حسين الصمادي: “عصر الفرص” كتاب جديد أصدره مركز الإمارات للدراسات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

رسائل وتقاريـر
أصدر مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية كتاباً بعنوان “عصر الفرص.. الثقافة الجديدة للرأسمالية حيث الحياة تجربة مكلفة” لجيرمي ريفكن، وذلك ضمن سلسلة دراسات مترجمة.

يتناول الكتاب التغيرات الجذرية التي يشهدها الاقتصاد العالمي والتحولات التاريخية في طبيعة النظام الرأسمالي، والتي بدأت منذ وقت مبكر من القرن العشرين ومهدت لعصر جديد قيد التشكل.

ومؤلف هذا الكتاب، ريفكن هو رئيس مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية في واشنطن، وهو نفسه مؤلف الكتابين اللذين لقيا

رواجاً كبيرا واعتبرا من اكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة الامريكية، وهما: “قرن التقنية الحيوية” و”نهاية عصر الوظيفة” (وقد صدرت النسخة العربية لكل منهما عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ابوظبي في عامي 1999 و2000 على التوالي).

الكتاب الجديد – مثل سابقيه – لقي صدى واسعا لدى القراء والنقاد، ولا سيما ان الموضوعات التي يعالجها ريفكن في كتبه تمس جوهر الوجود الانساني، إذ تدرس تأثيرات التطورات العلمية والتقنية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية في حياة الانسان في هذا العالم، وتكشف الجوانب غير المدركة من تلك التأثيرات.

وتقوم أطروحة المؤلف الاساسية على ان الاقتصاد العالمي، وجوهره النظام الرأسمالي، ينتقل من عصر الملكية الى عصر “النفاذ”، أو من عصر السوق الى عصر الشبكة، فالاقتصاد الرأسمالي الذي كان تأسس على فكرة مقايضة الملكيات المادية بين البائعين والمشترين في الاسواق أخذ يتحول نحو مفهوم “النفاذ” الى الملكيات المادية والمجردة بين المزودين والمستخدمين الذين تربطهم علاقة شبكية. ويعتبر المؤلف ان “النفاذ” أخذ يصبح أداة مفاهيمية فاعلة لإعادة التفكير بنظرتنا العالمية الموسعة ونظرتنا الاقتصادية ايضا، ما يجعله الاستعارة الاكثر قوة ونفوذا في العصر المقبل.

ولا يقصد المؤلف بأطروحته تلك ان الملكية ستختفي في عصر النفاذ المقبل، بل على العكس ستظل موجودة لكنها لن تكون متاحة للمقايضة في الاسواق. وبدلا من ذلك يحتفظ المزودون في الاقتصاد الجديد بالملكية، ويمنحون الآخرين (العملاء) حق الاستخدام أو الاستئجار أو يفرضون رسوما على الدخول أو الوصول اليها أو الاشتراك فيها نظير استخدامها فترة وجيزة، كما ان الاسواق ستبقى، لكن الدور الذي تلعبه في الشؤون الانسانية سيتضاءل باستمرار.

يرى ريفكن ان اقتصاد “النفاذ” يعتمد بصورة اكبر على اقامة علاقات تجارية طويلة الأجل.

وتتقدم الاعمال التجارية كثيراً – حالياً – في طريق التحول من الملكية الى النفاذ، وتقوم بتصفية عقاراتها، وتقليص مستودعاتها، وتأجير اجهزتها ومعداتها لتخليص نفسها من انواع الملكيات المادية الممكن تصورها. ولم تعد هناك قيمة لامتلاك الكثير من الاشياء، ففي عالم التجارة المعاصرة يتم اقتراض معظم الاشياء المطلوبة لادارة الاعمال المادية نفسها.

وفي الاقتصاد الجديد ايضا تميل المنتجات المادية، التي كانت منذ وقت طويل مقياسا للثروة في العالم الصناعي، الى التجرد، فهو – كما يطلق عليه المؤلف – اقتصاد عديم الوزن. كما تغدو ملكية رأس المال المادي، التي كانت محور نمط الحياة الصناعية، هامشية بشكل متزايد بالنسبة الى العملية الاقتصادية. وبالمقابل، يعتبر رأس المال الفكري القوة الدافعة للعصر الجديد، وتعتبر المفاهيم والافكار والصور – وليس الاشياء – البنود الحقيقية ذات القيمة في الاقتصاد الجديد. ولم تعد الثروة هي رأس المال المادي بل الخيال والإبداع الإنساني.

ويشير المؤلف الى ان الانتاج الثقافي سيحتل صدارة الحياة الاقتصادية في العصر الجديد، فإن كان العصر الصناعي تميز بإنتاج السلع والخدمات التقليدية، فإن عصر النفاذ يتعلق بتسويق منظومة كبيرة من الموارد الثقافية على هيئة ترفيه وتجارب شخصية مدفوعة الأجر. لقد بدأ الانتاج الثقافي بالتفوق على الانتاج المادي في التجارة الدولية، حيث تفسح شركات عصر الصناعة العملاقة القديمة – مثل إكسون وجنرال موتورز ويو اس اكس وسيرز – المجال امام شركات الرأسمالية الثقافية العملاقة الجديدة، مثل فياكوم وتايم وارنر وديزني وسوني وسيجرام ومايكروسوفت ونيوز كوربوريشن وجنرال الكتريك وبوليجرام. وتقوم الشركات الإعلامية العابرة للحدود، التي تتمتع بشبكات اتصالات تمتد حول العالم، بالتنقيب عن الموارد الثقافية المحلية في كل أنحاء العالم ثم تعيد تجهيزها بوصفها سلعا وترفيها ثقافيا. ويذكر الباحث ان خمس سكان العالم اليوم ينفقون من دخلهم على النفاذ الى التجارب الثقافية بقدر ما ينفقون على شراء السلع الصناعية والخدمات الاساسية، كما ان التجارة العالمية في السلع الثقافية بجميع اشكالها قد تضاعفت اكثر من ثلاث مرات في العقد الاخير من القرن العشرين.

ويلتفت الباحث الى قضية سيطرة شركات الإعلام الامريكية على التجارة الثقافية العالمية، وما تسفر عنه من انتشار الهيمنة الامريكية على ثقافات العالم، فقد تصدرت الصادرات الامريكية من المنتجات الترفيهية وغيرها من المنتجات الثقافية الاقتصاد العالمي، وهو ما دفع رئيس الوزراء الكندي السابق، كيم كامبل، الى القول إن الانتاج الثقافي كان عبارة عن وسيلة لأمركة العالم. وتنعكس عملية الهيمنة هذه في الانقراض الكلي لعدد من لغات العالم وحلول اللغة الانجليزية مكانها بصفتها حاملة لواء التجارة الثقافية الجديدة، لا سيما انها اللغة الاكثر استخداما في الفضاء الالكتروني.

وينبه المؤلف الى ان استيعاب عالم الثقافة في عالم التجارة يدل على حدوث تغيير جوهري في العلاقات الانسانية مع ما يرافقها من نتائج مثيرة للإشكاليات بالنسبة الى مستقبل المجتمع، فمنذ بداية الحضارة البشرية وحتى الآن، كانت الثقافة تسبق الاسواق اهمية دائما. ويوجد الناس عموما المجتمعات ويضعون القوانين المفصلة للسلوك الاجتماعي ويعيدون صوغ القيم والمعاني المشتركة ويبنون الثقة الاجتماعية على شكل رأس مال اجتماعي. ولا تنهمك المجتمعات في التجارة إلا بعد تطور الثقة الاجتماعية والتبادل الاجتماعي بصورة كبيرة. لقد كان عالم التجارة دائما مشتقا من عالم الثقافة ومعتمدا عليه، ويعود ذلك الى ان الثقافة هي المعين الذي تنبع منه مبادئ السلوك المتفق عليها، وهي المبادئ التي تخلق بدورها بيئة موثوقا بها يمكن ان تتم فيها الاعمال التجارية. وعندما يبدأ عالم التجارة بافتراس عالم الثقافة فإنه يهدد بتدمير الاسس الاجتماعية بحد ذاتها، وهي الاسس التي أتاحت المجال لظهور العلاقات التجارية.

من جهة اخرى، يتناول المؤلف الفجوة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يعانيها العالم، والتي يعتقد انها ستزداد تعمقا في عصر النفاذ والشبكات، ففي حين ان خمس سكان العالم ينتقلون من علاقات النفاذ والفضاء الالكتروني، لا تزال بقية سكان العالم تعيش رهينة العوز المادي. وبالنسبة الى الفقراء، تظل الحياة صراعا يوميا من أجل البقاء.

نشر في 12/10/2004 6:30:00

‫0 تعليق

اترك تعليقاً