عبد الرحيم الخصـار: مثل طائر خذلته أنثاه

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

إلى أين أمضي ؟
الشمس التي كانت تشرق في سمائي سقطت
و البوصلات التي في يدي أصابها العطب
عما قريب
سيغدو العالم غرفة مظلمة
و أنا لا أزال واقفا هنا

كعربة منسية في المرج
أتحسس ما سيأتي
و أحضن الظلام بعطف العميان
تحت هذه السماء الصغيرة
كنت أروض الشقاء
أخبئ الفرح في الجرار
و أرعى في ضيعتي أفكارا هاربة
كنت أجلس على كرسي من خشب قديم
مرتديا منامتي البالية
و في يدي حزمة أوراق
أنظر إلى القمر
أنظر أيضا إلى الكواكب الأخرى
أهرش رأسي قليلا
و أفكر في تغيير العالم
تماما مثل المجانين الكبار.
تبا
لقد تشقق سقف الخشب
و تسربت المياه إلى بيتي
تجمدت العصافير في أقفاصها
و الكلمات شاخت فوق الرفوف
الفراشات التي حامت حول سريري ماتت
و هواء الحجرة قد انتحر.

إلى أين أمضي ؟
الظلام يرقص في حفلة بلا قناع
و الخوف يتسلق أعضائي
كما لو أني جالس
في حديقة تبتلع مقاعدها
شعري غابة أفكار
عيناي ثلاثون عاما من القلق
و أنفي مغارتان باتجاه صخب قديم
شفتاي مطبقتان كمحارة في جوف صخرة
صدري ترن فيه الأضلاع
كقضبان صدئة يتمسك بها قلبي المعتقل
ظهري مسند إلى الماضي
كحائط بلا ساعة
ركبتاي كومتان
من الحجر الرملي الخشن
و يداي أجنحة طائر أفلت للتو من المصيدة
الشلل الرعاش
يشد أطرافي إلى حياة تحتضر
و إلى سلالم لم يعد بوسعي
الوصول إلى نهايتها.

إلى أين أمضي ؟
الكلاب في وطني تخنق الهواء بنباحها
و الطرائد تسقط في أول رحلة صيد
البؤس يعدو أمامي على الرصيف
و الخسة تحدق في من الشرفات
الأشرار هنا يسوقون عربات الورد
و الشياطين يلقنون دروس الإيمان.
أنت مريض يا وطني
سعالك أسمعه من بعيد
كنهاية رجل خدعته الحرب
عيناك غارتا من طول الانتظار
و قدماك تورمتا
من المشي في طرقات غير سالكة
أنا أضعف منك يا وطني
فلا تتكئ علي طويلا
كما لو أني عكازتك الوحيدة
لم ترأف بي حين قست الأيام
و لم تعلمني درسا واحدا في العناية
فكيف أجلس قرب سريرك الرث
أرتب باقات الزهور
و أحزم رأسك بالمناديل
متوهما أنني أخفف عنك الحمى ؟

إلى أين أمضي ؟
ذئاب العالم أشد ضراوة
أشد فتكا بالحملان
و أنا أعزل
لا سيف في يدي و لا رصاص
أملك فقط ترسانة أحاسيس
و حصنا عاليا من الكلمات.
ستجني علي هذه النظرة الجامدة
هذا الوعي الحاد بالأشياء
هو الذي سيميتني
و هاته الكلمات المتراصة على الأوراق
أخاف يوما ما أن تدفعني إلى الهاوية.
لماذا تغيرت الألوان في عيني ؟
لماذا صرت أنظر إلى الحياة
كأني أسير حرب ؟
لست المحارب الوحيد
فوق هذه الأرض
أنا فقط لاعب أدوار:
مهرج صغير في حجرة ضيقة
عازف كمان مصاب بالرعاش
مجرد كومبارس في فرقة لا يعرفها أحد
مؤذن في صومعة مهجورة
راو ينسى الحكايات
حارس غابة يهزمه النوم
مروض للثعابين الميتة
دليل أعمى لقافلة تجوب الصحراء
زارع النرجس في الرمال
بائع للكلمات بأثمنة متهاودة
مربي أطفال ودعوا الشمس باكرا
و أيقنوا أنها لن تعود في الغد
أنا فقط مقامر خاسر
تداخلت الأوراق في يدي
و خذلني النرد
أفكاري تغير تنانيرها
كلما أشرقت عليها الشمس
و رهاناتي دائما غامضة
أعيش حياتي
و أستعير حياة أخرى من سواي
أزرع الحب بدل الريح
لكنني دائما أحصد العاصفة
أخال نفسي رجلا من حديد
أتحسس جسدي
فأكتشف أني رجل ثلج.

أريد أن أصرخ عاليا مثل السوبرانو:
العالم تافه و حقير
العالم نذل و جبان
و أنت أيتها الحياة الصابئة
ماذا فعلت بك حتى ترديني هكذا ؟
كنت نائمة فأيقظتك
داعبتك قليلا
أوقفتك أمام المرآة
مشطت شعرك الأشقر
ألبستك التنورة الزرقاء
أخرجتك من غرفة النوم
و أجلستك على أريكة في الحديقة
رتبت السرير
شمست الشراشف و الملاءات
فرشت منديلا تحت شجر السنديان
و جلسنا نقضم الفطائر و نشرب الشاي
و كطفل أحب للمرة الأولى
حكيت لك كل الحكايا
أغرقتك في شلال من الرومانس
و حاصرتك بكلمات جبران القديمة
أهديتك مزهرية النرجس
و شال الحرير
و رفا من روايات الحب
كنت تبتسمين لي و أنا أهذي
و حين أغمضت عيني
مقتربا كعاشق قديم من وجهك
فتحتهما على الخذلان
اختفيت بعيدا عن رهافتي
مثلما يختفي السمان في أدغال القصب
لم تتركي في يدي سوى بقايا النرجس
و خدر موجع يربك الحواس
ماذا فعلت بك حتى ترديني هكذا ؟
هل كان علي أن أصرخ في وجهك
و ألطخ فستانك بالوحل ؟
هل كان علي أن أشدك من شعرك كالمجنون
و أجرجرك خلفي في الغدران ؟

إلى أين أمضي ؟
و ماذا أفعل في أرض
تكافئ شتائي بالجفاف ؟
لا شيء
غير أني سأواصل تغريدي كالعادة
حاملا قناديلي المطفأة في ليل لا ينتهي
و بقليل من الضوء الذي يلمع في عيني
سأخترق الظلام
و حين يستبد بي التعب
و تنتهي حربي
مع طواحين الماء و النار و الهواء
سأجلس و حيدا
مثل قائد روماني غرير
في قصر لم يعد فيه سوى صرير الدروع
و صخب التماثيل
و عرش قديم يعتليه الزنجار
أتكئ على خوذتي
أترك صدري عاريا
و أعلق قميصي على الأطلال
ربما تجففه الشمس من الخطايا
أضع قدما على قدم
و أملأ الخراب من حولي بالصفير
و بابتسامة باردة
سأنظر إليك أيتها الحياة
مثلما ينظر طفل إلى زهرة غاردينيا
يدوسها جندي معتوه
حتما ستلوحين لي يوما ما
و يضيع صوتك في المناداة
غير أني سأدير لك ظهري
و أواصل تغريدي كالعادة
حتى لو كانت ألحاني مؤلمة
فسأغرد للأبد
مثل طائر خذلته أنثاه.


  • عبد الرحيم الخصـار شاعر من المغرب

نُشر في الإصدار 1.0 للمجلة بتاريخ 22/09/2004 10:30:00 (66 القراء)

‫0 تعليق