حمدي البطران: كلب الصـورة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

نصوص سردية
لم يشعر كيف وصل الى الغرفة التى وجد نفسه فيها, ولا متى وصل إليها , أفاق فوجد نفسه فى غرفة نظيفة على جدرانها مناظر طبيعية , فيها النخيل والشمس, وفى الناحية الأخرى صورة لكلب بالحجم الطبيعي.
الكلب جالس على بطنه وأطرافه ممدودة أمامه ولسانه يتدلى من بين الأنياب, وكان متحفزا. خيل إليه لأول وهلة أن الكلب سينقض عليه من الصورة.

اجتاح جسده خوف من الأنياب البارزة , ولكنه سرعان ما أدرك أم ما يراه ما هو إلا صورة لكلب يمد أطرافه , شعر بالأمان وبدأ يستريح.

طافت عيناه بكل أركان الغرفة ابتداء من الجانب الذى يجلس فيه حتى النافذة البعيدة عنه , وبدأ يفكر فى الإبداع اللوني للوحة المرسومة , كانت تتلاءم مع لون الدهان الأخضر فى الغرفة.

حاول التعرف على الجهات الأصلية فى الغرفة , فلم يتمكن , وتوقفت عيناه من جديد على الصورة الناطقة للكلب, وخيل أن يتأهب للقفز عليه.

ازداد خوفه, وحاول عبثا أن يبعد عيناه عن اللسان المتدلي من بين الأنياب. وخيل إليه أن عينيه تنظران الى الكلب نظرات خوف وتوسل ومناجاة .

عاوده الإحساس بالأمان عندما أدرك للمرة الثانية أنه ينظر الى صورة . وأنه ليس بمقدور هذا الكلب المتحفزأن يفعل شيئا أكثر من أن يتطلع إليه . وخيم صمت كثيف على الغرفة. وهو ما أفضى إليه بفكرة اجتاحته وهى أن تلك الصورة لهذا الكلب لم توضع عبثا فى هذا المكان , وأنه لا بد من سبب لوجودها , وأن هذا السبب له علاقة به ويخصه.

حاول أن يتذكر كل علاقة سابقة له بالكلاب. ولكنه لم يعثر إلا على طفولة يكتنفها الغموض مع كلب عقره بعد أن قذفه بحجر. ولم يعثر فى ذاكرته على لون الكلب . وسرعان ما تيقن أنه نفس لون كلب الصورة.

غير أن الكلب الذى يراه الآن وافر الحيوية والصحة. وخيل له ان كلب الصورة سينتقم لزميله الذى قذفه بالحجر من زمن بعيد. وسأل نفسه :

  • هل تتذكر الكلاب العداوات القديمة ؟

وأي عداوة تلك التى تربطه بالكلب الذى رجمه فى طفولة لم تعرف سوى الطهر والنقاء والبراءة؟

لم يعثر فى مخيلته على دليل واحد يبرهن على عداوته للكلاب . وسرعان ما تذكر أنه يكن لهذ النوع من الكائنات كرها لا حدود له يمتد من أعماق النخاع حتى شعر رأسه.

” وقيل لهم – هناك – أن تلك الكلاب مدربة على تدريبا جيدا على نهش المناطق الحساسة بطريقة مهذبة ولطيفة ولا تسبب أى ضرر أكثر من مجرد خدوش , وأنها أعطيت كل أنواع العقاقير التى تقتل الأمراض العالقة بالأنياب أو اللعاب .. وأن تلك المواصفات القياسية للأنياب أقرت بمعرفة المنظمة العالمية لحقوق الإنسان التى لا تجيز تعريض المتهمين لخطر الأمراض الفتاكة من الحيوانات المستخدمة فى إنتزاع الأعترافات .”

أمعن النظر فى الصورة . وفى لحظة خيل إليه أن نوعا من الألفة قد إنعقد بينه وبين كلب الصورة, ورأى أن الكلب يجثم على بطنه فى دعة وأمان , وكما هو محبوس بين جدران الغرفة , فالكلب محبوس مثله فى إطار الصورة. وراق له الشعاع المنبثق من عينى الكلب , وأيقن أن عظمة الفنانين فى عصر النهضة وكل المناهج الفنية الحديثة تعجز عن التوصل الى تلك العلاقة بين وميض عينى الكلب والضوء المتفق على اللوحة , والذى لم يعرف له مصدرا إلا من عينى الكلب, وإستغرق فى فى تأمل اللوحة البديعة التكوين للكلب , تاركا كل ما يبرر وجوده مع كلب الصورة فى غرفة واحدة .

” وكان الثائر المرافق للزعيم يحمل عصاه فى حضرة الملك المخلوع الذى فاضت مشاعره لرؤية واحد من رعياه يقف فى حضرته وفى يده عصا , وبعدها قيل للزعيم الذى ودع الملك أن اللأعداء يتربصون بك ويريدونك حاكما للبلاد. ثم دبروا الخطط لأختطافك, وسجنوه فى القصر, وبعدها إنقضت الجيوش على المدينة التى لم تستسلم ولم يعلن أى مذيع أن الزعيم المسجون سنادى به زعيما ورئيسا للبلاد.

ورحلت الكلاب عن المدينة قبل أن يتفشى فيها الفساد , وبقى الكلب القابع فى الصورة ولسانه يتدلى من بين أنيابه, وله خشونة لذيذة على الأسطح الملساء.

وسأل نفسه:

  • ماذا كان يلعق هذا الكلب قبل أن يوضع فى الصورة ؟

وحيرته الأجابة التى كانت غائبة فى تلال المخ الذى تحجر تحت وطأة الأسلحة التى فتحت نيرانها على أنصار الأمام المخلوع بعد إنهيار سد مأرب وخراب القصر الذى خيل لبلقيس الملكة أنه لجة فكشفت عن ساقيها, وبعدها تكدست الجنيهات فى الجيوب, وأطلقت النيران على كل رجل لا يحمل الخنجر المعقوف , وهتف الجند للقائد الذى أمرهم أن يحضروا له بلقيس أخرى من القاهرة . وصدرت التعليمات بقتل كل امرأة ترتدى الملابس الداخلية. وفتحت السجون والمعتقلات للقضاء على الزحام.

وقيل للناس اعبدوه فى السر , وأعيد بناء سد مأرب على الأفواه والقلوب . وشيدت المدارس والشجون وأعيد بناء الهرم الأكبر من القمة الى القاع . وسأل الزعيم؟

ألم يتكلم أبو الهول ؟ وقيل له : إنه صامت . وسألهم: ألم يعبر عن رأيه فى التنظيم؟ … ولكن الصمت عم الجميع . واحتاروا ماذا يقولون , وصدرت الأوامر باعتقال أبو الهول وألا يذكر اسمه فى التاريخ . وأغلقت الأفواه. إلا أفواه الكلاب التى تنهش اللحوم التى لم توضع لها تسعيرة.

ونظر فى عيني الكلب. وخيل إليه أنه يبتعد عنه، وأن لسانه قد بهت لونه وتدلى. ثم وجد نفسه ينام .
  • حمدي البطران كاتب من مصر
  • [email protected]
  • نشر في 24/09/2004 4:50:00

‫0 تعليق

اترك تعليقاً