عبد العزيز الراشدي: ولائم الجنـوب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

1
تنتهي ولائم النميمة فجأة في دارنا. تمسح أمي وجهها بالراحتين، تلمس الحصير تطيرا، تتنهد و تقول:
– على العموم. ماشي شْغَلْنا..(في الواقع ،لم يعد لديها ما تقول).
ما حدث بالضبط، خلال الأيام الأخيرة، هو البرد والغبار. غطت سماء القرية ظلمة كثيفة، اختبأ الجميع في المنازل، توقف الأطفال عن الذهاب إلى المدرسة، ابتاع الناس المزيد من الأغطية وتذكروا فجأة هذه الحكمة:
– الصيف للفقراء.
العجائز باغتهم الحنين، عادوا إلى أزمنة الصبا والحروب، وتمنوا الركض وسط الريح، لكن السيقان المعروقة تخذل

صحابها، لذلك انكمشوا حول أنفسهم كديدان القز، قال أبي:
-هذا برد منحوس.
عاد الشبان من المدينة، منكسي الرؤوس. ووقت اجتماعاتهم حول النار، يخفون ابتساماتهم المحرجة وهم يعلنون:
-المدينة أسوأ.
عند الليل، يأوي الرجال إلى أجساد نسائهم، يحلمون بالصيف رغم قسوته.أما أنا فكنت مشغولا بديوان. كنت أقرأ عن الأنثى، وأحلم بها، لكنني، كنت غافلا عن الأنثى التي بقربي. كانت فتيات القرية في تطور مستمر، ربما بسبب التلفاز والفيديو كليب..
لم أدرك ذلك سوى ليلة عرس، كانت الظلمة كثيفة، وصلت متأخرا، هاربا من الريح في الخارج، وبدل دخول دار العرس، دخلت غرفة العروس. وعند الباب رأيتها كحلم، كما لم أرها قبلا، جاهزة، مقشرة كموزة، عارية من اليومي. ترفل في الأبيض كملاك. وكنت اسمع أهازيج العرس، قريبة جدا، وأردت الاعتذار أو الهرب، لكنها أوقفتْني، أمسكت يدي، فأحسستُني طفلا صغيرا، أجلستْني قربها، وقبلتْني…
شلتني المفاجأة، ارتعبت، ولم اعرف كيف أتصرف حيال هذه الحرية الفائضة، التي مُنحت لي ،في دار العرس. كان العريس ولا شك ينتظر، والريح تعاند الأهازيج، وقلت لها:
-لابد أن نتلافى القطرات الثلاث. لكنها لم تسمع…
وكنت أسيُر، على جدار الزمن، بعد تلك الحادثة، أتحاشى السقوط في يدِ اللغة أو القبيلة. أُقلب الاحتمالات:ما حدث لي حلم أم حقيقة؟ثم تتجلى أمامي الصور، مربكة معاندة، فلا أجزم.
ستحدث لي، بعد ذلك أشياء أخرى أكثر إرباكا، ذلك أنني ذات ليلة، أحسست بشيء مختلف،ثم تجلت أمامي هذه العبارة:
-سأفكك أضلاع مؤخرة الكلب…
يا اله الكلام، من أين جاءتني العبارة؟بسبب الديوان أم البرد؟ ولماذا افكك أضلاع مؤخرة الكلب؟يا للمسكين..
ثم كيف سأفككها؟بالمبرغ أم بركلة قوية؟أم أن البرد كفيل بذلك؟
لكن الجفاف صعب هذه المرة, كما قالت جدتي، والشبان عادوا من السفر، خاليي الوفاض، وأنا لم أتحاش القطرات الثلاث، والقبيلة غاضبة لذلك، ولم افكك أضلاع مؤخرة الكلب و…الخ..

2
وأنا مالي ؟ كأنما سرى بجسدي خدر. لما هم بي، هممت به .في الحقيقة هممنا ببعضنا. “كنا سكوتا و الهوى يتكلم “. وسمعت أبي خلف الجدار يرحب بالناس بصوت واثق، وعزيمة ساخنة. وكانت الريح تعوي في الخارج والدفوف تصخب..
في الواقع، لم أهتم لأي شيء، نفضت عني كل حرصي. لم أشأ أن أصغي لحشرجة أبي المفترضة آن يعرف ما فعلت. ولا لشماتة صديقاتي ( اللواتي يدعين ذلك ) . أبي اعتاد أن يطلق ضحكته واسعة، سيحجمها منذ اللحظة…
غمرتني عند دخوله أحاسيس كثيرة. كان واقفا أمامي مغطى بالغبار، لم تألف عيناه جو غرفتي بعد. ولما اتضحتُ أمامه أجفل، لكنني طمأنته. أجلسته قربي، وطغى شعور الأمومة بداخلي.
هل خامرني إحساس الدهشة أو الحزن لما أفعل ؟ بالطبع لا. كنت كمن تعيش حلما، كالسابحة فوق سحاب، كأنما لا زمان ولا مكان، نسيت أبي ونظراته الغامرة، نسيت ذلك القادم من فرنسا الذي قال لأبي وهو يحتسي كأس الشاي الساخن، محرجا كأنما لم يغادر القرية قط:
-أريد بنت البلاد.
نسيت الجو المشحون بالغبار و الزغاريد، أخبرته ألا يحزن أو يحرن. وعندما طلب مني أن نتلافى القطرات الثلاث قلت له لا تهتم، وانخرطنا في الدفء.


3
لن يربكني الفارق الضروري بين الأصل و الصورة، بين الحلم و اليقظة، بين الواقع و الخيال : الأصل المرسوم في ذهني، و الخيال الذي يتهامسون به .. أو قدوا المشاعل وتفرقوا في الحقول ، قالوا أنه أحمد، هو الوحيد الذي يقرأ الكتب و يظل صامتا ،كان حريا بي أن أسمع الهمهمات و أنا في دار العرس وأحذره ،أين تراه الآن ؟ثم ما بالهم يتحدثون عن مؤخرات الكلاب هكذا.وهل أحمد العاقل الرزين يكتب أشياء كهذه.لا أساس لها ولا رأس
بدأ كل شيء طبيعي: حرصت بنفسي على سير العرس، أنا صديق العائلة.عرسهم عرسي. برار يد الشاي كانت على* المجامير* ، و كنت أنفخ في النار ،تم سمعت الهمهمات .تحدث الجميع عن فضيحة العروس ،وجدوها نائمة على السرير ،كطفل صغير ، مستغرقة في حلم ،يطفو إحساس النشوة على وجهها.كأنما تنتمي إلى عالم آخر.وكانت القطرات الثلاث تزين بياض الفراش.كان واضحا أن أحدهم تعجل نهاية العرس. وقبل أن يوقظها الحاج بصفعة، كانوا قد عثروا على كتاب أحمد وأوراقه..توغلوا في الحقول بحثا عنه.
طبعا، سوف أستغل الفوضى، وأنفذ بجلدي فأنا أبوه. ولن يربكني الفارق الضروري بينه وبيني،لا صداقة الحاج ولا الحكمة: لا تزر وازرة…توغلوا في الحقول ، كلما أطفأت الريح مشاعلهم أوقدوا بدلها الأحقاد.

4
توغلوا مزيدا.لن تجنوا غير التعب.نقبوا في الحقول. اسألوا الأشجار وهواء الليل والحشرات.لست سوى فكرة خرقاء.
وأنت، ضعي لنا صينية الخرافة نتفكه ببعض الجان.العفاريت الصغيرة تفاحنا ،أطلقي البخور والهمهمات فلن أقرأ قصار السور.
جاءوك عند الليل. مشاعلهم متوهجة. كنت مختبئا في حانوت التبن وسمعتهم يسألون عني..قالوا أنك* شوافة* القرية وتعرفين لا شك مكاني. لن تشي بي طبعا فعلاقتنا ممتدة كالشرخ.. طلبتِ منهم أن يتوغلوا مزيدا،ثم عدت لي.
الآن سأنام مطمئنا،وأقرأ عليك قصيدتي:
متفاعلن متفاعلن فاعلن
فاعلن مفاعلتن فعول
فاعلاتن متفاعلن فاعلاتن
……………………
فاعلن

عبد العزيز الراشدي قاص من المغرب
[email protected]

نُشر في الإصدار 1.0 لمجلة ميدوزا بتاريخ 24/09/2004 4:50:00 (60 القراء)

‫0 تعليق