محمد أسليم: السحر والمتخيل

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!
  1. السحر والثقافة الشعبية:
    لا يخلو الجمع بين «السحر» و«الثقافة الشعبية» من لبس ما لم ينطوي على حكم مسبق، مفاده أن السحر معتقد وممارسة ينحصران في قطاع ما يسمى بالثقافة الشعبية التي يراد لها عموما أن تعني ثقافة الناس العاديين الذين لم يتلقوا أي نصيب من التعليم العصري، والذين يعيشون على هامش الحداثة، ويشكل بذلك حقل مصادرة مزدوجة:
    مصادرة الإسلام ومصادرة المعاصرة، كما يحيل في نهاية المطاف إلى سؤال الفرق بين العلم والسحر. السحر من هذه الزاوية للنظر، يؤول إلى ما هو متخيل، لا عقلاني، متخيل، متخلف، وتقليدي، في حين يحيل العلم (ضمن المنظور نفسه) على ما هو عقلاني، واقعي، متقدم وعصري.
    في الواقع، لا يمكن لهذه النظرة إلا أن تنطوي على نزعة تمركز علمية – تاريخية، إن جاز التعبير، تعتبر لحظتنا التاريخية هي أرقى المحطات التي وصل إليها الجنس البشري. والحال أن العلم يتعرض حاليا لخلخلة داخلية عميقة: فمن داخل العلم يتم اليوم التشكيك في عدد من الأسس والسمات التي يقوم عليها العلم الحديث، كالحتمية، والتوقع، وتجزيء موضوع البحث، والإعراض عن تناول كل ما هو لا عقلاني، الخ.[1] بل ثمة من يطرح أن تفرد حضارتنا المتمثل في السلطة التي أحرزها العلم على الثقافة البشرية خلال القرون الأربع الماضية، تفرد «يجعل من حضارتنا تجربة تاريخية إلى حد كبير، نتائجها غير مؤكدة بشكل حاسم»[2].
  2. السحـر والعلم:
    ينطوي الحديث عن وجود فرق «أساسي» بين السحر والعلم على إقرار ضمني بوجود حدود كثيرة بين النشاطين، متدرجة في الأهمية، لا ترقى لدرجة إتاحة تبين الاختلاف الجوهري بين الحقلين، أي لا تسمح بتبين ذلك الخط الذي يجعل من هذين النشاطين عالمين متمايزين لا وجود لأي شكل من التداخل بينهما، بل ربما متعارضين حتى… يبدو أن هذا السؤال لا يمكن أن يترك إلا مطروحا بالنظر إلى وجود جوهر مشترك بينهما، ربما لا سبيل إلى محوه إذا قبلنا بالنعت الذي يطلقه البعض على الإنسان، وهو «الإنسان الساحر» homo-magusعلى غرار النعت الآخر الذي يصف الكائن البشري نفسه بـ «العاقل» أو «المفكر» sapiens، بمعنى أن الأمر (أمر دوام الجوهر المشترك بين العلم والسحر) يعود إلى الإنسان نفسه وليس إلى ضروب الأنشطة التي يزاولها. يبدو أن هذا الجوهر يتمثل في عنصر واحد وهو الرغبة؛
    فقد وضع الإنسان قديما منظومة فكرية لفهم الكون والظواهر الطبيعية وأصل الحياة والموت والمرض واختلاف الجنسين، إلى غير ذلك من الأشياء التي تستدعي الفهم، بغاية التحكم فيها ووضع حد للآلام المحايثة لوجوده، أي بهدف ترجمة المنظومة الفكرية إلى أفعال، فظن أن المطر والجفاف، مثلا، يعودان إلى أرواح أو آلهة، ومن ثمة ابتكر مجموعة من الطقوس لإرضائها، كما اعتقد أنه إذا رسم في جدران المغارات الحيوانات التي يرغب في اصطيادها أدت هذه الطلاسم إلى تسهيل عملية الصيد، الخ. ومع تقدم السنين وتراكم التجارب والخبرات لم ترق هذه النظرية والطقوس قسما من السحرة فانفصلوا عن عالم السحر وأسسوا عالما آخر، يدعى «العلم». بهذا المعنى يمكن فهم مسعى ميشليه وموس الناجح في إظهار كيف أنجب السحر العلم، واعتبار الطبيب ابنا للساحرة[3]. بيد أن ما يفعله المعلم والتلميذ المنشق، إلى يومنا هذا، لا يعدو مجرد التعبير عن الرغبة وابتكار أدوات لإشباعها. لكن كل يسلك إليها سبيلا: السحر يلازم منظومته الفكرية وطقوسه العتيقة، رافضا أي تجديد أو ابتكار، أو يتجدد ويبتكر، لكن سائرا ببطء شديد جدا بحيث لا يمكن إدراك تحولاته وتجديداته إلا بعقد مقارنات بين نقط زمنية متباعدة. أما العلم، فمنظوماته الفكرية متعرضة على الدوام للتغيير والانقلابات الجذرية (نظرية العماء)، ابتكاراته / طقوسه تحقق تراكما وتكاثرا هائلين. فقد رغب الإنسان، منذ القدم، في الطيران في الهواء، وطي المسافات، مثلا، فابتكر السحر طقوسا تسعى لإرغام الكائنات الخفية (الجن والأرواح) المنتشرة في الكون على الامتثال لهذه الرغبة. ومع ابتكار الطائرة والتواصل الإلكتروني، مثلا، لم يأت العلم بجديد سوى تعويض الكائنات غير المرئية بأدوات وأشياء ملموسة تتيح تلبية الرغبة ذاتها باجتياز طقوس لا تخلو من قرابة مع الطقوس السحرية، أشدها جلاء ذلك الطلسم المزخرف بنقوش ورسوم وطلاء مداد، الذي يدعى تذكرة السفر… من هذا المنظور، يمكن تلخيص الفرق الجوهري بين السحر والعلم في ثبات الأول وروحانيته وتحول الثاني وماديته. لكن ألم يقل أندري مالرو بأن القرن الواحد العشرين سيكون روحانيا أو لن يكون؟
  3. السحر والمتخيل:
    للسحر صلة وثيقة بالمتخيل، إذ منه يتغذى لبناء منظومته «المعرفية» التي تقف وراء تدخلاته. هذه المنظومة المعرفية تنكب عموما على جانبين: تقديم صورة للكون، ثم عرض تفسير للشرور والآلام التي يشرعن السحر وجوده من خلال السعي لوضع حد لها، عبر تدخلاته الطقوسية.
    يتألف الكون في السحر العربي – الإسلامي من عالمين: علوي وسفلي.
    العلوي يتألف من منازل وسكان:
    المنازل هي النجوم والأفلاك، التي تنتظم على شكل هرم، وتشمل فلك الأطلس وفلك الكواكب، وفلك الأجرام الثابتة، ثم فلك النجوم المتحركة.
    أما سكان العالم العلوي فهم الأرواح والملائكة الذين يخضعون بدورهم لتراتبية هرمية تتألف من حملة العرش، والروح الأمين وسلاطين الملائكة (جبرائيل، ميكائيل، عزرائيل وإسرافيل)، والكروبيين، وملائكة السماوات السبع، والحفظة، والملائكة الساهرين على الإنسان، ومعذبو القبور (منكر ونكير)، وأخيرا الملائكة السياحيين.
    أما العالم السفلي أو عالم الحيوانات والفساد، فيتألف بدوره من هرمية من المجودات، تتألف من الإنسان، والجن، وإبليس، إضافة طبعا إلى مملكتي الجماد والنبات.
    والعلاقة بين العالمين هي علاقة لا تكافؤ، يسود فيها ما هو علوي على ما هو سفلي، بحيث ما من شيء يحصل هنا إلا ويجد تفسيره هناك: فسلوك الإنسان ومزاجه وعاقبته، كل ذلك يجب تفسيره في الاقترانات الفلكية، ومن ثمة إمكانيات تحقيق معرفة استباقية بما سيحصل للإنسان، ومعاكسة السيء منه بالتدخل في حتمية العلويات – إن جاز التعبير – وتغيير تأثيراتها: في هذا الإطار يقول التيفاشي، مثلا:

«المولود يتولى أمره من وقت مولده القمر أربع سنين، لأن المولود حينئذ رطب سريع النمو، وأكثر غذائه مائي، ثم يتولاه عطارد عشر سنين، فيقوى فيه سهم النفس وتنغرس فيه غروس التعاليم، وتبتدئ فيه أصول الأخلاق وخواص الأعمال التي يحدث منها التعلم والأدب، ثم تتولاه الزهرة ثماني سنين فتبتدئ فيه حركة مجاري المني، وتحركه إلى أمور الجماع والعشق والانخلاع، ثم تتولاه الشمس تسع عشرة سنة فتصير النفس مستولية على الأعمال قادرة عليها، وينتقل من الهزل واللعب إلى الوقار وصيانة النفس، ثم يتولاه المريخ خمس عشرة سنة، فيحدث فيه صعوبة المعاش والهموم والفكر، ونفسه تحس بالانحطاط ويزيد في حرصه؛ ثم يتولاه المشتري ثنتي عشرة سنة فينصرف عن مباشرة الأعمال بنفسه والكد والاضطراب، ويلزم حسن المذهب واكتساب الذكر الجميل، ثم يتولاه زحل آخر العمر فيعرض لبدنه البرد والكسل وعسر الحركة إلى الشهوات، ويتبين فيه الانحطاط وقلة الاحتمال، فاي كوكب من هذه الكواكب كان أقوى في أصل المولد وأسعد، كان تأثيره وما يدل عليه في وقت التربية أظهر وأبين»[4].

لا يتألف الكون في التصور السحري من كتل من الأجرام والمخلوقات والموجودات المودوعة بشكل فوضي، بل على العكس يتألف من شبكة من التناسبات، بحيث ما من كائن أو نبات أو شجر أو حيوان إلا ويشكل عقدة في سلسلة طويلة تمتد من سطح الأرض إلى أعلى نقطة يمكن تصورها في الكون[5]، هذه السلسلة ما من مخلوق أو موجود في الكون إلا ويشكل مدخلا إليها.
هذه الانتظامات لا تقف عند حدود المخلوقات والموجودات، بل تتجاوزها إلى مكونات ما يسمى بـ «العلوم لروحانية نفسها»، بحيث يمكن الوقوف على الانتظامات والتآلفات نفسها انطلاقا من أي مدخل من مداخل السحر. فمثلا: إذا أخذنا شكلا من الأشكال الرملية الـ 16، وليكن نقي الخذ، مثلا، الذي يأخذ صورة نقطة تحتها خط فنقطتين، أمكن بناء الخط التالي: إنه شكل ترابي، ليلي، ناطق، ممتزج نحس، أحمر، حامض، عدمٌ، ثقيل، مربع، خنثى أقرب إلى الأنوثة، له من الأقاليم الروم، من الأوقات الظهر، من الجهات القبلة، من البروج الميزان، من الأعداد 8، من الحروف، الياء والضاد، من منازل القمر الجبهة والمقدم، ومن الشهور أكتوبر وربيع الثاني، الخ.[6]
يقوم السحر على يقين إمكان التدخل في شبكة العلاقات التي تربط بين منازل العالمين العلوي والسفلي وسكانهما، وإخضاعها للرغبة، وذلك بترسانة من الطقوس يفضي تحليلها إلى تبين أصناف عديدة منها: سحر شفهي وسحر كتابي، ثم داخل السحر الكتابي، ثمة عد كبير من الفروع لا مجال للوقوف عندها في هذا السياق.

  1. المغرب فضاء للمتخيل السحـري:
    أمام الإغراء الذي يعرضه مجال المتخيل في الممارسات السحرية المغربية، فضلت الاستجابة إلى إغراء آخر غير لم يسبق تناوله – في حدود ما أعلم – ألا وهو المغرب باعتباره فضاء للمتخيل السحري لدى المشارقة.
    في الواقع يدخل السحر والخفي ضمن المكونات الأساسية لجميع المجتمعات، وبدون استثناء. ألا ترتد أصول سائر المجموعات البشرية إلى ما نسميه الآن بالإنسان البدائي؟ ألم يكن السحر منظومة فكرية تهيمن على الفكر البشري في سائر أنحاء المعمور طيلة آلاف من السنين؟ يتيح هذا المعطى الحديث عن السحر باعتباره من المكونات الأساسية ليس للذاكرة المغربية فحسب، وكذلك لذاكرة جميع الشعوب العربية الإسلامية شأنهات شأن سائر المجتمعات قاطبة بما فيها الغربية الحداثية. لكن الصورة الشائعة عن المشارقة حول المغاربة هو أنهم يتعاطون كثيرا للسحر. لماذا يتم إقران المغرب بالسحر؟
    من المفيد النظر إلى هذه المسألة من جانبين: المتخيل والواقعي.
    فقد انطلقت الحضارة، كما هو معروف، من المشرق. والمغرب كان يشكل في متخيل القدماء أقصى نقطة في المعمور، حافة الدنيا إذا جاز التعبير (ونذكر أنهم كانوا يسمون المحيط الأطلسي بحر الظلمات وكانوا يظنون عدم وجود أي شيء وراءه، ولنستحضر في هذا الصدد أنهم كانوا يتخيلون أن الأرض مسطحة وليست كروية). ولما وصلوا إلى المغرب توهموا أنهم وصلوا إلى نهاية الدنيا التي تقع على حافة المجهول الذي لا يمكن أن يفضي إلا إلى عالم آخر لا تستوعبه سوى تسمية اللامرئي والآخرة. ومن يقيم قرب الظلام أو الجحيم أو الآخرة أو اللامرئي لا يمكن إلا أن يكون قد تماسَّ مع هذه العوالم واقتبس من معارفها وطقوسها… يشكل هذا المعطى – برأيي – نقطة البدء التي سترتسم عبرها، بتقدم القرون، صورة «المغربي الساحر». سيكون مفيدا إنجاز بحث في «ألف ليلة وليلة»، ينكب على دراسة حضور «الساحر المغربي» في حكايات هذا المتن الذي يدخل ضمن مكونات المتخيل العربي الإسلامي بقدر ما سيكون مفيدا دراسة مصنفات للقدماء مملوءة بالمعارف والوصفات السحرية مع أن محور تلك المؤلفات ونقطة انطلاق تأليفها لم يكن سحريا؛ من ذلك مثلا «تذكرة» داوود الأنطاكي و«حياة الحيوان الكبرى» للدميري، وتاريخ الطبري وتاريخ ابن كثير وعجائب المخلوقات وغرائب الموجودة، بل وبعض كتب السيرة النبوية ذاتها…

بيد أن هذه الصورة ليست حقيقية مطلقا بالنظر إلى واقع الأمور. فمن يسمع طلبات المشارقة ورغباتهم في قضاء أمورهم السحرية بالمغرب، يخيل إليه أن أهل المشرق يحملون عن المغاربة صورة متخيلة بمقتضاها يكون السحر داخلا في الحياة اليومية لجميع المغاربة، بحيث يتحدثون عنه صباح مساء، يترددون كلهم على السحرة، يعرفون عناوينهم ومراتبهم في الفعالية، الخ. والحال أن من المغاربة – كما هو معلوم – من لا يعرف أي شيء عن عالم السحر الذي يظل ممارسة هامشية و«أقلية» – إن جاز التعبير – كما في سائر المجتمعات. بيد أننا هنا إزاء أمر له تفسيره، ويتمثل في كون إلقاء صفة «الساحر» على «الآخر» أو «الغير» يدخل في صلب التمثلات السحرية: فقد لوحظ في جميع الشعوب أن نعتَ السحرة يُلقى به على مجموعات اجتماعية بينها وبين الجماعة المُسَمية فوارق جغرافية أو عرقية أو ثقافية أو جسدية (اليهود، الحدادون، الغرباء، الخ.). والطريف في الأمر أن المغاربة بدورهم يعتبرون أمهر السحرة موجودين في المشرق، ثم إن الكتب المستعملة من لدن السحرة المغاربة حاليا أغلبها المطلق كتبه مشارقة وطبع في المشرق. ها نحن أمام التمثل نفسه، أمام تلك الصورة السحيقة المتسللة إلينا معا من أعماق القرون.

هوامـش
[1] لمزيد من التوسع حول هذه النقطة، راجع:

  • La théorie du chaos:
    http://patrice.jeandroz.free.fr/chaos/
    [2] توماس جولدشتاين، المقدمات التاريخية للعلم الحديث من الإغرايق إلى عصر النهضة، ترجمة: أحمد حسان عبد الواحد، تاريخ العلم الحديث، عالم المعرفة، الكويت، المجلس الأعلى للثقافة، ع. 296 ، سبتمبر 2003، ص. 249.
    [3] كاترين باكيس-كليمـون، «الموضوع الرديء»، ضمن أبحاث في السحر، تعريب: محمد أسليم، مكناس، مطبعة سندي، 1994، ويمكن الاطلاع على النص نفسه بالعنوان:
    http.//aslimnet.free.fr/traductions/abhath/abhath3.htm
    [4] أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي، سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، تحقيق الدكتور إحسان عباس، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1980، ص. 183-184.
    [5] Marcel Mauss, «Théorie générale de magie», in Marcel Mauss, Sociologie et anthropologie, Paris, PUF, Quadrige, 1950.
    [6] عبد الفتاح السيد الطوخي، منبع أصول الرمل المسمى بالدرة البهية في العلوم الرملية، بيروت، المكتبة الثقافية، (د. ت.).
‫0 تعليق