سعيد بنكراد: حرب الخليج : السردية ونهاية التاريخ

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

شهد العالم منذ بداية التسعينات تحولات كبيرة شملت كل مناحي الوجود الإنساني، كان من نتائجها المباشرة إعادة النظر في الكثير من المفاهيم الكبرى كـ” الإيديولوجيا” و”الصراع الطبقي” و”القوميات” و”خصوصية الحضارات”…، إلى ما هنالك من المفاهيم التي كانت تعد، إلى الأمس القريب، من المسلمات التي لا يأتيها الباطل من الجهات الأربع. فلم يعد التاريخ، نتيجة هذه التحولات، يسير وفق تدرج هادئ تتم الأحداث داخله استنادا إلى قوانين وقواعد هي من صلب الفعل وموقعه داخل الدفق الزمني الإنساني، بل خضع لعملية توجيه قسري فرضت عليه اتجاها واحدا ووحيدا لا يمكن أن يحيد عنه.

وقد تناسلت في هذا المجال نظريات متعددة بعضها يعلن جهارا عن ” موت الإيديولوجيا”، وبعضها الآخر يتحدث عن ” نهاية التاريخ “، وجهات أخرى – في الشرق والغرب – لا تخفي قناعتها أن ما يحرك التاريخ هو صراع الحضارات لا صراع مصالح اقتصادية، كما آمن بذلك ماركس وأتباعه في القرن التاسع عشر وجزء كبير من القرن العشرين.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتطاول فيها طرف من أطراف الصراع العالمي على جلال التاريخ. ففي القرن الماضي لم يتورع أحد قادة النظام السوفياتي عن التصريح بأن البشرية تنتقل في هذه المرحلة التاريخية من إبدال إلى آخر. فقبل ظهور الاتحاد السوفياتي كان التاريخ في خدمة الاشتراكية، أما بعد ظهوره، فقد أصبحت الاشتراكية هي محرك التاريخ وأداة تطوره. وقبل هذا التاريخ بكثير، حشد الأسكندر المقدوني كل قواه للسيطرة على العالم. ومثله حاولت روما ضم العالم إلى أراضيها الأصلية منها والمغزوة، ولم يكن بناء الإمبراطورية الإسلامية سوى محاولة لتوحيد شعوب العالم قاطبة ضمن غطاء قيمي واحد.

وفكرة ” النهاية” و” التوحيد” المطلق للقيم والفضاء والزمان هي ما نحاول رصدها في الصفحات الآتية. والأمر في تصورنا لا يخرج عن دائرة الإحاطة بفعالية إنسانية قديمة تتلخص في الحكي. والحكي هو الفعل الذي يمكننا من استعادة الوجه المجرد لمجمل السيناريوهات المسبقة التي تتحكم بالضرورة في الوجه الحدثي للقصة، وهي التي تحدد لها وجهتها المتضمنة في الخطاطة السابقة على تحققها فالقصة محكومة، في كل الثقافات، بأشكال قبلية إليها نستند من أجل بلورة كل القصص المخصوصة. وخارج هذه الأشكال لا يمكن أن نتعرف على أي شيء.

وبناء عليه، فإن غايتنا تتلخص في التوصل إلى استنباط بعض قوانين السردية وإكراهاتها انطلاقا من مجموعة من الوقائع التي تنتمي إلى ما يسمى بـ” السردية الطبيعية”، و” السردية الطبيعية مرتبطة بالفعل الذي يحكي سلسلة من الأحداث وقعت فعلا، أو يعتقد المتحدث أنها وقعت فعلا، أو يريد إقناعنا ( وهو كاذب ) أنها وقعت فعلا ” (1). وهذه ” السردية” ليست كذلك إلا في حدود تقابلها مع نوع آخر يُطلق عليه ” السردية الاصطناعية “، أي تلك التي تقدم عوالم تخييلية مبنية وفق غايات لا يحددها سوى المحفل المنتج للنص السردي، وتتميز بكونها لا تتقيد بإكراهات المرجعية المباشرة، وغياب هذه الإحالة لا يعني أن النص السردي يمكن أن يكون في منأى عن الإكراهات التي يتطلبها كل بناء اصطناعي، ذلك أن > التخييل الوحيد الممكن هو التخييل الذي يستند إلى قواعد محددة “. (2)

وتشمل السردية الاصطناعية في حالتنا هذه كل الوقائع المؤسسة لما يسمى بحرب الخليج بنسختيها الأولى والثانية، مضافا إليها كل الحروب الصغيرة التي مازالت تدور رحاها في أماكن متعددة من العالم. وهي حروب تعد روافد تغذي المجرى الأساس للنهر وتمده بما يساعده على شق طريقه نحو مصبه النهائي المتمثل في بناء ” نظام عالمي جديد”، تمهيدا لحل دول العالم واستلام أمريكا للسلطة في الكوكب الأرضي.

وبهذا تكون السردية الطبيعية صيغة توثيقية تسجيلية قريبة جدا مما يُطلق عليه حاليا : “التاريخ المباشر”، ويتعلق الأمر بنشاط تدويني يقوم بالتقاط الوقائع ” الدالة “، ورصد حجمها وامتداداتها وعلاقاتها فيما بينها من أجل استنباط خلاصات عامة تساعد على تحديد الاتجاهات الكبرى لحركية التاريخ.

وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت إلى ” التاريخ الحدثي”، فإن مقولة ” الحدث” ستظل هي حجر الزاوية في كل محاولة تروم الإمساك بالخلاصات المجردة التي تعزل الحياة عن الزمن لكي تتعامل معها باعتبارها سلسلة من الحدود القيمية الموجودة خارج أي سياق..” فحين يضع المؤرخ الحدث ضمن تسلسل زمني معين، فإنه يحوله إلى مادة تاريخية” كما يؤكد ذلك عبد الله العروي، ذلك أن ” الواقعة التاريخية” كيان مبني وليست معطى جاهز.

لذلك فإن الأحداث التي يمكن إحصاؤها ليست سوى الوجه المشخص لسلسة من الوحدات المجردة التي يمكن الحصول عليها من خلال تحويل الفعل عن مظهره المباشر، ليصبح حالة تستخرج منها خلاصات مجردة، منها ما يعود إلى نمط العيش، ومنها ما يعود إلى طبيعة الذهنيات، ومنها ما يُخبر عن المعتقدات الدينية وغير الدينية الخ. وهذا دليل آخر على ” استحالة فصل التاريخ عن المحكي، فهذا الفصل سيؤدي إلى فقدان التاريخ لـ” خصوصيته” ضمن العلوم الإنسانية”(3) ، فالسرد هو أداة التوسط الموضوعي بين عالم القيم المجردة، وبين تحققها في الفعل الإنساني. ودون إدراك هذه الحقيقة ” لن نعرف أبدا أن الشرح التاريخي، يرتبط بالفهم السردي “. (4)

وعلى هذا الأساس، وكما هو الشأن مع السردية الاصطناعية، فإن الأمر يتعلق بقصة تتكون من برامج سردية أساس يقوم بإنجازها بطل مميز، إلا أنها لا تتحقق إلا من خلال إسقاط مجموعة من البرامج الفرعية التي لا قيمة لها إلا في علاقتها بالبرامج الأولى. وفي هذه الحالة نكون أمام سلسلة من الأفعال يتكفل بإنجازها ممثلون ثانويون بلا قدر أو مصير، فلا قيمة لهم إلا داخل الدائرة الأخلاقية التي يحددها العامل الأول، فهو التجسيد الأسمى لمجموعة من القيم الأصلية : الديموقراطية في مقابل الدكتاتورية، السلم في مقابل الإرهاب، الاقتصاد الحر في مقابل الاشتراكية…، إلى ما هنالك من الثنائيات المعروفة المبنية في أغلبها على أسس صحيحة، إلا أنها توظف لخدمة قضايا غير صحيحة.

ولقد أثار انتباهنا الصديق سعيد يقطين إلى هذا الموضوع عندما شارك بمداخلة حول السرد والسياسة في يوم دراسي نظم بكلية الآدب بالرباط في ربيع 2002. وعلى الرغم من اختلاف منطلقاتنا، فإن الغاية من هذه المحاولة تبدو واحدة، ويتعلق الأمر بفهم ما يجري وما جرى، وربما ما سيجري أيضا، انطلاقا مما توفره السرديات من رؤى تحليلية تحاول أن تتعامل مع الفعل الإنساني باعتباره يحمل في ذاته غاية مدرجة ضمن خطية زمنية، أي باعتباره نشاطا يروي أحداثا موجهة نحو بناء عالم معقول، ذلك أن ” الفعل في ذاته لا يمكن أن يكون غاية، بل هو كذلك داخل قصة يمكن أن تروى”. (5)

فالآليات الزمنية التي تعد خلفية التاريخ ومقومه الأساس الذي به يُعرف ويتحدد، تُستوعب، في الحالة التي نناقشها في هذا المقال، داخل شبكة سردية مستوحاة من قواعد سياسية/ إيديولوجية مسبقة تتسم بالشمولية والتجريد. وكل عنصر من عناصر هذه الشبكة ليس سوى استجابة لموقف سياسي تمت بلورته على شكل افتراض عام، أو باعتباره حالة ممكنة التحقق ضمن ” شروط سردية” بعينها.

والحاصل، أن الوقائع كلها ستتحول إلى أحداث مبنية وموجهة لتغذية قصة كبرى هي الوجه الحدثي المرئي لمجمل المواقف السياسية المسقطة كغايات يجب الوصول إليها. والحدث، كما هو شائع عند رواد السرديات ( والمؤرخين أيضا )، لا يمكن أن يكون بداية لشيء ما إلا إذا أمكن استيعابه ضمن خطاطة عامة تقود إلى بناء قصة. وخارج هذا الاحتمال، فإن ” ما وقع” لا يمكن أبدا أن يسمى حدثا.

استنادا إلى هذا التصور، يمكن قراءة الحادثة التي أشارت إليها الصحافة باستحياء شديد. فقد قيل إن المسؤولين العراقيين عندما أخبروا مادلين أولبرايت، وقد كانت حينها سفيرة للولايات المتحدة في العراق، بنيتهم في اجتياح الكويت، ردت قائلة بإن هذا الأمر شأن إقليمي يخص العرب وحدهم ولا يعني الولايات المتحدة الأمريكية.

فالحادثة دالة على أكثر من مستوى. فهي تكشف عن الروابط التي كانت قائمة بين النظام العراقي والولايات المتحدة، وتكشف ثانيا عن براغماتية النظام الأمريكي الذي لا يتورع عن إشعال فتيل حرب مدمرة من أجل براميل النفط، وتكشف، وهذا هو الأساس عندنا، عن محاولة لاستعجال بناء القصة. فالحادثة تشير إلى وظيفة من وظائف الحكي التي تكمن في الدفع بذات ما إلى ” الإخلال بنظام قائم ” مما يستدعي القيام بفعل مضاد يقود إلى إصلاحه.

وهذا ما يشكل حالة من حالات النقص، أو حالة من حالات التحفيز التي تحدث عنها عدد كبير من منظري السرد. والنقص، في منطوق السرد ومفهومه، هو إيقاف لانسيابية ” المتصل” تمهيدا لإحداث شروخ فيه. وتعد هذه الشروخ نقطة بدئية ضمن مسار خاص، هي المؤشر على إمكانية بناء قصة تحيل على عوالم دلالية يمكن الإحاطة بمضامينها جزئيا أو كليا.

وعلى هذا الأساس، فإن التاريخ الذي نعاين ( نعني بذلك الفعل المنتج لأحداث تنتظم ضمن خطاطة موجهة )، هو التاريخ الذي تبنيه الذات المضادة ( من جهة نظر الضحية، ومن جهة نظر التوزيع الخاص بالبرامج الذي يجعل هذه الذات ضمن هذه الزاوية بطلا، ويجعلها من الزاوية الأخرى بطلا مضادا) . وهي ذات تقوم بدور البطل الشرير الذي يعوق نمو قصة أخرى لبناء قصته الخاصة، في انتظار ظهور البطل الحقيقي الذي سيعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، كما تقتضي ذلك كل الإواليات الحكائية المعروفة.

وكما هو الشأن في كل الحالات التي يستدعيها بناء نص سردي يستند إلى وجود قصة يمكن أن تروى، فإن إنجاز ” الفعل العسكري” ( إعلان الحرب) ليس كذلك إلا في حدود إحالته على غاية مثلى هي ” توحيد العالم ” ضمن سقف قيمي واحد يلغي كل القيم الأخرى. ولا يمكن لهذا الأمر أن يتحقق إلا من خلال بناء قصة تشكل أمريكا صوتها السردي الأوحد الذي يحكي، من موقع المشارك في الفعل، أحداثا تُنجز بـ” المباشر “.

إن ” التوحيد ” في هذه الحالة لا يمكن أن يتحقق إلا إذا أمكن بناء قصة توحد كل المصائر والمسارات، ويُقصي في الوقت ذاته كل القصص الأخرى، وذاك هو الشرط الرئيس لبناء عالم ” منسجم”. وكل حالات السرد شاهدة على ذلك. فبناء قصة البطل يفترض تدمير قصة البطل المضاد. وبرنامج الذات ليس كذلك إلا في حدود وجود برنامج مضاد لذات مضادة. وذاك ما تؤكده حالات أخرى، منها ما نصادفه في أروقة المحاكم وقاعاتها، فالنائب العام لا يقوم، وهو يرافع أمام القاضي، سوى بمحاولة تشييد قصة قد تقود المتهم إلى حبل المشنقة. وفي المقابل تجاهد هيئة الدفاع لإعاقة نمو هذه القصة ونسفها من أساسها. وفي الحالتين معا، فإن الشواهد ( الوقائع ) هي العنصر الرئيس في تشكل القصة أو اندحارها.

وهو ما يقدمه المثال الذي نحاول تحليله هنا. فقد انبنت حربا الخليج الأولى والثانية في أدق تفاصيلهما استنادا إلى رهان أساس يقوم على إثبات قصة تروي أحداثا تتمثل في وجود ” بطل” طامح إلى احتلال المنطقة، ويملك أسلحة فتاكة تهدد أمن العالم وسلامه. وهذه الأسلحة أنواع، منها الصواريخ الجبارة والمدافع العملاقة، وأسلحة قادرة على إحداث دمار شامل ( السلاحان النووي والكمياوي )، هذا بالإضافة إلى علاقاته المتعددة مع شبكات الإرهاب الدولي، وعلى رأسها تلك التي تربطه بتنظيم القاعدة. ولهذا استدعى الأمر ( النقص الذي تشير إليه الاستراتيجية السردية) ظهور بطل حقيقي يمثل الخير، سيعلن الحرب على الدجال المعاصر ويرد كيده إلى نحره، ويجنب العالم شروره.

وعلى عكس ما يجري في المحاكم حيث تنبني الدعوى الجنائية على مبدإ يقول بـ ” البينة على من ادعى”، فإن الأمر انبنى في حالتنا على منطق آخر. فقد كان على العراق أن يثبت أنه برىء، أي كان عليه أن يقوم بتدمير كل العناصر التي جعلت القصة أمرا واقعا ( ويدمر في الوقت ذاته ” أسلحة الدمار الشامل”). وبما أن القصة في مجملها هي من نسج خيال مخابرات ” العالم الحر”، فقد استمر السارد حرا يحكي قصته، كما تروى كل القصص التخييلية التي لا تستدعي إثباتا ولا معاينة، ذلك أن التخييل لا يُبنى استنادا إلى مقولة الحقيقة، بل يرتبط بعوالم ” المحتمل”. وحقيقة القصة، من منظور “المحتمل”، توجد في مرجعيتها الداخلية، لا في ما يمكن أن تحيل عليه من خلال تفاصيل أحداثها.

لذلك تلتقي ” السردية الطبيعية” التي من خلالها نحصي أحداث ما يجري في الخليج ومحيطه، بمنطق ” السردية الاصطناعية” من حيث الاحتكام إلى فكرة بناء عوالم قيمية خاصة تستند إلى فكرة أصلية لا تخص سوى المحفل الذي تصدر عنه هذه العوالم. فالضرورة الجمالية ( ضرورة البناء النصي عامة ) قد تلغي ضرورة الإحالة المرجعية ( التعرف على الأحداث بشكل مجزأ عبر الجرائد والفضائيات). وفي هذه الحالة يحق للباث أن يتصور عالما بإمكانه الاستناد إليه من أجل الحكم على العوالم المحيطة به.

لذلك لا يمكن أن ندرك سر الفكرة القائلة بـ” نهاية التاريخ ” إلا من خلال البحث عن ” أصل موحَد وموحِد”. فالنهاية لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا تم تأسيس لحظة بدئية تضع نفسها بديلا عن كل البدايات الأخرى. وفي هذه الحالة، فإن التاريخ لا يمكن أن ” ينتهي ” إلا إذا تعامل مع الزمن باعتباره كما معدودا، أو باعتباره كيانا قابلا لأن ينتظم في سيرورة متصلة لها وجهة واحدة. وبديهي أن حالة من هذا النوع ستقود بالضرورة إلى إدراج كل أحداث الكون ضمن قصة واحدة يحددها مركز واحد. صحيح أن هذه القصة قد تكون لها فروع متعددة، وقد تكون لها امتدادات في اتجاهات متنوعة، إلا أن هذه الفروع ذاتها لا يمكن أن تستمد ماءها ورونقها إلا من نسغ الشجرة الأم والتربة التي تغذي جذورها.

وبما أن الزمن لا يمكن أن يُدرك إلا مرويا، كما يقول ريكور، فإن الرواية ذاتها ليست كونية. فهي لا تغطي سوى جزء يسير من العالم. ذلك أن الزمن الإنساني نفسه ليس كونيا، إنه زمن جزئي لا يغطي سوى حيز بسيط من العالم. ومع ذلك فإنه يشكل الأساس الذي عليه تُقاس كل الأزمنة. أما ما يوجد خارجه فهو ” وقت مستقطع” أو ” وقت بدل ضائع” يعيشه الآخرون على شكل صراع مرير مع لقمة العيش والكوارث الطبيعية والأمراض المتنوعة. إن الزمن التاريخي هو ما يحدث حقا في العالم الغربي.

وذاك منطق كل العقائد قديمها وحديثها. فكل عقيدة تحمل بالضرورة في أحشائها – صراحة أو ضمنا – فكرة النهاية والكم الزمني المعدود. تارة تكون النهاية زمنية بشكل مباشر، كما حدث ذلك في الزمن الحاضر مع حالات الانتحار الجماعي لبعض الطوائف الدينية في الولايات المتحدة واليابان وغيرهما. أو ما حدث في غابر الأزمان، فقد أخبرتنا كتب الدين والأساطير عن عقاب جماعي طال أمما بأكملها، لأنها لم تمتثل للتعاليم. فقد أغرق الطوفان أهل نوح، ودمرت الأعاصير أهل عاد وثمود، كل ذلك حماية لحقيقة واحدة تملكها فئة راشدة.

وتارة تكون النهاية قيمية، وهي نهاية تفترض أن العالم أجمع يجب أن ينضوي تحت مظلة سقف قيمي واحد. واستنادا إلى هذه النهاية صاغ المعتقد اليهودي تصوره لله و” الشعب المختار” والعالم أجمع. وانطلاقا منه أيضا بلورت المسيحية تعاليمها وأسقطت صورة مثلى لعالمي الأرض والسماء وبينهما المسيح المخلص. ولم يكف المسلمون منذ 15 قرنا عن الحديث عن ” خير أمة أخرجت للناس”، فقد رأوا في دينهم العصارة القيمية التي تمثل أحسن ما وصلت إليه البشرية ولا يمكنها أن تأتي بأحسن منه.

” ورأى هيجل في 13 -10 – 1806 نهاية التاريخ، بعد أن تجسد معناه في نابليون بونابارت، الذي جسد روح الثورة الفرنسية، كأن للتاريخ بداية سديمية ونهاية مكتملة أخيرة. ومع أن ماركس نقض ” الفكرة المطلقة” في معادلاتها الذهنية، فقد أعطى التاريخ بدوره نهاية أخرى، يأخذ فيها المجتمع الشيوعي موقع الدولة البروسية، حينا ويُنزل فيها نابليون عن صهوة حصانه حينا آخر. يُفصح الموقفان عن وصول التاريخ إلى ذروته الأخيرة ” .(6)

إن هذا التصور ” الكلياني” للحقيقة والتاريخ والمعرفة مستقى من سجل قيمي موصوف في موسوعة لا تمثل بالضرورة الكون كله. إن الأمر شبيه ببناء قصة تستمد أصولها الدلالية من تقطيع قيمي خاص، ولكنها تدعي الإحالة على كل المرجعيات الممكنة. إن التعاطي مع التاريخ بهذه النظرة، معناه النظر إلى الثقافات المحلية كلها باعتبارها أكسسوارات إضافية، أو فرجة مسلية تذكرنا بالعصور القديمة التي انتهت وانتهى مفعولها.

وفي هذه الحالة، فإن القصة ستتخذ شكل تعاليم دينية صريحة تميز بين الطالح والصالح، وما بينهما إما ” شاة ضالة” وإما “عاص يجب أن يقام عليه الحد”. ولهذا السبب، فإن العالم الذي تبنيه القصة المشار إليها، لا يمكن أن يقود إلا إلى تصنيفات قبلية، تتوزع وفقها الكائنات على خانات لا رابط بينها : هناك الإيجابي ممثل الخير المطلق، وهناك من يدخل ضمن دائرة الشيطان. والأمر في هذه الحالة يتعلق بما يشبه التطهير ” الإيديولوجي” الذي لا يحتفظ من الكون إلا بحقيقة واحدة هي حقيقة البطل السارد الذي يقود الحرب على الشر والأشرار، دون أن يكون هناك ما يؤكد أنه من الأخيار حقا.

وهذا ما يؤكده الخطاب المصاحب للحرب. فالخير بين والشر بين، الخير هو ما تقوله أمريكا وما تفعله وما تدعو إليه، والشر يمثله ” المارقون” و”الإرهابيون ” و” الشيوعيون”، وكل الذين لم يبايعوا بعد أمريكا سلطانا وحيدا على العالم. والحاصل أن خطاب الحداثة والديموقراطية ذاته سيصبح خطابا ملغوما، لأنه مبني على إقصاء أصلي. والحال أن الحداثة لا تستورد، إنها تستثار ضمن المتاح الثقافي المحلي بلغاته، وداخله تلبس لبوسها الجديد. لذلك، فإن الحداثة في مفهوم أمريكا تسمح ببعض الاختيارات وترفض أخرى، فحقيقتها لا تسمح بأكثر من حقيقة واحدة.

وهكذا تبنى العوالم السردية باعتبارها استقطابا ثنائيا يضع الأشرار في جانب والأخيار في جانب آخر، وبينهما تضيع أصوات لا قيمة ولا تأثير لها على الأحداث. إن العالم يُغلف داخل صورة مثلى شبيهة بما كانت تسميه سوزان سليمان بإكراهات الأطروحة في النص السردي. فالقصة المروية تستند إلى غاية أولية، وهو ما يعني أن نهايتها سابقة عليها في الوجود. ومصدر هذه القصة يوجد في حقيقة إيديولوجية أو عقيدة دينية ثابتة أو ما شابه ذلك، لا في ما تشير إليه الأحداث. لهذا فإن ما يروى لا يستدعي سوى تأويل واحد، يقود بالضرورة إلى استخراج قاعدة للفعل. وهذا التأويل عادة ما يصدر عن صوت سردي هو صوت الحق المطلق (7). والخلاصة أن النص يدعو إلى حقيقة كلية تتوزع وفقها الشخصيات على مواقع محددة داخل حقيقة يبنيها النص، وليست إفرازا لسلوك مرئي من خلال الأحداث.

وهي الفرضية التي انبنت عليها خطاطات سردية كثيرة، كانت تحاول كلها الإمساك بجوهر الفعل الإنساني، واختزاله في نموذج عام يُنظم وفقه السلوك، ووفقه يدرك ويستهلك. بل إن الحياة ذاتها ليست سوى تمثيل سردي مشخص لنموذج سردي عام، يمكن من خلاله أن نفسر كل ظواهر الوجود الإنساني.

ولقد شكل الإمساك بالخطاطات العامة في كافة العلوم هاجسا معرفيا على درجة كبيرة من الأهمية، فتحديد القوانين والقواعد التي تنتظم وفقها الظواهر لا يمكن أن يتم إلا من خلال امتلاك القدرة على رسم حدود يمكن من خلالها الإمساك بالظاهرة في صورتها المجردة.

ويعد البحث عن الخطاطات الكونية في مجال السرد مبحثا أنجزت في إطاره أبحاث غيرت جذريا طريقة التعاطي مع عوالم السرد. فمنذ أن أصدر بروب مورفولوجيته الشهيرة في بداية القرن الماضي، وهو كتاب يتحدث كما هو شائع عن الخطاطة أو الخطاطات السردية التي تتحكم في البناء الحكائي، لم يتوقف الحديث عن أنشطة السرد الإنساني باعتباره فعلا يمكن العثور عليه في كل الظواهر التي من خلالها يتم الكشف عن التجربة الإنسانية المدرجة ضمن البعد الزمني. ومبرر ذلك هو الإحساس العميق بوجود أشكال سردية كونية تشترك فيها البشرية جمعاء. وهذه الخطاطات لا تكشف سوى عن وحدانية الكائن البشري في تنظيم التجربة الحياتية الواحدة وفق خصوصيات الحالات الثقافية.

ولن يكون الأمر من باب الترف الفكري إثارة ما قدمته السميائيات السردية مثلا في هذا المجال من تحاليل استنادا إلى تراث تنظيري سابق ( بروب ، سوريو). فقد قادت الخطاطات النظرية التي اقترحتها من أجل دراسة عوالم السرد وتحديد تمفصلاته الكبيرة والصغيرة، إلى خلاصات مسكوكة وبالغة التشابه – وغير تحليلية في أغلب الأحيان – لا تختلف عن بعضها البعض إلا في جزئيات بسيطة.

لقد انطلقت هذه المحاولات من الاتجاهات الكبرى ( الخصائص العامة ) التي تتحكم في آليات الوجود الإنساني من حيث وجود ” غايات” فطرية تفرضها خطية الانسياب الزمني، وكذا وجود حاجات كالتحفيز والإعاقة والدعم….، وهي من إفرازات الاجتماع الإنساني، لتبني عليها نموذجا عاما سيمكننا لا محالة من الإحاطة بالفعل الإنساني في تحققاته المتعددة، يستوي في هذا التعبد الديني، وعمل الفيلسوف وخطط المناضل الماركسي. (8)

وعلى عكس ما اشتهى هؤلاء المنظرون، فقد تحولت هذه الخطاطات، مع مرور الزمن، إلى عائق حقيقي أمام التحليل. فقد حرمته التصنيفات المسبقة من قول شيء ذي أهمية عن السلوك الإنساني، لأنها كانت في واقع الأمر تبحث عن العام لا عما يشكل خصوصية الواقعة. فالتعرف على الوظائف ( وهو إجراء يشكل حجر الزاوية في كل تحليل ) ليس كافيا لتحديد مجمل العوالم الدلالية التي يختزنها النص. فالأمارات والجزئيات والمسكوت عنه والمهمل والغامض كلها عناصر تلعب دورا رئيسا في الإحاطة بالسلوك الإنساني، وذاك هو العنصر المغيب في أغلب التحليلات. فلم يكن بمقدور الآليات التحليلية أن تتعرف على أشياء أخرى ليست متوقعة في الجهاز الإجرائي الذي يشتمل عليه النموذج النظري.

وتلك هي الحالة التي يمكن رصدها في خطاب بوش ( خطاب الإدارة الأمريكية عموما ). فالتمييز بين عالم الشر ( إيران وسوريا وكوبا وكل المارقين ) وبين عالم الخير ( أمريكا و” العالم الحر” )، تمييز تبسيطي يستند إلى خطاطة مسبقة تدرج السلوك الإنساني ضمن دائرة قيمية واحدة، هي ما تقدمه أمريكا وحلفاوها : صرح سيلفيو بيرليسكوني الوزير الأول الإيطالي مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر الدموية بأن الحضارة الغربية أقوى من كل الحضارات، وكان يقصد، في المقام الأول، الحضارة العربية الإسلامية. وصرح بوش، في أول رد فعل له بعد الأحداث نفسها، أن الأمر يتعلق بحرب صليبية.

وهذا التمييز يقود بالضرورة إلى إلغاء التمايزات الثقافية أو الحضارية الممكنة، كما يلغي التاريخ الخاص بكل ثقافة، ولا يحتفظ سوى بنسخة عامة هي ما يمكن أن يمثل التاريخ الكوني العام. والحال أن هذا النوع من التاريخ لا وجود له إلا في مخيلة المؤرخ الذي يحاول أن يلغي كل الخصوصيات، ليحتفظ بنموذج عام تتوحد داخله كل الشعوب. وهذا أمر ممكن، فكلما أمعنا في التجريد اضمحلت الفروق الدقيقة والخصوصيات المميزة. إلا أن هذا الإجراء لا يمكن أن يشكل تاريخا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وعلى كل حال، ليست تلك هي الغاية التي تحاول أمريكا وحلفاؤها الوصول إليها.

إن هذا التصور هو الذي يسمح لنا بفهم أفضل لما يجري وما جرى في الخليج. ففي جميع الحالات المنبثقة عن الأجواء المصاحبة للحروب التي تقودها أمريكا في الشرق الأوسط وأجزاء من آسيا، لا تتم الوقائع وفق إكراهات الدفق الزمني الذي يجعلها تشتغل باعتبارها كيانات تتحقق أولا وتفسر ثانيا، بل أصبح التصور المسبق هو الذي يتحكم في إنجاز الأحداث ويحدد طبيعتها الاستقبالية.

إن حقائق التاريخ لم تعد تكشف عن نفسها من خلال أحداث غير متوقعة، أو على الأقل، لم يتنبأ أحد بأنها ستتم على الشكل الذي تمت به، بل أصبح بالإمكان الحديث ” عما سيحدث” استنادا إلى الغاية المثلى التي يشتمل عليها السيناريو( أو السيناريوهات ) المعد لهذه الغاية. فالتاريخ يُنجز على شكل ” مجسمات مجردة”، أو “بروفات” سابقة على العرض، يلقى بها بعد ذلك للتداول من خلال أحداث يمكن استثارتها من مكمنها كما تستثار العمليات الكيماوية.

استنادا إلى هذا، يمكن القول إن الآليات الداخلية التي تحرك وتنظم وتوجه الأحداث تخضع، صراحة أو ضمنا، لخطاطة أولية وسابقة في الوجود على الأحداث ذاتها، وكل حدث لا يندرج ضمن هذه الخطاطة أو يستعصي على الانتظام داخلها ينظر إليه باعتباره يهدد بناء القصة ويعوق تطورها .

وبلغة السردية الحديثة، فإن الأمر يتعلق بالبحث عن الخطاطة السردية التي يجب أن تنتظم وفقها مجمل الوقائع، أي الطريقة التي تتحول من خلالها الوقائع إلى أحداث، ف> الحدث ليس كذلك إلا في حدود إسهامه في نمو قصة “.(9) ذلك أن الحبكة في مفهومها العام هي ” مجموعة من التأليفات التي تتحول من خلالها أحداث ما إلى قصة ( …)، وبعبارة أخرى، إنها عنصر التوسط بين الحدث والقصة، وهو ما يعني أن الحدث ليس كذلك إلا إذا كان يسهم في نمو القصة وتطورها “(10). لذلك قد تقبل القصة بعض الأحداث وترفض أخرى، وذلك وفق ما تسمح به العوالم الدلالية المبنية بشكل قبلي على صورة أحكام تصنيفية، كما هو الحال في روايات الأطروحة كما أشرنا إلى ذلك أعلاه.

وهذا ما يؤكده بشكل صريح المثال التالي : هاجم مسلحون مبنى حكوميا في قلب العاصمة السورية دمشق، فاستنكرت السلطات السورية هذا الهجوم واعتبرته عملا إرهابيا موجها ضد أمنها واستقرار شعبها، وردت الخارجية الأمريكية على الفور بأن الأمر لا يتعلق بعمل إرهابي بل هو تبادل إطلاق النار مع مسلحين مجهولين. وهكذا، فإن الإرهاب لا يمكن أن يكون كذلك إلا ضمن الدائرة القيمية التي رسمت حدودها أمريكا.

إن الأمر يتعلق بمحاولة إسقاط عوالم التخييل على معطيات الواقع الموضوعي. ففي التخييل يمكن حذف أحداث أو تعديلها أو تغييرها بأخرى، وفق ما تقتضيه الحبكة والاتجاه العام الذي يجب أن يتبعه الخيط السردي. وتلك هي الحالة التي يقدمها المثال السابق. لقد رفض السارد أن يدرج ما وقع في دمشق ضمن أحداث قصته، لأنه لا يسهم في بناء القصة التي يروي أحداثها ويقودها إلى نهاية بعينها.

وهذا وضع مريب حقا. فقوانين السرد التخييلي لا يمكن أن تعوض الإفرازات الطبيعية لوقائع المعيش اليومي. فالنص السردي، وهو أداة التوسط المثلى بين كم زمني غير معدود وبين تجارب حياتية محدودة في الزمان وفي المكان، لا يمكن أن يبنى استنادا إلى عفوية التجربة وطابعها المباشر. إن السرد التخييلي يفترض ” بناء عالم ” ، ” فالقصة لا علاقة لها في البداية بالكلمات ” كما يقول إيكو ( 11). وتلك طريقة أخرى للقول إن السرد يقوم بعملية ترويض للكم الزمني وتقديمه على شكل وحدات مرئية في الحدث ومن خلاله.

إن بناء هذا العالم يشترط توفر ” أهلية سردية” تمكننا من اقتطاع جزئية موصوفة داخل موسوعة، هي ما يشكل ذاكرة أمة، وإدراجها ضمن وضعية إنسانية منتهية من حيث الإحالات الدلالية، ومن حيث التحديد المرجعي. لذلك، فإن التاريخ، رغم اعتماده على أدوات السرد، يختلف عن عوالم التخييل. إن التاريخ كالنهر الجارف، يمكن أن نتقي شره بوضع السدود والقناطر والجسور، إلا أننا لا نستطيع تغيير مجراه، ولا يمكننا، تبعا لذلك، منحه وجهة أخرى غير ما تقدمه الأخاديد التي أحدثتها السيول على أديم الأرض.

ألا يمكن القول إذن إننا أمام قصة من نوع خاص؟ إن الأمر كذلك، فالقصة التي نعاين مرسومة حدودها بشكل سابق على شكل ” سيناريوهات”، وما علينا إلا أن نبحث لها عن الأحداث التي تخرجها من شكلها المتصور إلى وجهها المحدد في وقائع خاصة ينجزها ممثلون أدوارهم مصنفة ضمن أجندة بالغة الدقة.

ولهذا السبب، ومن أجل استيعاب الأحداث من خلال إجراءات التبسيط البنيوي لمجمل ما يقع، يجب أن تكون لنا القدرة على تصور خطاطة عامة تنتظم داخلها مجمل الوقائع التي ترويها الحياة. حينها، وحينها فقط، يمكن أن تتحول الأحداث إلى عناصر داخل خط تصاعدي موجه نحو غاية نهائية يتحدد مضمونها فيما أسقط كحالة افتراضية، لا كما تحقق من خلال الحدود المباشرة للفعل السردي.

ولذلك لا يتردد السياسيون في الحديث عن السيناريوهات السياسية والعسكرية الممكنة التي سيوجه وفقها الحدث، الذي يقود بدوره إلى تحويل” المجسم” القيمي ( الماكيت) إلى حقيقة مجسدة في إقامة نظام أو الإطاحة بآخر، أو إعلان حرب لن نتبين داخلها الخط الأبيض من الأسود حتى تأتي على الأخضر واليابس.

والحال أننا لا نستطيع تقليص حجم ” السردية الطبيعية”، أو ردها إلى خطاطة مسبقة، رغم أن السرد التخييلي يستوحي آلياته، وربما جزءا من قوانينه أيضا، من النماذج التي يخلقها المعيش اليومي. وعوض ذلك، يجب البحث في السردية الاصطناعية عن الآليات التي يعتمدها ” النسق” ( الاستراتيجية السياسية العامة ) من أجل التحقق المستمر من جهة، ومن أجل ضمان استمرارية اشتغاله وفق الغايات المرسومة سلفا. وبعبارة أخرى، يجب أن تكون للنظام السياسي ( والاجتماعي أيضا) القدرة على إعادة إنتاج ما يضمن له استيعاب تناقضاته الداخلية وتحافظ على وجوده.

وهذا الأمر شبيه بما كان يسميه نوربيرت فيينر بالإرجاع ( retroaction)، والإرجاع هو قدرة الفعل المنجز آنيا على التأثير في الأسباب التي ولدته. وبعبارة أخرى، علينا أن نمنح النتيجة القدرة على التأثير في السبب (12). وهي حالة يمكن أن تفسر بالطريقة التي يشتغل من خلالها النسق ذاته. فالنسق لا يمكن أن يستمر في الوجود اعتمادا على حركة ذاتية تلقائية تعتمد الصدفة كجهاز وحيد لتوليد الفعل ومراقبته، بل يسقط سلسلة من التوجيهات الأولية التي تدعم مضمونه وتحمي كيانه استقبالا. وفي هذه الحالة، فإن اللاحق يؤثر في السابق ويحدد له مداه الآتي، في حركة دائرية لا تتوقف أبدا، وتلك هي الطريقة التي من خلالها يعيد المجتمع إعادة إنتاج قيمه، وضمنها يجب إدراج كل السلوكات المؤسسة لحالات الاجتماع الإنساني.

واللاحق في حالتنا هو الحروب التي خاضها الأمريكان وأتباعهم في الخليج وخارجه من أجل منح الوجه المجرد للقيمة بعدا مشخصا. فالغاية المتمثلة في الهيمنة الأمريكية على العالم تحت تسمية العولمة أو ما شابهها، هي التي تفسر ما وقع في الخليج وأفغانستان، وهو ما يقع في فلسطين وأماكن أخرى من العالم. فبانتهاء هذه الحرب، وحروب صغيرة أخرى أقل شأنا، ستكون البشرية قد وصلت إلى ذروة تطورها حيث ستسود ديموقراطية مثالية لها من يضمنها في العالم أجمع. وتلك هي النهاية المحتومة للتاريخ.

وذاك هو الأساس الذي انبنت عليه كل الاستراتيجيات السردية. فالنهاية دائما متضمنة في نقطة البداية، ولا يمكن تصور بداية ما إلا إذا كان هناك ما يشير أو يقود إلى نهاية بعينها. وعلى الرغم من أن قوانين السردية الطبيعية تختلف عن تلك التي تتحكم في السردية الاصطناعية، فإن الاستراتيجية التي تحكم السرديتين معا متشابهة إلى حد كبير. فالسرد في نهاية المطاف يمدنا

بالوسائل التي تساعدنا على ” تشخيص” مجموعة من الحقائق المبثوثة في صور حياتية هي الرابط بين “واقع” نحياه دون أن ننتبه إلى قوانينه، وبين عوالم ممكنة تصفي التجربة وترفعها إلى مصاف المخيال الذي به نحيا وبه نواجه كل الأسئلة. لذلك فإن الخطاب الإيديولوجي يجنح دائما إلى الاختفاء وراء وقائع، وتلك الوقائع تشخص ولا تجرد، وشتان بين التشخيص والتجريد. إن التشخيص حالة من حالات الإقناع، فما هو أساسي في السرد ليس الوقائع المسرودة، بل العوالم الممكنة التي يمكن أن يثيرها هذه الأحداث.

سعيد بنكراد ناقد مغربي متخصص في السيميائيات والنقد الحديث

نشر بالمجلة يوم 26/09/2003 7:40:00

[email protected]
الموقع:
http://saidbengrad.free.fr
هوامش
1-159 Umberto Eco : Six promenades dans le bois du roman et d’ailleurs, éd Grasset 1996,p
2- Paul Ricoeur : Du texte à l’action, esaais d’herméneutique II , éd Seuil 1986 , p 14
3- نفسه ص 14
4- نفسه ص 15
5- نفسه ص14
6- فيصل دراج : الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي ، 2004 ، ص 10
7- Suzan Rubin Suleiman : Le roman à thèse, éd P U F , 1983 , p 70
8- انظر :A J Greimas : Sémantique structurale, éd Larousse, 1966, p 181
9- ريكور، المرجع السابق ص 14
10- نفسه
11- أومبيرتو إيكو : حاشية على اسم الوردة، ترجمة سعيد بنگراد ، علامات ، عدد 15 ص 14
12- انظر في هذا المجال : Yves Winkin : La nouvelle communication, éd Seuil , p 16

‫0 تعليق

اترك تعليقاً