيء، فالذات الأنثوية الشاعرة متطلعة ومتطلبة على الدوام، لكنها محكومة بالمعاش، وعلى تلك المناداة تتأسس العملية الشعرية، فديالكتيك الرؤية/اللارؤية هو الكفيل بمضاعفة السطوة الإيروسية في نصها.
تلك الإستعارة النصانية هي ما استوجبت من فرويد الإنزياح عن كفاية الوجود للدليل المادي، والإمعان في قراءة النصي كأعراض، وبالتالي معارضة التصور الطبي للجسد، اللاشخصي، الموجود خارج الزمن، إذ الجسد ” سيرة ذاتية ” تجهد الشاعرة بحمولاته لمواءمة ذاتها بالعالم، من خلال التأسيس لروح إتصالية نقدية، متحررة من ارتكاساتها الذهنية والعاطفية، لتحقيق صيغة التطابق بين منطوقها ومعاشها.
على هذا النسق الإستيهامي العلوي تتحرك سرانية ذلك النص الشعري الأنثوي، بما يتأتى من لذة يئن بها جسد مهجوس بالإنوجاد، ولا تمكث فيه إلا كهوامات، كما تشير الآثار النصية المتوارثة فنيا وشعوريا، فالنرجسية الفائضة في ذلك النص دلالة على رغبة مبيتة وواعية لإضفاء طابع شخصي على الموجودات، تشبه إلى حد كبير نرجسية الحداثة كخطاب، بما هو حجر الزاوية للأساطير الحديثة بتعبير لوبرتون، من حيث تطابقه مع فكرة بودريارد حول النرجسية الموجهة، كتمجيد موجه ووظيفي للجمال باسم استثمار وتبادل الإشارات.
وكتعبير لغوي، يقوم ذلك النص الشعري الأنثوي في جوهره على فكرة النبش الحاد في مكنونات النفس بحثا عن ضالة إيروسية ( روحية/جسدية ) هي بمثابة الوجود الإنساني المقترح من ذات الكائن، لا المعطى بمجانية واعتباطية من قبل ” الآخر ” وهي الوجهة التي أكد عليها هنري هافلوك ايليس بشأن أهمية ” الإيروس ” في نضال الفرد بحثا عن السعادة، فهكذا أرادت سافو تخيل إيروس مقبلا من السماء العالية، في بزة جندي، وتمنته مرة أخرى أن يرج عقلها، كريح جبلية تهب على أشجار السنديان.
هذا ما يعلنه النص الشعري الأنثوي، حتى وإن بدت نضالاته بمثابة الحلم المبهم للقبول بالحياة، كما يحللها بول ريكور، بحيث تكون مجرد فكرة ساذجة لمجموع اللذة التي تتحين بها الذات فرصة التخفيف من وطأة العذاب، أو تعلن رضاها، فيما يقترحها شكلا خاصا بالخرق، أو بالتعالي الإنساني بما هو حالة من التطلع الشامل لكل جوانب التجاوز الإنساني كمنتج أدبي، وفني، وكسلوك أيضا، لتحقيق الإنسجام بين الحاجات الفردية ومتطلبات المجتمع، حتى المفروض منها، بما هي حالات معاشة ومتداولة.
إذن، فالواقعة العاطفية بمتطلباتها الإيروسية، التي تموضع الكائن في مكامن الخطر وتدفعه إلى حافة الحياة، هي الدعامة البنيوية لشعرية ذلك النص، أو هذا ما يتبدى عند اختبار تلك الموجة من الأصوات على محك الحداثة بكل تطرفاتها التعبيرية، ووفق بناها الشعورية، المقاربة بمعطيات اللحظة، على اعتبار أن الحداثة هي صيغة من الصيغ التي تقترح بها الذات حراكها أو حضورها الحاد على خط الزمن، من حيث تحرير المعاني والقيم من تاريخانيتهما.
يتأكد هذا الحضور الفاعل عند النظر إلى ما يلعبه الجنس في الأدب الكلاسيكي والرومانتيكي مقارنة مع الأدب الأحدث، من حيث علاقة ذلك النمط الإبداعي بالإيروسية، فالجنس يأخذ شكلا مصعدا ومتساميا إلى أبعد الحدود، فيما يكون فعل الحب بمثابة التدمير، لا بمعنى أخلاقي أو سوسيولوجي، بتصور هربرت ماركوز، وإنما بمعنى انطولوجي، فهو تدمير يتعالى على الخير والشر، وعلى أخلاق المجتمع، وبالتالي فهو غير قابل لأن يمت بصلة الى مبدأ الواقع القائم، ذلك المبدأ الذي يرفضه إيروس وينبذه، على اعتبار أن الحياة الخاصة هي الأس الذي تقوم عليه منظومة القيم الأساسية للحداثة، بما هي حالة لإنتاج الأحاسيس الجديدة، التي يتم بموجبها اكتشاف الذات ، وتحقيق الرفاهية الجسدية.
بهذا المعنى يغدو الشعر العاطفي، الأنثوي والذكوري على حد سواء، حداثي النزعة في جوهره، من حيث كون الجسد بمعانية المتعددة، وما عرف بالثورة الجنسية تحديدا، أصلا تكوينيا لخطاب الحداثة، حيث اقتراب الكائن من الأرضي، ومن حيث إلحاح النص الشعري الأنثوي في هذا المجال على تفعيل مناطق اللاوعي، أو إعادة الإعتبار لها، لتعطيل مساحة عريضة من تقاليد الرومانتيكية الرافلة في مفهوم الشعر من أجل الشعر، ورد دعاوى الإلهام الشعري الفوق-بشري، أوالمنّزل، قبالة الشعر المنتج من الذات الحية كفعل وجود.
ثمة الحاح إيروسي ضاغط بالتأكيد في النص الأنثوي يستمد سطوته من الحسي مباشرة، إذ لا يمكن حصر خطاب المرأة الشعري في محدودية التعبير اللفظي، حتى وإن كان هذا هو المدخل، فلا بد من تأمل شكل التمثل البصري والتعبير الحركي أيضا، فحسب فرانسوا سوليسم في ” شعرية المرأة ” هنالك إشارات جنسية صريحة وضمنية بعيدة الدلالة في خطابها الحياتي، وشكل حضورها الأدائي ( سلوكها ، وملابسها ، وكلامها ، وطعامها ) يتبدى حتى في شكل تسريحتها، ونوع حليها، وطريقة تدبير منزلها، فيما يسميه إيروسية الشوكولاته، والملابس ( الداخلية والخارجية ) والمظلة، والمنديل، والعطر إذ يصعب التغاضي عن كل تلك العلامات الملحة، عند تأمل مجريات نص أي شاعرة، وتأمل أنساقه اللفظية الصريحة أو الباطنية الغائرة، وهو بكل تأكيد يمد سرانية النص الأنثوي بالروح حد الإستبداد به.
أما التورط النسوي الكثيف في ديالكتيك الحداثة وما بعدها، المؤسس على سيكولوجية إستثنائية للجملة الأنثوية، فلم يسهم في ضبط انفلاتات هذه المفاهيم وحسب بل عجّل في تدمير ما تبقى من مقومات الرومانتيكية، على اعتبار أن مفاهيم الحداثة وما بعدها هي ثقافة تضع الإنسان موضع الدراسة، وتندرج ضمن ثقافة التمرد والفردانية، وتفتيت فوقية الثقافة، وطبقية النص إلى تشطيات وألوان تأخذ حراكها على أديم الحرية، وتمثل الذات بكل عنفوانها وكيميائيتها البشرية، بنفس القدر الذي تلامس فيه الإشتراطات التاريخية.
ذلك هو ما تبدى في الشكل الشعري الأنثوي، المتداول كمقترح تعبيري عن الوجود، من حيث إقترابه من المقومات المادية، وخلع سمة الإستلاب عن تعاليات الفن الكلاسيكي، تلك التي كانت تحمي التناقض وتبقي على المسافة القائمة بين الذاتي والموضوعي، وبين المتوهم والمعاش، وأيضا بين النخبوي والجماهيري حتى في صورته الشعبية، أو ما عرف بصراع الفن الطليعي قبالة طغيان التعبير السوقي عن الوجود الإنساني، فالكتابة تبدو هنا، بتصور بارت ،فكرا متعاليا على ديكور الكلمات، وتجاوزا لكل أحوال الترسيخ التدريجي، وعلى ذلك يستنكر الكتابة بطريقة أدبية في المجتمع البرجوازي فهذا يعني التواطؤ على التقسيم الطبقي.
هذا هو المنجز الذي حققه الفن الأحدث عموما بتصور هربرت ماركوز في كتابه ” الإنسان ذو البعد الواحد ” حين أصبح شكل العمل الأدبي أو الفني طريقا جماليا، ووعدا بالسعادة، بعد أن كان الأدب والفن، وقبل أن يتصالح المجتمع والثقافة، يمثلان الضمير التعيس المنقسم والإخفاقات والآمال غير المتحققة، والوعود المنكوث بها، فقد كانا قوة عقلانية وعرفانية، يكشفان، برأيه، عن بعد الإنسان والطبيعة يقمعه الواقع ويردعه، وكانت حقيقتهما تكمن في الوهم الذي يوحيان به، في إرادتهما المصرة على خلق عالم علّق إرهاب الحياة وأقصاها عنه وسيطر عليه لأنه عرفه.
تلك هي معجزة الرائعة الأدبية أو الفنية، حسب تحليله للأدب الجديد، الذي يشكل النص الشعري الأنثوي أحد روافده. انها المكابدة حتى النهاية، فبفضل شكل هذا العمل تكتسب الظروف الآنية بعدا جديدا، يبدو فيه الواقع المعطى كما هو، فيقول الحقيقة عندئذ عن نفسه، وتكف لغته عن أن تكون لغة الخيبة والجهل والخنوع، حيث يدعو الخيال الوقائع بأسمائها فينهار ملكوتها، وهو يبلبل أركان التجربة اليومية ويبين أنها زائفة ومشوهة، ولكن الفن لا يمتلك هذه القدرة السحرية إلا عندما يكون هو نفسه قدرة على النفي. وهو لا يستطيع أن يتكلم لغته الخاصة إلا عندما تكون الرموز التي تدحض وترفض النظام القائم حية لما تمت.
ذلك هو عنوان الارث اللغوي الضاغط كما تقصته روزالند كوارد في مجمل الآثار المادية للصور والكلمات، وهو تماما ما أرادت لورنا سيج – أكثر كتاب السيرة شهرة – التأكيد عليه بعد إعادة قراءة الكتابات النسائية، وهو النفاذ الى جوهر المبدعات بما يشتمل عليه إبداعهن من العناصر الملحة لروح العصر، ومحاولاتهن الدائبة للتملص من ضرورات الكتابة التقليدية، حتى تلك المكرسة فنيا وتاريخيا وحضاريا من خلال أساليب تشكيكية، فخوف الشاعرة من الإنئسار للتكرارات والإستعادات والولاءات يورطها فيما يعرف بمرض ” وعي الذات ” المؤسس في جوهرانيته على الحاحية الإيروسي.
وبالنظر إلى كونه يستمد طاقته من المعاش، والوجود، والتجربة لا من المواضعات اللغوية، والأسس الجمالية المعرّفة، تصعد فعل المطابقة في النص الأنثوي بين العبارة الشعرية والوقائع الشعورية، وفق آليات تقوم على اختراق اللغة، وإزاحة ظاهرية المعنى أيضا، لتتضح الدلالة الكبرى ممثلة في استعادة الكائن الملقى على هامش الحياة، وبالتالي إستعادة صوته المصادر، وتفصيح الخافت منه كنتيجة طردية وطبيعية لاستعادة الدور الإنساني المضيع أو المغيب، أي العودة – بميكانزم استقرائي – إلى طهرانية التصور الأنثوي للوجود، أو براءة الأصل الإبداعي .
هكذا أنجز النص الشعري الأنثوي، بمحاذاة جملة من الخطابات الإنسانية، مهمته الأولى لوصل حقيقة فعل ” المابعد ” الشعري بجوهرانية وجود ” الماقبل ” الانساني ، كما تمثل في السادنة السومرية انهيدوانا ( 2300 ق. م. ) ابنة سرجون الأكدي ، صاحبة أول أثر أدبي ( شعري ) مكتوب في تاريخ البشرية قبل أن تطرد المرأة من الكتابة، حيث تم تذكير التاريخ والصورة بل الذاكرة الانسانية بمجملها، وفق تصميم ذكوري إستحواذي محسوب، لا نتيجة لواقعة عرضية.
هذا ما تعتقده القراءات النسوية، وتتحداه، وتحاول بكل الوسائل إعادة الكائن الأنثوي إلى قلب الحياة، من خلال أنسنة اللغة، كرد فعل على تذكيرها ، بما هي – أي اللغة – ضرب من الفعل والحركة والفكر والتفكير والوعي واللاوعي والتجربة والعاطفة ، بمفهوم جاك دريدا ، والمرحّلة اليوم كنسق من العلامات إلى سياق الكتابة الشعرية، بما تشهده من فورانات شعرية أنثوية متمادية.
إذا، فمهمة إعادة المرأة الى اللغة إنما تعني العودة بها الى الحياة،كرد أنثوي نضالي على فعل التذكير الساطي، لتجعل من الأنوثة فعلا إنسانيا جديرا، ولتشترك بوعيها وشعورها في مهمة إنتاج النص، بما هو فكرة وإحساس، فيما سمته فيسوافا شيمبورسكا ذات قصيدة ” فرح الكتابة ” لتنوجد على أرض الواقع . فداخل ذلك الكائن نداء بحاجة إلى الإصغاء، وربما كان في نص ” تسألني لماذا أنفقت حياتي في الكتابة ؟ ” لسيلفيا بلاث ( 1932 – 1963 ) بعض الجواب:
أكتب وحسب، لأنه
في داخلي، ثمة صوت
لن يهدأ أبدا…

محمد العبـاس: باحث وناقد سعودي // www.m-alabbas.com

نشر في 28/12/2004 8:10:00

‫0 تعليق