ليلى الشافعي: في تلخيص باريس

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

زاوية المطبخ. البيت أكثر ضيقا مما خمنت، وأشياؤه مبعثرة كما اتفق. كتب، ملابس، أطباق ورسائل مهملة. بدا لي الفراش مغريا، تسلقته وأغمضت جفني طمعا في إغفاءة تجلب بعض الراحة. رأسي يشتعل، دماغي يلاحق الصور الغادية ومسامي نابهة لا تنام. جلست بفتور على طرف السرير. أخرجت مفكرتي وكتبت:
“أتيت هذه المدينة سالمة كما خرجت ولا أعلم إن كنت سأعود سالمة. غموض كثيف يطوقني ككتل الضباب في سقف سمائهم، شعور بالخيبة والذهول والاستصغار يقلص حدودي، ويلجم امتدادي. هي مدينة لا تشبه تلك التي نحتت ملامحها من ورق ومشاتل أوهام. هي شوارع فسيحة وبنايات عالية وواجهات مغرية ووجوه بضة معافاة. غير أن كلابهم تتغوط كما اتفق، وأعقاب سجائرهم تلوث الإسلفت وقنواتهم مفتوحة للإصلاح. عندما نحتت وجه مدينتي كان شيئا مختلفا، تصورتها خارجة للتو من جوف البحر نقية بيضاء يقف العشاق على عتبتها لتجود عليهم بوصفات للنسيان. تصورتها ترياقا يطهر البدن من أدرانه وسمومه. غير أنها اليوم تضطهدني،تجردني من هويتي ولا تسلمني بديلا، تطوح بسذاجتي وتسلمها للاغتراب. لم تأت لاستقبالي ولم تهش لمقدمي، ظلت مضطجعة بغنج فوق السهل ترقب بلا مبالاة خطوي المتعثر وتقذف في وجهي بغرورها السافر. كنت وحدي عندما بحثت في تجاوفها عن سبيل يبلغني مستقري، وأنا الآن كأية عابرة سبيل مبتذلة، وحيدة تماما أتسلق فراشا صغيرا، أحدق في الجدران وأكتب. هكذا قضيت الساعات الأولى لهذا السفر المستحيل. سأنام الآن لأستيقظ على جديدها وأوافيك به في حكايات أخرى”.
ارتفعت الطائرة في الفضاء بعد أن خصصت أحد المقاعد لجسمها النحيل. خدر لذيذ تسرب إلى جسدها لحظة الإقلاع، شعرت بالدم يصعد حارا إلى وجهها وبأمعائها تغوص في مكان ما من أحشائها. اشرأبت بعنقها لتطل على تلك المدينة التي لم تغادرها في حياتها. بدت لها كالأشباح تتوارى رويدا رويدا خلف سحاب منثور كندف قطن أبيض. هي الآن فوق السحاب، والقطن يحجب خارطة العالم،وجليسها يصر على مناقشة القضايا السياسية والفكرية وقضايا النشر والتوزيع. وهي لا تريد سوى لحظة سلام تعيد فيها ترتيب الذاكرة وتستعد للقاء المرتقب. وجليسها لا يمهلها، وهي تستغفله وتشرئب مرة أخرى حتى يلتصق وجهها بالزجاج، “أريد أن أرى البحر” تقول “السحاب كثيف يحجب كل شيء” يرد عليها. ثم يستأنف لغوه الصاخب. فيجتاحها شعور بالخيبة. هي تحب البحر، تحب أغواره السحيقة وماءه المالح، وكلما أضناها ضجر الأماسي الحزينة تجلس إليه وتبثه لواعجها، وتتصور أسرارها الصغيرة كنوزا تستقر في قاع الماء تنتظر من يخرجها ويعيد إليها وهج الحياة. هي الآن تريد أن ترى البحر من فوق، أن تتأمل قامته وامتداده. غير ان السحاب يحجب الرؤية. وهي لا تلمك سوى خيالها تصنع منه أشكالا لأشيائها المتمنعة. وجليسها يحدثها عن باريس. عن الحياة الثقافية هناك، عن زياراته المتكررة، ويدعوها لحضور ندوة حول الديمقراطية، فتنظر إليه وتبتسم. وتتساءل عن وجه الشبه بين باريس ومدينتها، فيضحك منها، ويحثدها عن أزمة النشر في مدينتها وأزمة الثقافة وحقوق الإنسان. تنظر إليها ببلاهة وتهمس “أريد أن أرى البحر” فيتناهى إلى سمعها صوت المضيفة يعلن أن الطائرة تحلق فوق الأراضي الاستبانية وتتمنى للركاب رحلة سعيدة. فتدرك أنها خلفت البحر وراءها وخلفت معه أسرارها العزيزة. وتلتفت إلى جليسها “أين يودع الفرنسيون أسراراهم؟”، ينظر إليها بإشفاق: “هم أناس لا اسرار لهم، يقولون كل شيء لأن سماءهم تسع كل أشيائهم”. تسأله بعد تردد “ألا يوجد لديهم مخبرون؟” فيجيبها بزهو العالم بأمور النصارى “مخبرون لا يشبهون مخبرينا “غير أنها لا تهتم للجواب، كانت حزينة وبرودة غريبة تستوطن مفاصلها وهي مستلقية بارتخاء في مقعدها كأن يدا خفية تقودها لمصير غامض.
قال جليسي “لعلنا أشرفنا الآن على الديار الفرنسية” ألصقت جبيني بالزجاج، بدت لي ندف القطن وقد تلاشت واستحالت ستارا شفافا تخترقه صور بيوت وقطع أرض خضراء. وبدت لي الأرض كفاتنة تسدل خمارها إمعانا في الإراء. التفت إلى جليسي “هل تعتقد أن بإمكاننا الاستفادة م ديمقراطيتهم للحديث عن “ديمقراطيتنا”؟” فبدت على محياه علامات الواعظ الخبير: “يبدو أنك سريعة الاغترار، وقد تحرمين مرة أخرى من جوازك”. “ما العمل إذن؟” “أن تلوكي لسانك سبع مرات قبل النطق بكلمة واحدة، تعلمي المرونة، فهذه فرصتك”.
استلقيت في مقعدي، ألصقت وجهي بالزجاج وأخذت أدير لساني يمينا وشمالا وأنظر إلى الجبال والسهول والوديان وقطع الأرض المحروثة وقد تبدد الستار الذي كان يحجبها وبدت شهية كقطعة تفاح أحمر. ثم لاحت لي البنايات مرصوصة كأنها طالعة من جوف الأرض وتناهى إلي صوت المضيفة يحث الركاب على إطفاء السجائر وشد الأحزمة لأن الطائرة شرعت في النزول إلى مطار أورلي جنوب. التفت إلى جليسي وهتفت كطفلة تتطلع إلى لعبتها الجديدة “لقد وصلنا إلى باريس، وصلنا إلى باريس!” ونسيت أن ألوك لساني سبع مرات.
يبدو ذلك اليوم بعيدا كأنه موغل في زمن آخر. وهي إذ تجلس الآن لتفكر في كل ذلك تتساءل ما الذي تبقى من تحقيق ذلك الحلم غير صور تقبض على بعضها ويتسلل البعض الآخر كالوهم بين أصابعها. أهكذا تعاش الحياة؟ ركض متواصل للقبض على حلم يستحيل صور وجوه وأمكنة وشذرات أفكار تختزنها الذاكرة لترحل بها يوما ما إلى تربة موغلة في النسيان. هي حياة إذن تعاش في الذاكرة. هو زمن يجري كمياه الأنهار ليجرف معه اشياءنا. أمن أجل هذه النهاية البئيسة نصر على صنع الأحلام والركض خلفها؟
هي الآن تذكر كم كان ذلك الحلم متمنعا. جاؤوا ذات مساء وجردوها من جواز سفرها فكبر عنها الشوق للرحيل حتى بات أسطورة تعيش على التسلل إلى مسالكها. وصنعت لنفسها صورة عن تلك البلاد الأخرى، أثتت الفضاء ورفعت المعمار وصنعت نساء ورجالا من ورق ونفخت فيهم ليعمروا الشوارع والحانات والمعاهد والإدارات، وظلت تتعدهم بالرعاية وتتقصى أخبارهم وتعدهم بالمجيء. ثم جاؤوا وقالوا خذي جوازك وارحلي متى شئت؟ هي الآن تذكر كل ذلك. التصقت بجوازها كطفل يلتصق بثدي أمه وشرعت تستعد للرحيل. لا شيء يحول دونها ودون تلك البلاد سوى هذا الوضع الذي بات مختلفا. هي تذكر أن رجلها جاء في صباح كأنه العيد ونفذ إلى حناياها وشدها بأوفاقه السرية إلى حناياه فمزقت شخصياتها الورقية ورحلت إلى غوره. هي الآن سعيدة بوضعها الجديد. انتظرته فجاء إليها محملا بالوعود. لماذا لم يجيؤوها بالجواز قبل ذلك؟ كان تحلم بقضاء بضع سنوات هناك لعل الله يمن عليها بخير معرفي عميم. غير أن الوضع بات مختلفا. هي اليوم لا ترنو إلى الرحيل، تشتاق إلى السفر فقط. بضعة أيام معدودات فقط. للاستطلاع فقط. للتحاور ولملاقاة وجوه أحبة غابوا قبل هذا الزمن بكثير.
حين توجهت إلى الطائرة تركته منتصبا على الرصيف. كان يبدو حزينا وشيء ما بداخله يوحي بالانكسار. كان تعلم أنه ما يزال محروما من السفر، وكان هو يعلم أنها بعد دقائق ستحلق وحدها في البعيد وسيظل هو مشدودا إلى الرصيف. وضعت وجهه بين يديها وضمته طويلا ثم همست “لا تذهب قبل غقلاع الطائرة” فهم قصدها وأومأ برأسه، فتركته وغابت في زحمة الأجساد المسافرة. قالت لجليسها لعلهم ينزلونني قبل الإقلاع” استخف من نقص خبرتها “لا تبالغي، لو رغبوا في ذلك ما سلموك جوازك” “لكنهم..” ثم ترددت ثم صمتت. وفكرت في ذلك الرجل الواقف هناك بين الحزن والوجل.
تحسست خطواتي الأولى على إسفلت باريس، مطار أرضيته تلمع كما لو أنها دهنت بالزيت البلدي. رجال ونساء شقر وسمر يركضون هنا وهناك. وعيناي تتسعان على مداهما لتشملا كل الصور المدبرة. أنت الآن مقبلة على تجربة أخرى. مسافة أخرى تمتد بينك وبين ذاتك، وهذه المدينة التي راودتك في أماسي الضجر ودغدغت أحلامك تنبسط الآن أمامك كحقل عنب شهي، فاستجمعي عزمك وتغلغلي في مسامها قبل أن توصد أبوابها في وجهك. هذا ما أخبروك به عندما دار حديثهم حول المدن الشقراء. انفذي كحد الرمح إلى غورها قبل أن تنتبه إلى وجلك وتددك وكهشتك وغربتك فتلفظك بعيدا.
جلت بعيني المشدوهتين في فضاء المطار.
– “الله! لم تبصر عيناي بناية كهذه، إنها أجمل من قبة برلمانية”
رد رفيقي ضاحكا:
– إنه اردأ مطار، وهو مخصص للقادمين من دول الجنوب، ماذا لو رأيت مطار السوق!
ازدادت غبطتي ورقص فرح غامض في صدري. ما كل هذا الذي ينتظرني؟ إنها فرصتي لأصقل معاييري الجمالية، سأكشف الفن والذكاء، سأتحسسهما وتتسلل المتعة إلى حناياي حد الخدر والارتعاش. تلك المتعة.. آه كم هي نادرة في بلدي! هنا سأفتح مسامي لذلك الجمال المسافر عبر التاريخ. سأترك روائع الموسيقى تحلق بي في لحظات هدوء رائق إلى عوالم أخرى. سأقف طويلا أما لوحات رسامين قرأت عنهم. سأتحسس بأصابعي إبداع إنسان ما قبل التاريخ وسألتقي في لحظة صفاء خاطف مع جدودي الأوائل لأسألهم عن جذوري ومصيرهم. سأحب كل شيء هنا، وسأعود لأنني أحب شخصا واحدا هناك.
– ما العمل لأزور مطار السوق؟
– الأمر بسيط، عليك أن تموتي وتبعثي من جديد مواطنة بإحدى تلك الدول! رد رفيقي ساخرا.
كانت تعلم أنديمقراطيتهم لا تقبلها باختلافها وتخلفها. هم يخشون العدوى، أو هكذا على الأقل يبرر المتطرفون منهم إقصاءها. يتصورونها قادمة من مفازات الرمل والبعير، مدثرة بأحجبتها الكثيفة، مضمخة برائحة البخور وتعاويذ العرافات. هي ترنو إلى فضاء آخر إلى عالم بلا حدود يسع جسدها المثخن بندوب الإقصاء. لكنها في عرفهم أقل قليلا من مومياء محنطة في متحف “لوفر” أو لوحة لبدوية من القرون الوسطى في متحف “دورساي”. تنظر إلى رفيقها ولا تحير جوابا. هو يعرف وهي تعرف أنهما هنا ليقولا كلمتهما ويميضان. لا مكان هنا يسع أحلامهما. لهم وطنهم وملتهم وشرائعهم ولها غصصها وهزائمها وكبرياؤها وأطياف رفاق رحلوا قبل الأوان. ستقول لهم أنها تحلم بالديمقراطية والتفتح والتسامح واحترام حقوق الإنسان، وستخبرهم عن نضالات أبناء بلدها.وسيستمعون إليها أو لا يستمعون. سيساندونها أو يسخرون منها. لكنها تعلم أنهم سيتأملونها من عل وسيخرجون شاقولهم ليقسوا حسن نيتها في الدفاع عن نموذجهم. وسترتبك لأنها لا تقتنع بنموذجهم ولا ترغب في أن تجعل منه ديدنها، وهي في نفس الوقت لا تلمك بديلا. وسيتهمونها بالتردد وعدم
– الآن سيسعفك، تعالي نشرب قهوة ونتحدث.
– لا.أقصد أنا على موعد..
– أنت الآن على موعد معي
وشدت بأصابعها على رقبتي فشعرت بخدر لذيذ يتسلل إلى مفاصلي
قلت: اعفني من شرب القهوة، من شرب القهوة، فقد أصابني تعب مفاجئ.
قالت: إذن لنذهب إلى بيتي.
قلت: أفضل أن نشرب القهوة.
وجلسنا.
كانت مصابيح المقهى تنشر ضوءها الأبيض في كل الزوايا، وتسقط على جسدها لتكشفه أمامي ملفوفا في غموضه وأسراره. امرأة جميلة في العقد الرابع، وجه ناعم، شعر رمادي وعينان بلون العشب يمزجان بين سذاجة بادية وذكاء مبطن. ركزت نظراتي عليهما محاولة فهم سر مطاردتها لي، وكأنها أدركت قصدي قالت متممة حديثا لم تبدأه.
– نعم… إنه يغار منك.
– من؟
– صديفي الذي حدثتك عنه. بالأمس عندما طلبت منه مساعدتي في العثور عليك أقام الدنيا ولم يقعدها، ثم خرج غاضبا ولم يعد.
– كيف يغار من امرأة؟
لعل له مبرراته المعقولة.
رأيت ابتسامة نزقة في عينيها سرعان ما تحولت إلى نظرات غامضة حالمة ثم إلى رسالة اشتهاء. أشحت بوجهي، تحاشيت النظر إليها، لم أعرف أين أخبئ عيني، تسلق الخوف شراييني، حلمت بالهرب وبالخروج من جلدي والركض بعيدا في الشوارع. أينك أمي؟ لم أخف يوما في حضرة رجل، وها هي اليوم تسلبني اعتدادي بنفسي وتقذف تحديها في وجهي. لماذا لم تصمت؟ كانت ستترك لي فرصة أخرى للتغابي. أنا الآن أعرف، وهي تعرف أنني أعرف. ليس إلى هذا الحد يا صديقتي. أنا مازلت أحسب الزمن بتاريخين، وما زلت لم أعثر على نعلي، فلا تضطهديني، أنت التي توسمت فيك نصري.
نظرت إلى ساعتي، قفزت وكأنني تذكرت موعدا هاما ، قلت:
– اتصلي بي هاتفيا إذا، سأنتظر مكالمتك بعد الزوال، وسنرتب وقتنا معا.
علا فرح طفولي محياها، قالت مبتسمة بتواطؤ:
– أوكي، اتفقنا!
ودعتها في باب المقهى، ركضت إلى البيت، حملت حقيبتي وبعضا من ذارتي، ثم غيرت رقم هاتفي.. إلى الأبد.

ليلى الشافعي صحفية وكاتبة من المغرب

[email protected]

صدر في النسخة 1.0 من مجلة ميدوزا بتاريخ 22/09/2004 4:40:00 (89 القراء)

‫0 تعليق

اترك تعليقاً