عايدة نصر الله: الرجل الذي سافر في غفوة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ما هذا الثقل الذي يسقفني؟ أعوذ بالله. هل أنا نائم؟ نعم . أنا نائم. ولكني أتكلم . ربما أنا أحلم وأتكلم. ولكن هل النائم يشعر ثقلا؟ نعم يشعر ، بل ويركض ويضحك ويبكي وحتى يمارس الجنس. إذن أنا أحلم. . حاول أن يتفحص جسده . ولكن يداه كانتا كقطع فولاذية أبت أن تستجيب له. حاول فتح عينيه، ولم ير سوى ظلمة داكنة . شيء ما دخل إليهما، أحس به وكأنه يلمسه بيده. شيء كذرات ملح. فأدرك أنه ربما كان صاحيا وأن ما ينتابه ليس بحلم. ففزع” يا الهي ، أأكون قد سافرت إلى عالم الآخرة؟ أيكون هذا الذي أنا فيه هو القبر؟ ولكن الميتين لا يتكلمون. و ما هذا الدَّوي؟ أيكون البوق الذي تنفخ به الملائكة ويكون هذا هو موعد الخروج إلى ظاهر الأرض؟ تبا أية أرض هذه التي أصفها؟ سمع دويَّأ آخر. مما جعله استذكار شيء ما قبل أن يكون في هذا العالم الغريب.


“منذ دقائق فقط كنت في بيت فسيح ما زال صوت العصافير يسكن ذاكرتي وهي تغرد على أشجار الليمون” . حاول أن يشم رائحة الليمون . لكنها كانت غائبة. عالم آخر تسلل إلي عقله. صيحات غادة الصغيرة آخر ما سمعه قبل هذه الظلمة. تذكر أنه ذهب لهذا السفر المدلهًِم بعد عاصفة رعدية ، فطن إلى ذلك الثقل. فأصيب بهلع شديد.
إذن هو في عالم آخر.
“أهذا هو القبر الذين يتحدثون عنه . ولكن لا يوجد من يحاسبني هنا . حاول أن يشد أزره بكل ما به من قوة وشد رجليه . إلا أنها لم تتزحزح سوى سنتمتر واحد . إذن هو في قبر . ومع ذلك فهو يستطيع الحركة. دفع برجله فأحس بشيء ينساب من بين رجليه، شيء حار ولزج . أحس بالربكة وبالحيرة ” إذا كنت في القبر ما هذه الرطوبة؟. يجب أن أتذكر أكثر فأكثر: لأبدأ خطوة خطوة، سمعت صاعقة, بعدها لم أدر إلا وأنا في هذه الحفرة. وقد زحزحت رجلي. إذن شيء ما قد حصل وأنا حي. وهذه الرطوبة يبدو إنها ترجمة للخوف الذي انتابني”. عندها فطن إليها “أين هي؟ أين ذهبت تلك التي تألقت في خيالي منذ الأزل ، هل ما زالت عيناها ذلك النهر الذي طالما شدني إليه للخوص فيه. تلك الرعدة؟ هل أودت بها أيضا؟”. ريقه ناشف ولكن هناك طعم ما في فمه يشبه طعم القهوة الملأى بالهال. ” نعم كنت أشرب القهوة وقتما ارتعدت الدنيا.”. طعم القهوة شد له صورة زينب وهي تلبس شالها الأبيض وثوبها المطرز وقد أحضرت له فنجان القهوة. على شرفة الليمون. هكذا كانوا يسمونها لأنها تعطرت بفروع ليمونة تنتصب إلى جانبها. بعد تلك الرعدة لم يعد يرى زينب ولا صاحبة العينين النهريتيتن . ترى ما المدة التي قضيتها في هذا العالم؟ أمعقول أنني ميت؟
دفع رجليه مرة أخرى باتجاه الأسفل فاتسعت رقعة الفجوة. فأدرك اتساع القبر الذي سافر إليه. وسقط فجأة إلى هوة قد أفلتت يده من تكبلهما. عيناه ما زالتا تغطسان في ظلمة. إلا انه استبشر خيرا في انعتاق يديه. حاول فتح عينيه ولكن تلك الذرات الصلبة سارعت به إلى إغلاقهما مرة أخرى. حرك يديه فلطمتا بشي طري. أمسك بذلك الشي فلمس قماشا، حرك القماش شد القماش وإذ بشيء يسقط بين يديه، شيء أحسه، شيء أشبه ما يكون باللحم. ” إذن أنا في قبر. لأحاول أن أدفع نفسي إلى أعلى، إلى أعلى، إلى أعلى.”
شعر بأنه يسير إلى فتحة ، فتح عينيه لأول مرة، نظر فرأى مدى أرضي شاسع، لا حدود له من السعة . ” ربما هذه الصحراء، ولكن إذا كانت صحراء، فأين السماء؟ “. سبح من الأسفل على ظهر ذلك السديم من الأرض، نظر إلى نفسه تحسس جسده، كان يلبس قميصا أبيض وربطة عنق ، وجاكيت شتوي، وحذاءه في رجليه . ” إذن فانا دفنت حيا”. أحس بدبيب نمل غريب يزحف إلي قلبه وفجأة انفجر باكيا ، أدرك انه وحده الآن . لم يكن أثر لشجرة الليمون أو لأي اثر حي فوق .ارتعب: ” هل قامت القيامة؟ ولكن أنا الوحيد القائم هنا. ما هذا الفراغ الذي حل بالمكان ، فراغ صامت ، فراغ غير آهل بأي نوع من البشر” . نظر إلى البعيد . لم يكن هناك سماء ، كاد يجن مما رأى : “هل يكون السماء هو ما يقف عليه الآن. أين ذهبت الأرض. وهي؟ هي ، أين آل مآلها.؟ ” راودته فكرة ذكية. ” الآن أنا الوحيد فوق: ماذا لو ذهبت إلى تحت ورأيت ما يوجد هناك. فربما وجدتها . عندها سنعود ونبدأ فنتح هذا السماء الجديد” .
وكالمجنون بدأ يحفر ويحفر ، كانت تجري بين يديه من حين لآخر أشياء لم يتبين هويتها . وقعت بين يديه كرة لها عينين وشفتين . عندها غامت عيناه لحق بدنياه إلى الأسفل حين أدرك ما حدث. فجأة نزعت عينا زينب ورائحة الليمون منه الضوء ولحق ليبحث عن صاحبة العينين في ذلك السديم.
——
* عايدة نصر الله كاتبة وباحثة من فلسطين
[email protected]

نُشر في الإصدار 1.0 من مجلة ميدوزا بتاريخ 29/09/2004 5:00:00 (48 القراء)

‫0 تعليق