زكي العيلة: نوافذ أخرى للبـوح

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

خلسة يتواعدان ، ملهوفاً ينتظرها ، يترقبها ، يلتقيان ، يجتازان ميادين وإشارات مرور حجرية ، يلهثان ، يتوقفان تحت شجرة البونسيانا التي تفترش بطن الرصيف ، خربشات ورسوم تهجع فوق جذعها ، يضيفان حروفاً وقلباً يخترقه سهم مدبب ، زهرات حمراء تتفكك فوق رأسيهما تتناثر خيوطاً على أكتافهما ، يلتصقان ،أوراق المحاضرة الأخيرة تعلو حقيبتها ، علم الاجتماع ، التاريخ ، العمران ، الممالك .

يلامس شعرها المسترسل كُحلاً على ظهرها ، رائحة رغبة ، احتراق ، حورية يرتمي في حضنها باحثاً عن أصوات تناديه عامرة بالوجد والتوق ، تتملص ، تأبى ، عصفور ينفض ريشه ،ينسل باحثاً عن شق ، يرتد أجنحة متعبة.

عيون متطفلة تحملق ، تتحفز ، نظرات يطق منها الشرر تخترق مسامات جلده ، يحس بالعري ، يدور بلا إزار يستر أعضاءه تحت شمس تراوغ ليلاً محشوا ًبالضباب .

الأوراق الخضراء المشرشرة المصفوفة بعناية ترتمي مسجاة مذعورة ، يتسحبـان ، التقاء شارع ديجول بشارع الشهداء (1) أبراج تعطي ظهرها ، نساء بفساتين شفافة ، سراويل مزنوقة ، سيقان مصقولة ، نهود نافرة عرق يمتزج بأصباغ فاقعة داكنة باهتة .

النيونات عريشة تبهر البصر ، تاكسيات يتصاعد منها عطر نفاذ ،

وأغانٍ صاخـبة ، بحر شاسع على بعد أمتار يتقيأ زبداً ورغواً ، هاتف نقال يتحدث ربما عن صفقة وقود ، أو أغذية مضروبة ، ربما يرتب موعداً مع امرأة بلحم وفير متأجج ، تزوم وهى تفتح خزائنها المشتهاة .

يود لو يحدثها عن شارع ديجول ، ومالروا ، وهوجو ، وبودلير ، يصمت ، تصمت ، يفتحان فاهاً يغلقانه في آن واحد ،الكلمات مصابيح مشنوقة فوق الأعمدة ، نوافذ مشروخة ألسنة معقودة ، مربوطة ، هاجعة .

تود لو تحدثه عن شوارع الشهداء والمقهورين ، دمهم الأخضر ، شواهدهم، مزاراتهم ، هل صدفة أن شارع الشهداء يمتد غرباً ليغشى باب البحر ، يحتويه رعشات تغوص وتطفو تمائم متعبة ؟

تود لو تحدثه عن أب لم تره إلا من خلف ثقوب طبقات أسلاك الشبك .

مع الحبو حفظت كلمات ” السبع ، نفحة ، المجدل ، السجون ، باصات الصليب الأحمر ، بنادق الحراس ، الزيارة ممنوعة ” .. تتشبث بالأسلاك ، يجرونها ، تسأل عنه الزوايا المتشحة برائحة الضوء ، تراه مزهواُ يمرق على ناقة بيضاء تفتح الأبواب المصفدة ، يجتاز مغاور وهضاباً ، وهاداً وتلالاً ، فيافي وأمصارا ، يوغل صاعداً في سماوات قصية مهيبة .

صمت يمتد ، البحر مدينة مُسورة بالعظام والجماجم والرغو ، يمضيان بعيداً عن النيونات والسيقان والعيون الملفعة بالفراغ .

على حواف المخيم يلتقيان ، طرق مبقورة البطن ، مقهى فارغ ، قطط ضالة تنتصب فوق حيطان واطئة ، أكوام قمامة ، نجوم دائمة الابتعاد ، شجرة جميزة عتيقة تتوسط المدخل ، ورقها أخضر يسيل ضوءاً لامعاً .

تناوله أوراقها ، يحتضنان الحروف ، شفق أحمر في سواد عينيها ، ناقة بيضاء مزهوة تصك قوائمها أبواباً مصفدة ، أصوات عامرة بالوجد والتوق تناديه ، تسند رأسها على كتفيه ، يلتصقان ، فتنفتح نوافذ أخرى للبوح .


زكي العيلة: مسئول النشر في اتحاد كُتاب فلسطين – البريد الإلكتروني: [email protected] – الموقع: http://zakiaila.com

نشر في 19/10/2004 5:00:00

‫0 تعليق