نصرت مردان: سنوات البكارة في حياة هيفاء طوبيا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

آب 1965

كان حصان البهجة ،والذي ا‘سميه أحيانا ( حصان العشب الأخضر ) يقف بصلابة كرجل مبهج .وكنت على مقعدي ككل مرة .هذا هو اليوم الثالث الذي أرى الحصان فيه ويبهرني . كان هو أيضا يحدق في عينيّ وكأنه يريد أن يشمني وكأنني زهرته البرية .

قالت أُمي : الطعام يحترق . وهرعت إلى المطبخ .الطعام على وشك الاحتراق .تداركت الأمر .من اكثر الأشياء

الملتصقة بي ،المطبخ وأُُمي أما الحصان فشيء جديد ومثير .لأنني حينما أراه اهتاج ،وأتمنى لو اهرع إليه وازرعه على الكرسي ثم أكلمه أشياء قد تبدو تافهة ثم اغسله في الحمام ،وامرر يدي على شعره المتدلي ثم امتطيه في سفرة أشم فيها رائحة العشب الأخضر ،ورائحة نفسي ورائحة الحرية . حقاً إن الحرية مثيرة . إنني أراها رجلاً فطريا مزروعاً بالشعر والصلابة يشربني مثل الماء . اعتذر ربما حرماني يجعل رؤيتي لبعض الأمور تبدو ضيقة .

صرخت أمي من جديد : جهزي المائدة .

ومثل آلاف المرات ،جهزت المائدة . أكلنا في الأطباق نفسها .وبالملاعق نفسها . تبادلنا كلمات قصيرة .كل ما حصل أشياء مكررة وتافهة .لا أريد الكتابة عنها .

عدت إلى غرفتي . اقترب الحصان قليلا . بدا وكأنه سيقفز إلى غرفتي . بين حين وأخر يحني رأسه الجميل إلى العشب ثم يرفعه إلي .إنه وحيد .مشي عدة خطوات ، واكتشفت ببؤس حقيقي انه يعرج في مشيته ويتألم .

الظلمة تنزل كالصدأ،ويلتصق بالغرفة والنافذة والكون . بيتنا الذي يقع تحت أشجار ضخمة ، يظلم مسرعا . والدتي أمام التلفزيون ووالدي يقرأ جريدة مسائية . ولفت الظلمة وجه الحصان . تمددت على السرير . لا اشعر بالنعاس . الاسترخاء يشعرني براحة ذهنية .

قالت خالتي قبل أسبوع بأنها قلقة لعدم زواج ابنتها ،وإنها لن ترتاح إلا حين تتزوج . وضحكت ابنتها ضحكة شاحبة . كانت قلقة أكثر من أمها .

أوه .. لست ادري لماذا اكتب هذه الأشياء التافهة ؟ لست ادري ، فكل ما في حياتي تافه . إنني أشكو من الفراغ .

20 آب 1965 أقترب رجل بدين من الحصان الذي نظر إليه بحذر .رفع الرجل بندقيته . وكالصاعقة انطلقت ثلاث طلقات . سقط الحصان ،واختلجت أطرافه عدة مرات ثم صمتت . تلون العشب الأخضر بالدم وجمع لونين متناقضين . صرخت من النافذة : أيها الوحش ..أيها الكريه . ضحك بوساخة : كان يعرج ياأنستي . لم اعد بحاجة إليه . نظرت إلى عيني الحصان .كانتا براقتين .وقعت متهالكة على الكرسي .ها قد انطفأ الشيء المبهج في حياتي. عن ماذا أكتب ؟

نهضت ورأيت رجلين يجران الحصان من رجليه، ويربطانه خلف سيارة سوداء . قالت أمي وهي تتأملني : لماذا كنت تصرخين ؟ قلت منتحبة : لقد قتلوا الحصان ؟ ـ أي حصان ؟ ـ حصان كان يقف وينظر إلى عيني . كان صديقي .

نظرت إلي بسخرية وخرجت . بعد قليل سيأتي وقت الغداء ، وبنفس الأطباق والملاعق سنأكل كالعادة ثم أصعد إلى غرفتي . لن أجد شيئاً أكتب عنه بعد اليوم . 5 كانون الثاني 1966

قال أبي وهو يرفع عينيه عن الجريدة الصباحية : الشرطة تبحث عن سجين هارب . هذه هي صورته . نظرت أمي إلى الصورة قائلة : ـ مسكين إنه شاب وحرام أن يُسجن . قال أبى بصوت غاضب لم أتوقعه منه : ـ إنه من المعادين للسلطة . نظرت إلى ملامحه جيداً. الصورة تبدو قديمة ، لأن مظهره يدل على ذلك. كانت عيناه براقتين وذكيتين . فمه يبدو صغيراً، بينما أنفه يبدو غير منسجما مع تقاطيعه الحلوة .

هل هذا شئ جديد كي أعود واكتب عنه . أنا التي صمتت كل هذه المدة التي تزوجت فيها ابنة خالتي ، وأحيل فيها أبى إلى التقاعد ، ورزق أخي بطفل أسماه باسم لم يعجبني ؟

20 كانون الثاني 1966 مر شرطيان من أمام النافذة .هذا المنظر أصبح اعتياديا منذ اليوم الذي رأيت فيه تلك الصورة . السماء مغيمة أتوقع أن يسقط المطر بعد حين .نظرت بأسى إلى الحظيرة التي أصبحت خالية بعد مقتل الحصان . دقت الساعة الجدارية السابعة مساءا . تمددت على السرير كعادتي . في الشتاء نتعشى مبكرين ثم يأوي الكل إلى غرفته . نادتني والدتي لمشاهدة فيلم السهرة ، فلم أهتم . عاودني الشعور بالفراغ .أحسست بتثاقل في رأسي ، وأغمضت عيني .

الساعة الواحدة بعد منتصف الليل . لقد غفوت ست ساعات . ونهضت .المطر يسقط خارج النافذة ، وهذا ما دعاني إلى فتح النافذة وترطيب يدي بالمطر ثم مسح وجهي به . ومنحت عنقي ووجهي له . كان رقيقاً كأصابع رجل متمرس في المداعبة .

رأيت شيئاً يقف تحت نافذتي . ولا أدري كيف حملت المصباح الذي كان لهبه يرتعش . كان المطر قد خف نوعا ما . ورأيت رجلاً محتمياً بالجدار ، وبجرأة لن اعهدها في نفسي رفعت المصباح في وجهه . عرفته . أنا التي لم تعرف إلا الأشياء المعادة . كان هو صاحب الوجه الجميل والأنف القبيح . حدق فيّ قليلاً ثم ابتسم أو حاول أن يبتسم بشحوب لكنه فشل في ذلك . أغلب الظن انه كان خائفاً . قلت له : لن أشي بك . ورجعت .

بدا كل شيء كالحلم . كيف خرجت وحدقت فيه دون خوف ،ووعدته أن أحفظه سرا في صدري . كيف حدث كل هذا ؟ هل هناك أمل أن يكون لدي أشياء مبهجة ؟ لا أدري .

24كانون الثاني 1966

ببساطة أقول إنني تغيرت .لم أقل له شيئاً .فقط وعدته .اجل تغيرت . منذ يومين وأنا أتمنى أن أراه ، وأتمنى أن لا أتبادل نفس الكلمات مع أمي .أريد أن أقول لها بأنني تغيرت . أصبحت في ذاكرتي صورة رجل ، ليكن من يكن .

الساعة تجاوزت منتصف الليل . فتحت النافذة .غمرتني الظلمة ، ورأيته في نفس المكان .حملت المصباح . ورأيته .لكنه ابتسم لي هذه المرة بحيوية ونجح هذه المرة في ذلك .

قال : جئت كي أشكرك .لقد خفت أن تشي بي .لكنني الآن أثق بك . قلت : لماذا تثق بي ؟ قال : لست أدري .لا أخفي عليك بأنني حذر ولكنني منذ اليوم لن أمارسه معك . فرحت من أعماقي . كلانا وحيدين .ورأيته يدخن .كان يبدو مضحكاً في ذلك . قلت له : ألا تنهكك حياة المطاردة هذه . ألا يكون السجن أحياناً أحسن من حياة التخفي والمطاردة ؟ نظر في عيني بعمق ثم تنفس بحسرة حقيقية . ـ رغم متاعبي الحالية إلا أن حريتي أثمن من أن أُعرضها للسجن بين أربعة جدران يطل علي من قضبانها حارس كي يطمئن أن الصيد في مكانه . حريتي هي وجودي .

وخجلت من نفسي .وددت لو لم اطرح عليه هذا السؤال .وقف للحظات ثم ابتعد عني قائلاً: ـ المكان هاديء وخال هنا . لن يجدني أحد .

عدت إلى فراشي . أطفأت الضوء .لكنه بقي في عيني وذاكرتي . وأخيراً أصبح لي فرح . 30 كانون الثاني 1966

اليوم تحدثوا عنه .قالوا : وحش ، مخرب ، مدمن مخدرات .لكنني لم أصدقهم . لم أقل : أنه ليس وحشاً، فهو يكتفي بالنظر إلى عيني ثم ينادي اسمي كالصلاة .لم ينادني هكذا أحد سواه . ليس مخرباً ..إنه يبني في داخلي عالماً رائعاً، ويكلمني عن عالم جديد بأسماء وكلمات لم أسمعها . إنه يبنيني . إنه لا يدمن المخدرات ، لكنه يدمينني أنا . أنا حشيشته المفضلة .

2 شباط 1967

اليوم ذهب والدي كي يبيت في بيت عمي لأن صحته سيئة .ونامت أمي مبكرة . وزرعته في غرفتي .حدقت فيه طويلاً . ضحك وقال : أنا جائع . وأكلنا في أطباق جديدة نحتفظ بها للضيوف . أكلنا بنهم .وتذكرت

حصان العشب الأخضر وتهيجي كي اغسله . قلت له : هل تريد أن تستحم ؟ اندهش ، فهذا شيء لم يكن يتوقعه . نعم . قال وابتسم .فبضت على أصابعه ، وأدخلته الحمام .كان عارياً أمامي . غسلته .وتصرف معي كطفل عاقل . لم يمد يده إليّ . وتمنيت لو فعل .

شربنا الشاي معاً .قال : هذه أروع ليلة في حياتي .ونظر إلي يحب كبير .امسك بيدي ،وقبل أصابعي عدة مرات وهو يردد : أنت الآن الفرح الحقيقي في حياتي . وبجسارة قبلته من شفتيه . اندهش وكأنه لم يتوقع مني ذلك .

ـ لماذا تندهش يا عزيزي ، إنني أحبك وضمني إلى صدره . ضغطني ،صرت بحجم كفه الذي يعيد تكويني . … 1968

… 1969

… 1970

… 1971

ملاحظة : قررت الكف عن كتابة ( سنوات البكارة ) في حياتي لأنني أصبحت أعيش كل شيء ……..
  • نصرت مردان كاتب سوري مقيم في سويسرا
  • نشر في 24/09/2004 4:50:00

‫0 تعليق

اترك تعليقاً